تأخذك إلى أعماق الفكر

رامي مالك .. الفرعون يتوج مرة أخرى

0

يمكننا تخيل شكل حياة رامي مالك لو لم تقع القرعة الأمريكية للهجرة على والديه في أواخر السبعينيات، ليس هناك شيءٌ كبيرٌ يمكنه أن يحدث ليختلف عن أي مصري قبطي آخر ينشأ في محافظة المنيا الأكثر فقرًا وطائفية بصعيد مصر.

احتمالات البقاء كلها حزينة، من التعليم البائس إلى الفرص الشحيحة إلى الوظيفة العادية إلى الحياة الزوجية الرتيبة والعيش على هامش الحياة في المنيا، هناك حيث يكون أكبر الأمل هو تفادي التعرض لحادثة طائفية مهينة للكرامة أو مهددة للحياة نفسها، واللهاث للفرار من الوقوع بين يدي الفقر والحاجة.

لكن هذه البطاقة للمستقبل غيرت كل شيء، يكفي الأمل بالحرية والشعور أن الفرصة التالية لاجتهادك الشخصي، وهي مجردة تمامًا من أي أبعاد أخرى.

على أن الحياة في المهجر ليست بهذه السهولة على أسرة رامي المصرية البسيطة التي فقدت عائلها، فكان عليه أن يواجه اليتم والغربة في آنٍ واحد.

إعلان

رامي مالك الذي قدّم عرضًا مبهرًا في المسلسل الشهير mr robot، الذي يعرج في جزء من الحكي على تلك العلاقة الملتبسة بين الابن عبقري التكنولوجيا التائه، الذي يعيش في ظل شبح الأب المتوفي، وهو الدور الذي قام به الممثل الأمريكي كريستيان سلاتر، عاد وقدم بنفس البراعة والإبهار الأداء الذي حاز عليه جائزة الأوسكار لأحسن ممثل هذا العام، عن تجسيده لحياة المغني الرئيسي في فرقة كوين: فريدي ميركوري.

إن لفيلم bohemian rhapsody فضلاً كبيرًا على حياة رامي لم ينكره هو شخصيًا في حديثه، فهو لم يكتفِ بمنحه جوائز الأوسكار والجولدن جلوب والبافتا، لكن عرفه إلى حبيبته الحالية الممثلة الجميلة لوسي بينتون، وكانت زميلته في نفس الفيلم أيضًا.

يُذكر أن هذا الفيلم تعثر إنتاجه أكثر من مرة وكاد أن يقف عند حدود الفكرة وتأجل لسنين، ولم يتم اختيار رامي له من البداية، حتى خرج للنور أخيرًا مرة أخرى، ربما بنفس الطريقة التي وقعت بها القرعة على أبوي رامي للهجرة.

كان أول ظهور عرّفنا إلى رامي في السينما هو تجسيده لدور الفرعون المصري في فيلم night at the museum، وبالرغم من أنه دائم الحديث عن أصوله المصرية حتى أنه ذكر صراحةً في خطبة الأوسكار القصيرة أنه ابنٌ لأبوين مهاجرين من مصر، كما ذكر نصًا في حواره الأخير مع مجلة GQ الشهيرة: “ليس هناك جيلٌ أول أو جيلٌ ثانٍ، أنا مصري، لقد كبرت وأنا أستمع إلى الموسيقى المصرية وأحببت أم كلثوم وعمر الشريف، هؤلاء هم أهلي، أشعر أنني مرتبط بالثقافة والبشر الموجودين هناك، وأعترف بأن لدي تجربة مختلفة، ولكنني مفتون جدًا بالثقافة المصرية ومتشابك معها، إنني نسيج منها”.

وهذا ما يجعلنا نتعجب من الأصوات التي تأبى علينا كمصريين الاحتفال به باعتباره ليس مصريًا بما يكفي، متناسين أن المصرية ليست جنسية حصرية، وأن الولع بالمصرية هي ظاهرة عابرة للحدود ولا تقف أبدًا عند حد إتقان اللغة أو عدد سنوات العيش في مصر.

إن النماذج المصرية اللامعة في الخارج أمثال رامي مالك ومحمد صلاح هي تذكِرة دائمة لنا بحدود النجاح الكبيرة التي يمكن أن يصل لها الإنسان المصري، لو توافرت له ظروف الحياة الكريمة والتعليم الجيد والعمل على تنمية مواهبه، وأتيحت له الفرص العادلة بغض النظر عن جنسه أو دينه أو أصله الاجتماعي.

أمكننا تحمل واحدة من أسخف حفلات الأوسكار؛ حيث قُدمت بدون مضيف لهذا العام، وكانت مليئة بكل الطنطنة والحديث عن الصوابية السياسية وأجندة اليسار المهيمن على توجهات أغلب أعضاء الأكاديمية والحضور، وبالرغم من أنهم لم يكونوا على قدر ادعاءاتهم اليسارية البراقة، وأذاعوا الحفل كما العادة مشفرًا على المحطات التي لا يستطيع من يلوكون حول حقوقهم الولوج إليها بدون دفع، فقط لمشاهدة فرعوننا المصري الذي يشبهنا بعيونه التائهة الحزينة وصوته العميق وهو يقول في خطاب قبوله الجائزة: “شكرًا لكل من آمن بي، ربما لم أكن الاختيار الأكثر وضوحًا لكنّي كنت الاختيار الأجدى نفعًا”.

فريق الإعداد

إعداد: مينا هاني

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

الصورة: Photograph: Rob Latour

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...