تأخذك إلى أعماق الفكر

رمضان في القاهرة الفاطمية

منذ فرض صيامه في العام الثاني من هجرة المصطفى “صلى الله عليه وسلم”، وإلى اليوم، احتفظ شهر رمضان بمكانة متفردة يزهو بها على شهور السنة الهجرية. فالقرآن نزل في رمضان ولم يذكر فيه من الشهور سواه، نهاره انقطاع عن الطعام والشراب وتقرب إلى الله بعبادة لا يعلم ثوابها إلا الله، ولياليه عامرة بصلاة القيام ، وفيه ليلة القدر، حيث العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر.

وما أن أشرق نور الإسلام على مصرنا العزيزة، حين فتحها الصحابي الجليل عمرو بن العاص، حتى وضع المصريون بصفتهم المميزة على هذا الشهر الكريم، معبّرين عن فرحتهم بقدومه فتوالت مظاهر احتفالهم به بدءًا من موكب الرؤية والفانوس والمسحراتي وحتى تخصيص الشهر الكريم بأطعمة ومشروبات لا تظهر في سواه، بدءًا من الكنافة والقطايف ومرورًا المخللات وأنواع المحاشي حتى نصل إلى كعك العيد، ولا ننسى بالطبع زينة رمضان.

ومع توالي الحكّام المسلمين على حكم مصر، تنوّعت مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم، لكن الكثير مما نشهده اليوم من عادات رمضانية، يعود أصلها إلى عصر الدولة الفاطمية.

“فقد أضاف الفاطميّون إلى طقوس رمضان عادات ورموز يعدّها الكثيرون اليوم من لوازم الشهر الكريم، ليس في مصر فقط بل وفي جميع الدول الاسلامية، فها هو فانوس رمضان،  قد أضحى رمزًا تعبيريًا للشهر الكريم، وكذلك المسحراتي وموائد الرحمن.

ولعل اهتمام الدولة الفاطمية بشهر رمضان يعود إلى أنّ أحداثًا بارزة في التاريخ الفاطمي حدثت في رمضان، فقد فتح الفاطميون مصر علي يد جوهر الصقلي قُبيل حلول رمضان  بأيَّام، ووضع حجر الأساس للجامع الأزهر في (14 رمضان 359هـ) وأقيمت  الصلاة فيه لأوَّل مرَّة (7 رمضان 361هـ)، وكان وُصول الخليفة المُعز لدين الله للفسطاط مساء يوم 7 رمضان سنة 362هـ، حدثًا مميزًا حيث استقبله العامة بالفوانيس، ولعلّ هذا كان بداية الارتباط بين رمضان والفانوس.

إعلان

موكب الرؤية

كان استقبال رمضان دومًا من الأيام المشهودة في مصر الفاطمية، فلو تخيّلت نفسك وقد رجع بك الزمن إلى الوراء لأبصرت الخليفة في موكبه ممتطيًا جواده وهو يمرّ بباب الذهب داخل سور القصر الكبير الشرقي، مرتديًا حلّته المذهبي، ممسكًا في يمناه بقضيب الملك متوجًا بعمامته الضخمة، رمز الوقار.. وقد رجعت بأغلى وأندر اليواقيت والزمرد، يتوسطها هلال من الياقوت الأحمر تتوسطه جوهرة عظيمة، محاطًا بإخوته وبني عمّه، مترجّلين هم وكبار أمراء الدولة وأرباب السيوف والمقدمين أصحاب ركاب الخليفة، كل ذلك في حراسة خمسة آلاف فارس.. عدا جنود المشاه بطوائفهم المختلفة.

موائد الرحمن

وربما يعود أصل موائد الخير في رمضان والتي يجتمع عليها الغني والفقير في شهر الكرم إلى ما كان يسمى في العصر الفاطمي “سماط رمضان”، وهنا ندع المجال للمؤرخ الشهير المقريزي ليحكي لنا عن سماط السلطان، والذي تطور اليوم إلى ما يعرف بموائد الرحمن، والتي يقيمها اليوم الموسرون، وأهل الإحسان.

يقول المقريزي: “فكان السماط يمدّ في (قاعة الذهب) بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان وفي العيدين. وهذه القاعة كان بها جلوس الخلفاء في الموكب يومي الاثنين والخميس، وبها كان يعمل سماط رمضان للأمراء وسماط الطعام في العيدين”.

ويسهب المقريزي في وصف الولائم الفاطمية الرمضانية العامرة فيقول: “ويهتم بذلك السماط اهتماما عظيمًا تامًا، بحيث لا يفوته شيء من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائقة، وهو مبسوط في طول القاعة، ممتد من الرواق إلى ثلثي القاعة، والفراشون قيام لخدمة الحاضرين، فيحضرون الماء المبخر في كيزان الخزف إلى الحاضرين. ويستمر ذلك إلى العشاء الآخرة”.

فانوس رمضان

عرف فانوس رمضان لأول مرة يوم دخول المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة قادمًا من المغرب في يوم الخامس من رمضان عام 358 هجرية، حيث استقبله المصريون استقبالًا حافلًا في موكب امتدّ من صحراء الغربية من ناحية الجيزة للترحيب ولما كان المعزّ قد وصل ليلًا.. فقد حمل الجميع المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة وذلك لإضاءة الطريق إليه، وظلت الفوانيس مضاءة طيلة شهر رمضان، ومن يومها أصبح الفانوس رمزًا للشهر الكريم شاهدًا على إبداع الإنسان المصري، وإن كانت السنوات الخيرة قد شهدت غزو الفنانة الصيني للأسواق الشعبية، لكن هيهات.. فيظلّ دومًا ذلك الفانوس التقليدي بشكله المميز معبّرًا عن شخصية مصر المميزة.

المسحراتي

طبعًا، لا يذكر المسحراتي إلا ويذكر عمنا “سيد مكاوي”  الذي ظلّ لسنوات طوال يشدو بروائع شاعر العامية الكبير “فؤاد حداد” على شاشة التلفزيون المصري.

ويقول المؤرخون أنّ أول مسحراتي في الإسلام كان سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه، حين كان يطوف بشوارع المدينة المنورة مذكرًا بموعد السحور بصوته الندي، أما في مصر فقد كان إسحق بن عقبة يطوف بنفسه ليقود أهلها للسحور. أما الخلفاء الفاطميون فقد عهدوا بتلك المهمة إلى طائفة من الجند تتولى الأمر، إلى أن فكّر أحدهم في تخصيص فرد معيّن للقيام بتلك المهمة وسمّي  بالمسحراتي،  فما إن يدخل علينا الشهر الكريم حتى تُعانق عصاه الأبواب في كل ليلة مناديًا «يا أهل الله قوموا تسحروا» وبمرور الزمن ابتكر الخيال الشعبي عبارات متنوعة طالما سمعناها صغارًا على لسان المسحراتي، مثل “اصحى يا نايم وحّد الدايم.. وقول نويت بكرة إن حييت.. الشهر صايم والفجر قايم.. ورمضان كريم.

وبعكس الفانوس الذي ما زال يقاوم عوادي الزمن ويحتفظ لنفسه بمكانه متميزة في شوارعنا، متباهيًا وسط زينة رمضان، التي ما زالت تظلل شوارعنا العامرة بموائد الرحمن، إلا أننا في السنوات الأخيرة نفتقد المسحراتي، بصوته الشجي.. رحل سيد مكاوي ورحل فؤاد حداد، فغاب المسحراتي عن الشاشة الفضية، ويبدو أنه سيغيب أيضًا عن شوارعنا في قادم الأيام.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.