تأخذك إلى أعماق الفكر

حكاية استعمار حديث

تقف كنيسة القديسة مريم في قرية إقرث الفلسطينية المدمرة على قمة تل في شمال الجليل بمفردها محاطة بالرّكام. إنه آخر مبنى متبقٍ في قرية إقرث الفلسطينية، التي تم طرد سكانها وتدميرها بعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي كدولة في 15 مايو 1948.

“هذا المكان يعني الكثير بالنسبة لنا، فهو يذكرنا بالمكان الذي أتينا منه”، يقول سامر الذي كان أجداده من بين 600 مسيحي طردهم الجيش الإسرائيلي من إقرث منذ ما يقرب من سبعة عقود. قصة إقرث مشابهة لقصة 530 قرية أخرى تم تسويتها بالأرض في عملية عرفت للعالم باسم إنشاء إسرائيل – وللفلسطينيين باسم “النكبة”.

نزل اليهود الأوروبيون الأوائل على شواطئ فلسطين وأقاموا مستوطنات مبكرة في القرن التاسع عشر. في عام 1948، استولت القوات الصهيونية بشكل ممنهج على الأرض وطردت الناس من منازلهم ونزح الكثيرون للعيش كلاجئين في مناطق معزولة.

إن أسس المشروع الاسرائيلي متجذرة في كونها استعمارية رغم محاولة تلميعها من أجل مواصلة إخضاع الفلسطينيين للاحتلال العسكري وسلب الأراضي وانتهاك الحقوق. بعد سبعين عامًا، لا تزال جراح النكبة مفتوحة، حيث يمنع الاحتلال الإسرائيلي أكثر من سبعة ملايين لاجئ من حق العودة رغم أنه يمنح الجنسية لأي شخص يمكنه إثبات أصل يهودي.

“الاحتلال لا يسمح للفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم في إقرث، يُسمح لنا فقط بالعودة كأموات لندفن هنا”، يؤكد سامر، 28 عامًا، مشيرًا إلى مقبرة ليست بعيدة عن الكنيسة. ولا تزال أنشطة أخرى مثل إعادة بناء المنازل المهدمة أو زراعة المحاصيل غير قانونية في حين تم توطين العديد من المناطق التي هُجرت من السكان في عام 1948 من قبل المهاجرين اليهود أو حولتها السلطات الإسرائيلية إلى غابات ومناطق عسكرية.

إعلان

لكن قبل ما يقرب من ست سنوات، قرر شباب من الجيل الثالث للنكبة من سكان إقرث المُهجَّرين تحدي القواعد التي تبقيهم بعيدًا عن أراضيهم، وبدأوا في إحياء القرية من العدم. “من خلال نظام المناوبات الدورية، نحافظ على وجودنا المستمر هنا. خلال النهار، نذهب إلى أماكن عملنا في بلدات المنطقة ثم نعود إلى إقرث”، يقول سامر، الذي يعمل في مؤسسة طبية ناشئة في مدينة حيفا. “نعقد أيضًا تجمعات نهاية الأسبوع ومخيمات صيفية سنوية لإشراك السكان من الأجيال الأصغر والأكبر سنًّا .. نريد أن تبقى ذكرى إقرث حية”.

علاوة على ذلك، فإن الفلسطيني غير قادر على زيارة القرية التي طُرد منها أسلافه للأسف إلا إذا كان من الأقلية العرب ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. من ناحية أخرى، لا يزال معظم اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في فلسطين أو بلدان أخرى، وغالبًا في مخيمات تم بناؤها على عجل في الخمسينيات من القرن الماضي كمساكن مؤقتة. على هذا النحو، لا يمكنهم العبور إلى أراضيهم دون إذن مسبق من المحتل.

وفقًا للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، فإن التهجير القسري للفلسطينيين يصل حد التطهير العرقي. “حكاية فلسطين منذ البداية حتى اليوم هي قصة بسيطة حول الاستعمار والسلب، ومع ذلك يتعامل معها العالم على أنها قصة متعددة الأوجه ومعقدة، يصعب فهمها بل ويصعب حلها”، كما يؤكد بابي في كتابه “عن فلسطين” الصادر عام 2015 والذي قام بكتابته مع الباحث الأمريكي نعوم تشومسكي.

وعلى مدى العقود الماضية، تدهور وضع الشتات الفلسطيني أو لنقل أنه أصبح أسوأ بكثير لأنه تحول إلى تشريد مؤسّسي. حيث أن اتفاقيتَي أوسلو لعامي 1993 و1995، بينما تم الاحتفال بهما في الغرب على اعتبارهما خطوة أولى نحو حل الدولتين، لم تتطرقا إلى حق عودة اللاجئين، كما تم تناسي مأزقهم في انعدام الجنسية الفعلي أو امتلاك جنسية مختلفة.

قسمت وثيقة الاتفاقية الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: منطقة “أ” تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ومنطقة “ب” تحت إدارة إسرائيلية فلسطينية مشتركة، ومنطقة “ج” تديرها “إسرائيل”. الاتفاقات التي كان ينبغي أن تمهد الطريق لإنشاء دولة فلسطينية أدت بدلًا من ذلك إلى زيادة وتعزيز الوجود الإسرائيلي في المنطقة من خلال توسيع المستوطنات اليهودية. أشار الباحث إدوارد سعيد إلى أن القادة الفلسطينيين تخلوا فعليًّا عن حق تقرير المصير في معظم أراضي الضفة الغربية مقابل الاعتراف بالسلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الاتفاقية “أداة استسلام فلسطيني، “فرساي” فلسطينية”.

يتضح فشل اتفاقيتَي أوسلو بشكل خاص في المنطقة “ج”، وهي منطقة قليلة السكان تضم أكثر من 60٪ من أراضي الضفة الغربية ومعظم الموارد الطبيعية للمنطقة، حيث تحتفظ “إسرائيل” بالسيطرة الحصرية على تطبيق القانون والتخطيط والبناء. علاوة على ذلك، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي مسؤول عن جميع الحدود داخل وحول الضفة الغربية. بدأت هذه الترتيبات، التي تمّ إدانتها مرارًا وتكرارًا باعتبارها محاولات لضمّ المنطقة “ج” بحكم الأمر الواقع، في خدش الصورة المزعومة التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي الترويج لها أمام العالم.

يتبنى الاحتلال سياسة التعامل بمكيالين: مقابل كل إجراء يتم تنفيذه من أجل سلامة المواطنين اليهود في الأراضي المحتلة، يتم فرض قيود على حقوق الفلسطينيين في التنقل والتنمية. لقد أَوجد النظام المعقّد للحقوق والالتزامات المرتبطة بالوضع الاجتماعي تسلسلات هرمية داخل المجتمع الفلسطيني. في هذا الهيكل الشبيه بالفصل العنصري، يُطلب من الأفراد الحصول على مستويات مختلفة من التفويض في حياتهم اليومية بناءً على المكان الذي هاجرت إليه عائلاتهم في النكبة.

حتى الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية يتعرضون لممارسات تمييزية في التعليم والخدمات العامة والنظام القانوني. هذه هي حالة سامر الذي يعيش مواطنًا من الدرجة الثانية في الأراضي التي تحتلها “إسرائيل” ويواجه تحديات في محاولة إعادة الاتصال بأصوله في إقرث.

كما أن حياة الفلسطينيين الخاضعين للسلطة الفلسطينية يرسم حدودها الاحتلال الإسرائيلي. حسن درويش (تم تغيير الاسم لحماية هويته)، 27 عامًا، وٌلد في مستشفى إسرائيلي في القدس، لكنه نشأ في مدينة رام الله في المنطقة “أ”. عندما كان يبلغ من العمر 12 عامًا فقط، تم اعتقاله وحٌكِم عليه بالسجن لمدة عامين لإلقاء الحجارة على جنود إسرائيليين خلال اشتباك في مخيم للاجئين حيث يعيش أجداده.

يقول حسن: “كنت ألعب مع ابن عمي في مخيم الجلزون عندما دخل الجنود الإسرائيليون.. كان هناك صدام كبير وبدأ جميع الأطفال في الركض نحو الجنود وركضت أنا أيضًا. بعد ذلك، استيقظت في السجن”، كان تذكر الأحداث يثير غضب حسن وإحباطًا في صوته “كان عمري 12 عامًا، هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ كنت طفلاً فماذا أفعل ضد “إسرائيل”؟ أي “إسرائيل”؟ لم أكن أعرف أي شيء”.

سلب الفرد حريته موضوع متكرر في قصة حسن، وهو يتخلل جميع جوانب التجربة الإنسانية الفلسطينية. دفعت معدلات البطالة المرتفعة في الضفة الغربية العديد من الفلسطينيين إلى البحث عن وظائف في “إسرائيل” أو في المستوطنات حيث يتم توظيفهم كعمالة رخيصة وغالبًا بشكل غير قانوني. إن مغادرة المنطقة دون ترخيص يعني المخاطرة بالسجن، ووفقًا لحسن، يتم رفض التصاريح طوال الوقت.

يتابع: “نحن نعيش في سجن ضخم .. إذا كنت تعمل كل يوم وتريد الذهاب في رحلة مع عائلتك أو أصدقائك أو صديقتك، فلا يوجد مكان تذهب إليه. شاطئنا محتل. إذا كنت ترغب في السفر إلى أي مكان، يجب عليك تفتيش سيارتك أولًا لأن أي أداة يمكن استخدامها لإيذاء شخص ما، حتى مقص أظافر، قد يتسبب في القبض عليك أو حتى قتلك”.

“أحضر لي صديق من البرازيل حجرًا من القدس.. إنه لأمر غريب ألّا أكون قادرًا على الذهاب إلى المدينة التي وُلدت فيها وأن آخذ الحجر بنفسي، لقد أطلعت جميع أصدقائي عليه وشعروا بالسعادة لاستطاعتهم لمسه وشمه”.

الأكثر خطورة هو الوضع في غزة، حيث يُعامل السكان كمقاتلين أعداء ويخضعون لحصار بري وجوي وبحري أدى إلى تقليص مساحة الأراضي العامة بنسبة تصل إلى 50٪ منذ عام 2007 وفقًا للبنك الدولي. في 30 آذار/ مارس 2018، أطلق اللاجئون من غزة سلسلة من التظاهرات الأسبوعية تحت عنوان “مسيرات العودة الكبرى”، والتي كان من المقرر أن تنتهي في 15 مايو أي يوم النكبة. بينما تجمع الآلاف بالقرب من الحدود للاحتجاج على عزلهم ومطالبتهم بشكل رمزي في رحلة العودة إلى أراضيهم، ردت قوات الدفاع الإسرائيلية بالغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية، مما أسفر عن سقوط العشرات من الجرحى والقتلى.

مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي انتهاك حقوق الفلسطينيين، يواصل المجتمع الدولي غض الطرف. وغالبًا ما تتم عرقلة المبادرات المؤيدة لحل سياسي للصراع المستمرّ منذ عقود من قبل الولايات المتحدة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفقًا لإيتان برونشتاين وإليونور ميرزا، مؤسسا منظمة إسرائيلية غير حكومية ضد الاستيطان، من مصلحة اليهود الإسرائيليين أيضًا الاعتراف بالروايات الفلسطينية. وكتبوا على موقع المنظمة غير الحكومية على الإنترنت: “الضحايا الرئيسيون لهذا النظام هم الفلسطينيون بالطبع، لكن اليهود الإسرائيليين دفعوا أيضًا ثمن الغزو منذ عام 1948 من خلال العيش في خوف دائم، دون أمل في السلام.. بعبارة أخرى، نعتقد أن المفتاح الأساسي لمستقبلنا هنا متجذر بعمق في ماضينا”.

بذكر المستقبل، لا يزال حسن متفائلاً: “عندما تم اعتقالي في الثانية عشرة من عمري، لم أكن أعرف حتى ما هي أحلامي. لكن مروري بالكثير وبشتى المصاعب جعلني ما أنا عليه الآن. بِتّ أعرف ما هي أحلامي: أن أشعر أن لدي أرضًا، وليس فقط أن أكتفي بالعيش فوق إحداها”.

مصدر الترجمة

نرشح لك: إسرائيل الأخرى “أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني”

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

تدقيق لغوي: شادي التوكابري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.