تأخذك إلى أعماق الفكر

الثُّقوب السوداء وأكثر أسرار مجرَّة درب التَّبانة غموضًا

يتشارك جائزة نوبل في الفيزياء هذا العالم ثلاثة فائزين عن اكتشافاتهم لواحدة من أكثر ظواهر الكون غرابة، الثقب الأسود. وضَّح روجر بينروز أنّ الثقوب السوداء هي نتيجة مباشرة لنظرية النسبيِّة العامة، اكتشف رينهارد جينزل وأندريا جيز أن جسمًا غير مرئيّ وشديد الثقل يتحكَّم في مدارات النجوم في مركز مجرتنا درب التبانة، التفسير الوحيد المعروف الآن هو ثقب أسود عملاق.


ابتكر روجر بينروز طُرقًا رياضيّةً عبقريّةً من أجل استكشاف نظرية النسبيّة العامة لآلبيرت آينشتاين، وقد بيّن أنّ النظرية تقود إلى تكوين الثقوب السوداء، هذه الوحوش السابحة في المكان والزمن والتي تبتلع أي شيء يدنو منها، لاشيء يمكنه الهرب -ولا حتى الضوء-.

قاد كلا من رينهارد جينزل وأندريا جيز فريقًا من علماء الفلك، صبَّ الفريقان تركيزهما على منطقة في مركز درب التبانة منذ أوائل التسعينات، ومع ازدياد الدّقة، تمكنوا من رسم خريطة لمدارات أكثر النجوم لمعانًا وأقربها للمركز. وجد كلا الفريقين شيءً غير مرئي وثقيل يُجبِر هذا الزحام من النجوم على الدوران، تكافئ هذه الكتلة غير المرئيّة كتلة أربعة ملايين شمس، منضغطين معًا في مساحة لا تتعدى مساحة مجموعتنا الشمسية، فما الذي يجعل النجوم في قلب درب التبانة تدور بهذه السرعة المذهلة؟ وفقًا لنظرية الجاذبيّة الحاليّة هنالك مرشح واحد، ثقب أسود عملاق.

روجر بينروز

قفزة إلى ما بعد آينشتاين

لم يكن حتى آلبرت آينشتاين -الأب الروحيّ للنسبيةّ العامّة- يعتقد أن وجود الثقوب السوداء ممكنًا، ومع ذلك وبعد عشرة أعوام على وفاة آينشتاين، بيّن الفيزيائيّ النظريّ البريطاني روجر بينروز أن تكون الثقوب السوداء ممكن، كما وصف خصائصها. في قلب الثقوب السوداء تختبئ التفردية singularity، حد تنهار عنده كل قوانين الطبيعة المعروفة.

إعلان

لإثبات أن تكون الثقوب السوداء هي عملية مستقرّة، احتاج بينروز لتوسيع الطرق المستخدمة في دراسته لنظرية النسبيّة ومقابلة مشكلات النظريّة بمفاهيم رياضيّة جديدة. نُشرت مقالة روجر بينروز الرائدة في ينالير 1965 وما زالت تعتبر كأهم المساهمات في النسبيّة العامة منذ آينشتاين.

الكون في قبضة الجاذبية

تعتبر الثقوب السوداء أغرب نتائج نظريّة النسبيّة، عندما قدَّم آينشتاين نظريته في نوفمبر 1915، أزاحت كل المفاهيم السابقة عن المكان والزمن، قدّمت النظرية أُسُسًا جديدة كليًّا لفهم الجاذبية التي تشكِّل الكون على المقياس الأكبر، مثلت النظرية منذ ذلك الحين أساس كل دراسات الكون، كما أن لها استخدامًا عمليًا في واحد من أكثر أدوات الملاحة شيوعًا، نظام التموضع العالمي GPS.

تشرح نظرية آينشتاين كيف أنّ الجاذبيّة تمسك في قبضتها كل شيء في الكون، فالجاذبية تثبِّتنا على الأرض، وتتحكّم في مدارات الكواكب حول الشمس ومدار الشمس حول مركز درب التبانة. تتسبّب في ميلاد النجوم من السحب النجمية، وفي موتها في النهاية في عملية الانهيار التجاذبي (Gravitational collapse)، تعطي الجاذبية للمكان شكله وتؤثر في مرور الزمن، تؤدي الكتل الثقيلة إلى انحناء المكان وتباطؤ الزمن، ويمكن لكتلة هائلة الثقل أن تقتطع قطعة من المكان وتحصرها مكونة ثقبًا أسودًا.

ظهر أول وصف نظري لما نعرفه اليوم بالثقب الأسود بعد بضعة أسابيع من نشر نظرية النسبية العامة. بالرغم من المعادلات الرياضية بالغة التعقيد للنظرية، تمكّن عالم فيزياء الفضاء الألماني كارل شفارتسشيلد من توفير حل لآينشتاين لوصف كيف يمكن للكتلات الثقيلة أن تحني المكان والزمن.

أظهرت دراسات لاحقة أنّه بمجرد تكوّن ثقبًا أسودًا فإنه يُحاط بأفق الحدث (event horizon)، والذي يحيط بالكتلة كالوشاح ويظل الثقب الأسود مخفيًا داخل أفق الحدث الخاص به إلى الأبد. كلما زاد الكتلة، زاد حجم الثقب الأسود وأفق الحدث، بالنسبة لكتلة مماثلة للشمس مثلًا، سيكون طول قطر أفق الحدث ثلاثة كيلومترات تقريبًا، وبالسنبة لكتلة مماثلة للأرض سيكون طول القطر بضعة ميلليمترات فقط.

حل أكثر من متكامل

اكتسب مفهوم الثقوب السوداء معانٍ جديدة في أكثر من شكل من التعبيرات الثقافيًة، ولكن بالنسبة للفيزيائيين تمثّل الثقوب السوداء خط النهاية الطبيعي لرحلة تطور النجوم الضخمة. كانت أول حسابات للانهيار الدراماتيكي لنجم عملاق قد سُجّلت في أواخر ثلاثينات القرن الماضي بواسطة الفيزيائي روبرت أوبينهايمر، والذي قاد في وقت لاحق مشروع مانهاتن الذي صنع أول قنبلة ذريّة على الإطلاق. عندما تنضب الطاقة الخاصة بنجم ضخم أكبر من حجم الشمس بعدة مرات، فإنه في البداية ينفجر كمستعر أعظم (supernova) ثم ينهار إلى بقايا شديدة الانضغاط عالية الكثاف، ثقيلة الكتلة إلى درجة تجعلها تجذب كل شيء إلى داخلها حتى الضوء.

بدأت فكرة “النجوم المظلمة” في الظهور قديمًا جدًا، منذ أواخر القرن الثامن عشر في أعمال الفيلسوف والرياضياتي البريطاني جون ميتشيل والعالم الفرنسي المعروف بيير سيمون دو لابلاس، استنتج كلاهما أنّ الأجرام السماوية يمكنها أن تصبح شديدة الكثافة لدرجة أن تصبح غير مرأية فحتى سرعة الضوء لن تكون كافية للهروب من جاذبيتها.

بعد أكثر من قرن لاحقًا، عندما نشر ألبيرت آينشتاين نظريته النسبية العامة، وصفت بعض الحلول الخاصة بمعادلات النظرية بالغة التعقيد هذه النجوم المظلمة تمامًا، كانت هذه الحلول حتى ستينات القرن العشرين تعتبر كافتراضات نظرية خالصة تصف فقط مواقفًا مثاليةً حيث النجوم والثقوب السوداء الناتجة عنها مستديرة ومتناظرة بشكل مثالي تمامًا، ولكن لا شيء في الكون مثاليً، وكان روجر بينروز أول من ينجح في إيجاد حل واقعي لكل المادة المنهارة، بكل ما فيها من تجاويف ومناطق غائرة وعيوب طبيعيّة.

لغز النجم الزائف

عاد التساؤل حول وجود الثقوب السوداء للظهور مجددًا في عام 1963 مع اكتشاف النجم الزائف أو الكويزر(quaser) -ألمع الأجسام في الكون-، ظل العلماء حائرين لقرابة العقد بسبب موجات راديو ذات مصدر غامض، مثل ( 3C273) في كوكبة العذراء، كشف الإشعاع في طور الضوء المرئي أخيرًا أن الموقع (3C273) بعيد للغاية، لدرجة أن الموجات تستغرق في سفرها نحو الأرض نحو مليار سنة.

ما دام مصدر الإشعاع بعيد لهذه الدرجة، فلابد أنّ شدَّة الضوء فيه تعادل عدة مئات من المجرات. تم تسميتها بال”كويزر-quasers” أو النجوم الزائفة، اكتشف العلماء مؤخرًا نجومًا زائفةً نائيةً لدرجة أنها كانت قد أطلقت موجاتها خلال الطفولة المبكرة للكون، إذن من أين يأتي ذلك الإشعاع الهائل؟ ثمة طريقة واحدة للحصول على ذلك القدر من الإشعاع في ذلك الحجم المحدود للكويزر، من مادة تنهار إلى ثقب أسود عملاق.

الأسطح المحصورة تحلُّ اللُّغز

كان السؤال حول إمكانية تكوّن الثقوب السوداء تحت الظروف الواقعية من عدمه محيّرًا لروجر بينروز وظهرت له الإجابة -كما تذكر لاحقا- في خريف 1964 بينما كان يمارس المشي مع زميل له في لندن حيث كان بينروز أستاذًا للرياضيات في كلية بريكبيك، فعندما توقفا عن الحديث للحظاتٍ كي يعبرا الطريق، لمعت فكرة في عقله، بحث روبرت عنها بين ثنايا ذاكرته لاحقا ذلك اليوم. كانت هذه الفكرة التي سمّاها (بالأسطح المحصورة)، هي المفتاح الذي لطالما بحث عنه بشكل لا واعٍ، أداة رياضية حاسمة لوصف الثقب الأسود.

يُجبر السطح المحصور جميع الآشعة على التوجه نحو المركز، بغض النظر عن ما إذا كان السطح ينحني إلى الخارج أم الداخل. تمكن بينروز بواسطة الأسطح المحصورة من إثبات أنّ الثقوب السوداء تخفي دائمًا بداخلها التفرديّة (singularity)، حدٌ ينتهي عنده الزمن والمكان، يمتلك هذا الحدُّ كثافةً لانهائيةً، وحتى الآن لا توجد نظرية لتفسير هذه الظاهرة الأكثر غرابة في الفيزياء.

أصبحت الأسطح المحصورة نظرية مركزيّة لإكمال إثبات بينروز لنظرية التفرديّة. أصبحت الآن الطرق الطوبولجية التي قدمها لا تقدر بثمن في دراسة الكون المنحني.

طريق باتّجاهٍ واحدٍ نحو نهاية الزمن

يتشكّل السطح المحصور بمجرد بدء المادة في الانهيار، لا شيء يمكنه إيقاف الانهيار لا يوجد طريق للعودة، كما في القصة التي يخبرنا بها الفيزيائي والفائز بجائزة نوبل “سابرامانين تشاندراسخار” المستوحاة من طفولته في الهند. القصة تتحدث عن حشرة اليعسوب ويرقاتها والتي تعيش تحت الماء، عندما تصبح اليرقة جاهزة لبسط أجنحتها فإنّها تعد رفيقاتها بأن تخبرهم كيف تبدو الحياة على الجانب الآخر من سطح الماء، ولكن بمجرد عبور اليرقة للسطح وتحليقها بعيدًا كيعسوب بالغ لا يمكنها العودة، ولن تعرف اليرقات تحت الماء كيف تبدو الحياة خارجها أبدًا.

بشكلٍ مشابهٍ، يمكن للمادة عبور أفق الحدث في اتّجاهٍ واحدٍ فقط، يحل الزمن محل المكان و تشير كل المسارات المحتملة إلى الداخل، ويحمل تدفق الزمن كل شيء إلى نهاية محتومة في التفردية، لن تشعر بأي شيء إذا سقطتَ خلال أفق الحدث الخاص بثقب أسود عملاق، ولن يستطيع أحدٌ رؤيتك من الخارج بينما تسقط وستستمر رحلتك نحو الأفق إلى الأبد. يُعدُّ النظر من خلال أفق الحدث مستحيلًا وفق قوانين الفيزياء؛ تخفي الثقوب السوداء كل أسرارها خلف أفق الحدث.

الثقوب السوداء تحكم مسارات النجوم

بالرغم من عدم قدرتنا على رؤية الثقوب السوداء، فإنّه من الممكن التّحقق من خصائصها عن طريق مراقبة كيف توجِّه جاذبيتها الهائلة حركة النجوم المجاورة.

قاد رينهارد جينزيل وآندريا جيز فريقيّ بحثٍ منفصلين لاستكشاف مركز مجرتنا درب التبانة. متخذة شكل قرص مسطح بعرض حوالي 100.000 سنة ضوئية، تتكون المجرّة من غازات وغبار نجمي وبضع مئات من النجوم، وواحد من تلك النجوم هو شمسنا، تحجب سحب من الغازات والغبار النجميّ معظم الضوء القادم من مركز المجرة. كانت تلسكوبات الأشعة تحت الحمراء وتكنولوجيا الراديو هي أول ما أتاح لعلماء الفلك الرؤية من خلال قرص المجرة وتصوير النجوم في المركز.

تمكّن جينزل وجيز باستخدام مدارات النجوم كدلائل من إنتاج أكثر الأدلة إقناعا حتى الآن وهو أن ثمة جسمًا عملاقًا يختبئ هناك، والتفسير الوحيد الممكن هو ثقب أسود.

روجر بينروز

التركيز على المركز

اشتبه الفيزيائيون لأكثر من خمسين عامًا في وجود ثقبٍ أسود في مركز درب التبانة. منذ اكتشاف النجوم الزائفة “الكويزر” في مطلع الستينات، استنتج الفيزيائيون أنّ الثقوب السوداء العملاقة يمكن أن توجد بداخل معظم المجرّات الكبيرة، ومن ضمنها مجرّة درب التبانة وبالرغم من ذلك لم يستطع أحد حتى الآن تفسير كيف تكونت هذه المجرّات وثقوبها السوداء بين مليارات المجموعات الشمسية.

منذ مئة عام مضت كان عالم الفلك الأميركي هارلو شابلي أول من حدّد مركز درب التبانة، في اتجاه كوكبة القوس. وجد العلماء مع مزيد من الملاحظات مصادر قوية لموجات الراديو في تلك البقعة، والتي أُطلِق عليها “Sagittarius A*”، أصبح الأمر جليا في أواخر الستينات أن  “Sagittarius A*” تحتل مركز مجرة درب التبانة الذي تدور حوله كلّ نجوم درب التبانة.

لم تتح المزيد من الدراسات المنهجية لمنطقة “Sagittarius A*” حتى توفرت تليسكوبات أكبر ومعدات أفضل في التسعينات، بدأ كلا من رينهارد جينزل وأندريا جيز مشروعات محاولين الرؤية من خلال الغبار النجمي والسحب وصولًا لقلب درب التبانة، تمكنا بجانب فرقهما البحثية من تطوير وتحسين التقنيات المستخدمة وبناء أدوات فريدة وتكريث أنفسهم من أجل البحث بعيد المدى.

فقط أكبر تليسكوبات العالم ستتيح التحديق في النجوم البعيدة، تعتبر مقولة الأكبر أفضل صحيحة للغاية في علم الفلك، استخدم الفلكي الألماني رينهارد جينزل ومجموعته في البداية تليسكوب the New Technology Telescop” NTT” المتواجد فوق جبل لاسيلا في تشيلي. ولكنهم نقلوا مشاهداتهم مؤخرا إلى منشأةthe Very Large Telescope facility” VLT”  أعلى جبل بارانال في تشيلي أيضًا، باحتوائه على أربعة تليسكوبات بضعف حجم NTT، يمتلك VLT أكبر مراءٍ متجانسة في العالم، لكل منها قطر يتجاوز الثمانية أمتار.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.