تأخذك إلى أعماق الفكر

حرير العنكبوت: من مجرد شبكة بسيطة…إلى أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان

إن أفلام مغامرات الرجل العنكبوت ليست كلّها محض خيال علمي، فبالرغم من أن النظر للوهلة الأولى إلى شبكة من خيوط العنكبوت. تجعلنا نظن أن هذه الخيوط ضعيفة تمزقها هبّة ريح، إلا أن الدراسات أوضحت أن هذه الخيوط على درجة عالية من المتانة والمرونة، وتحظى باهتمام واسع بسبب خواصها الميكانيكية، إذ تعد واحدة من أفضل مواد التصنيع في العالم.

حرير العنكبوت عبارة عن ألياف بروتينية تنسجها العناكب، وتستخدمها لصنع الشباك التي تعمل كمصيدة لالتقاط فرائسها من الحيوانات الأخرى، أو كعشِّ لحماية أبنائها، وأحيانًا تعلّق العناكب نفسها في تلك الشباك. وخيوط العنكبوت عبارة عن خيوط رفيعة جدًا، إذ يُعد سمك شعرة واحدة من رأس الإنسان أكبر ب100 مرة من سمك خيط العنكبوت، ومن المعروف أن خيوط العنكبوت تُعد أقوى مادة بيولوجيّة عرفها الإنسان حتى الآن، إذ تُعتبر الخصلات الحريريّة التي تكوّن نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ، إذا ما قورنت به وزنًا بوزن، لأنها تحتوي على بروتين مع بنية كريستالية طويلة ومعقدة، يصعب تفكيكها أو إضعافها، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، فإذا قُدّر جدلًا وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت، فسيُمْكِنه حَمل طائرة “جامبو” بكل سهولة.

كما أن الخيط الرفيع من نسيج العنكبوت قابل للتمدد إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، وقد أطلق العلماء عليه اسم “الفولاذ الحيوي” أو “الفولاذ البيولوجي” أو “البيوصلب”.[1]

مقارنة بين أبعاد شعرة الانسان وخيط العنكبوت

كيف تنسج العناكب خيوطها ؟

تقوم العناكب بنسج الخيط عن طريق آلية هندسية، فخيط العنكبوت الضئيل الذي يظهر أمام العين المجردة، مصنوع بالطريقة نفسها التي تُصنع بها الكوابل شديدة الصلابة؛ حيث يتكون الخيط المفرد من عدة خيوط متناهية في الصغر ملتفة حول بعضها، وقد يبلغ سمك الخيط الواحد منها ما يقارب واحد من مليون من البوصة، وتنتجه غدد في جسم العنكبوت من خلال ثلاثة مغازل خاصة موجودة أسفل البطن، ويوجد قرب كل مغزل فتحات لغدة صغيرة تخرج منها المادة التي تكوّن الخيوط الحريريّة، وهي مادة معظمها من البروتين، وأثناء هندسة النسيج، تقوم العنكبوت بجمع الخيوط الناتجة من ثلاثة مغازل معًا لتكوين خصلة قوية ومتينة.[2]

إعلان

شكل توضيحي للغدد في جسم العنكبوت، والمسؤولة عن إنتاج أنواع الحرير المختلفة

التركيب الأساسي لحرير العنكبوت:

حرير العنكبوت هو متعدد ببتيد طبيعي، وبروتين بوليميري ضمن مجموعة البروتينات التي تضم أيضًا الكولاجين والكيراتين.

تتكون جميع أنواع خيوط حرير العنكبوت من نوع واحد أو أكثر من البروتينات، تدعى “سبيدرونات spidroins”، وبالرغم من أن الأنواع المختلفة من حرير العناكب تمتلك تسلسلات مختلفة من البروتين، إلا أنها جميعها لها نمط مشترك لهيكلها الأساسي.

السبيدرون عبارة عن تسلسل من الأحماض الأمينية (غالبًا يكون عبارة عن تناوب ” الجلايسين glycine ” و ” الأنين alanine” )، إذ يتكون من مناطق من البولي ألانين، والتي تضم 4_9 من وحدات الأنين المتجمعة على شكل مناطق متبلورة تدعى “صفائح بيتا”.

صورة لمركبي الجلايسين و الأنين

وتتشكل صفائح بيتا أثناء مرور المحلول الذي يضم جزيئات البروتين عبر أنابيب ضمن جسم العنكبوت وصولاً إلى المغازل، إذ تتم محاذاة سلاسل الأحماض الأمينية وتحدث عملية التبلور الجزئي، وذلك من خلال التجميع الذاتي للجزيئات، حيث تتجاور السلاسل جنبًا إلى جنب في رتب مصطفّة، وترتبط مناطق البولي ألانين ببعضها عبر روابط هيدروجينية، فتتشكل صفائح بيتا، والتي تعمل كروابط بين جزيئات البروتين، وتمنح خيط الحرير قوة عالية.

أمَّا المناطق الغنية بالجلايسين فهي التي تمنح خيط الحرير خاصية المرونة، وهي مناطق غير متبلورة تضم سلسلة من خمسة أحماض أمينية تتكرر باستمرار، ويحدث التفاف بمقدار 180 درجة مع نهاية كل سلسلة، وتتناسب نسبة قابلية خيط الحرير للتمدد طرداً مع عدد مرات الالتفاف.[3] [4].

وبالإضافة للسيبدرون، يدخل ضمن تركيب حرير العنكبوت مركبات أخرى مثل ” البيروليدين Pyrrolidine “، الذي يحافظ على الرطوبة، كما أن الحرير يشكل وسطًا حمضيًا، وذلك لحمايته من الفطريات والبكتيريا التي من شأنها أن تهضم البروتين، وتوجد أيضًا نترات البوتاسيوم التي تمنع البروتين من التشوه في الوسط الحمضي[5].

خواص حرير العنكبوت

الخواص الميكانيكية:

تتميَّز خيوط حرير العنكبوت بأنها تُبدي تنوعًا في خصائصها الميكانيكية، إذ تتراوح قيمة الإجهاد اللازم لكسر اللّيف بين 0.02 إلى 1.7GPa، والتي تتجاوز الفولاذ ( 1.5GPa  )، بينما تتراوح نسبة قابلية أليافها للتمدد بين 10 إلى 500 %، أي قد تتمدد إلى خمسة أضعاف طولها الأصلي، كما أن لها القدرة على امتصاص  100,000جول من الطاقة الحركية، مما يجعلها مادة مثالية لصناعة الدروع وتحمل الصدمات[6]، وبالإضافة لما سبق، إن أهم ما يميّز حرير العنكبوت أنه يتحلّل بشكل طبيعي، ولا يسبب أي أضرار للبيئة[3].

الذوبانية في الماء:

خيوط العنكبوت لا تذوب في الماء، ورغم ذلك، فإن العنكبوت ينسج هذه الخيوط من محلول جزيئات البروتين فى الماء، وبذلك ينجز الأعجوبة المتمثلة في تحويل جزيئات قابلة للذوبان فى الماء، إلى جزيئات غير قابلة للذوبان في الماء، وهذا التغير في خاصية الذوبان ينتج عن التغير في طريقة انتظام السلاسل البروتينية، خلال عملية إنتاج الحرير، إذ يصنع العنكبوت البروتين الحريري في غدته الحريريّة، وعند هذه النقطة يكون الحرير مازال قابلًا للذوبان، ويمر محلول الحرير من الغدة نحو مخرج في الجسم، خلال هذه الرحلة، يفقد محلول الحرير الماء ويصبح أكثر تركيزًا، وحينئذ تبدأ السلاسل البروتينية بالارتياط مع بعضها  بواسطة الروابط الهيدروجينية، ومن لحظة ارتباط الجزيئات مع بعضها البعض في مناطق التبلور، يصعب على جزيئات الماء أن تخترقها وتتخلل بينها، ولذا فإن الألياف الحريريّة تكون صلبة وعديمة الذوبان فى الماء. [7] .

تصنيع خيوط حرير العنكبوت

إن خيط حرير العنكبوت له مواصفات ممتازة في تصنيع مواد مهمة، مثل الدروع التي تحمي الأجسام، والخيوط الجراحية، وحتى خيوط شباك صيد الأسماك، ولكن كيف يمكن إنتاج كميات ضخمة من تلك الخيوط لاستغلالها صناعيًا وتجاريًا؟

إحدى الطرق التي قد تخطر على البال هي تربية العناكب نفسها، وجمع الخيوط منها، تمامًا كمزارع تربية ديدان القز للحصول على الحرير الطبيعي، لكنَّ العناكب من الحشرات التي يصعب السيطرة عليها، وأقلمتها على الاستزراع، وهي حشرات فردية، فهي كائنات عدوانية لا يمكن أن تعيش مع بعضها، كما أن العنكبوت الواحد ينتج كمية قليلة من الخيوط، وغير كافية للإنتاج الصناعي أو التجاري، لذلك تم اللجوء للإنتاج البيوصناعي لهذه الخيوط، عن طريق إنتاج مواد تشابه في بنيتها الخيوط الطبيعية التي ينتجها العنكبوت.

ومن الطرق الحديثة أيضًا، نقل الجينات المسؤولة عن تخليق البروتينات اللّازمة لصنع تلك الخيوط إلى حيوان آخر يسهل التعامل معه[3]، ويتم حديثاً استخدام  أنواع من البكتيريا لإنتاج معظم بروتينات الحرير، إذ تعد البكتيريا مضيف جيد للإنتاج البيولوجي الصناعي للبروتينات، يتيح إنتاج سريع، وفي غضون 3 – 4 أيام من بدء الإنتاج  يتم الوصول إلى البروتين المطلوب  [2].

تطبيقات واستخدامات حرير العنكبوت

استخدم الإنسان خيوط العنكبوت منذ آلاف السنين، فالقدماء اليونانيين استخدموا النسيج في وقف نزيف الجروح، واستخدمه السكان الأصليّين في شبكات صيد الأسماك الصغيرة، كما تم استخدام هذه الخيوط كشعرة التعامد في الالآت المستخدمة في التصويب البصري، مثل البنادق والتلسكوب، وحديثًا يجري العمل على الاستفادة من هذه الخيوط في مجالات متنوعة، أهمها :

الدروع الواقية :

يستلزم صنع الألياف الصناعية مثل الكڤلار (‏الذي تُصنع منه واقيات الصُّدَر من الرصاص)‏ حرارة عالية واستعمال مُذيبات عضوية،‏ لكن العناكب تُنتج الحرير في درجة حرارة الغرفة،‏ والمذيب هو الماء،‏ بالإضافة إلى ذلك،‏ فإن بعض أنواع خيوط العنكبوت الحريريّة أمتن من الكڤلار،‏ فإذا ما تم تكبير بيت العنكبوت المصنوع من هذه الخيوط، بحيث يبلغ حجمه حجم ملعب لكرة القدم،‏ يمكنه أن يوقف طائرة أثناء طيرانها.[8]

كذلك، في عام 2012 في جامعة مدينة لستر الإنجليزية، توصل طلاب بقسم الفيزياء عن طريق حسابات طويلة، إلى أن خيوط العنكبوت قادرة على وقف قطار كامل يسير بسرعته القصوى، لو كانت تلك الخيوط تشكل نسيج كبير بما يكفي، وبدون أن تنقطع، مما جعل العلماء يفكرون في إمكانيّة استخدامها لصنع سترة واقية من الرصاص، وذلك لأن خيوط العنكبوت قوية بما يكفي، كما أنها خفيفة ورقيقة ولن تشكل عبئًا على من يرتديها، وبالفعل بدأ العمل عليها، خاصة في المجال العسكري، حيث أن خيوط العنكبوت هي المادة المثالية لإنتاج درع خفيف الوزن وفعال جدًا، يمكن باستخدامه حماية جسد الجندي بدلًا من ارتداء دروع ثقيلة الوزن ومعيقة للحركة.[2]

العضلات الصناعية :

إذا نظرت بعناية إلى تشريح عضلات الإنسان، ستجد أنها عبارة عن خيوط عضلية، تتكاتف مع بعضها البعض لإنتاج قوة تكفي لتحريك أو رفع الأثقال.

في عام 2009 برهن البروفيسور تود بلاكليدج، وهو بروفيسور من جامعة آكرون في أوهايو الأمريكية، أن خيوط العنكبوت لديها خصائص شبيهة بالعضلات، فقام بوضع ورقة عشب على خيط واحد فقط من خيوط العنكبوت، هذا الخيط لا يتعدى سمكه 0.006 ميلمتر، إذا تشكل تلك الورقة الصغيرة وزنًا كبيرًا جدًا على ذلك الخيط بمفرده، وحين قام البروفيسور بتعريض الخيط إلى موجات من الهواء الجاف والرطب، قام الخيط بالتقلص بفعل امتصاصه للرطوبة، هذا التقلص ينتج عنه قوة كفيلة برفع الورقة، مسافة واحد ميلمتر للأعلى، فإذا قمنا بمقارنة قوة ذلك الخيط مع قوة عضلة الإنسان، سيكون هو الأقوى بمقدار خمسين مرة، لأنه رفع وزن أكبر من وزنه بكثير، ولو أننا جمعنا مجموعة من خيوط العنكبوت ليصلوا إلى أكثر من 90 خيط، وجدلناهم في خيط واحد، ستتضاعف قوة كل خيط إلى 30% أكثر، وذلك يجعل العلماء يفكرون في استغلال خيوط العنكبوت الطبيعية، في صناعة عضلات صناعية للإنسان.[2].

إصلاح كسور العظام :

إن عملية علاج وإصلاح كسور العظام، خاصة العظام الكبيرة كعظم الساق، عملية متعبة وتتطلب وقتًا طويلًا.

لتسهيل عملية الإصلاح، قد يلجأ الأطباء لوضع دعامات معدنية لدعم العظم أثناء علاجه، لكن المشكلة في هذه العملية أن بعض المعادن قد تتسبب أيوناتها بحدوث تهيج والتهابات في حال تسربت للأنسجة المحيطة، كما أن وجود الدعامة المعدنية سيؤدي لنمو العظم الجديد بشكل أضعف، وبالتالي يكون أكثر عرضة وقابلية للكسر.

ولحل هذه المشكلة، قد تمكن مؤخرًا باحثون من جامعة  Connecticut من ابتكار مركب قابل للتحلل بيولوجيًّا، مصنوع من ألياف الحرير العنكبوتية، والذي يمكن استخدامه في إصلاح الكسور في العظام، من دون حدوث المضاعفات التي تسببها أساليب ومواد أخرى في العلاج.

طبيعة المركب الجديد :

بدأ البحث عن المركب بحيث  يكون قويًا وصلبًا، ولكن ليس لدرجة تؤدي لتثبيط نمو العظام، في نفس الوقت، كان لابد أن يكون مرنًا، بحيث يسمح للمرضى بالاحتفاظ بنطاق حركتهم الطبيعي، والتنقل خلال فترة شفاء العظم[9].

هذا المركب هو بروتين الحرير “الفيبرون Fibroin”، وهو بروتين موجود في أحد أنواع خيوط الحرير التي تنسجها العناكب، ويشكل الجلايسين نسبة 42% من تركيبه، والأنين نسبة 25%، وهما الحمضين الأمينيين الأساسيين في تركيب الفيبرون، المكونات المتبقية هي الغلوتامين، السيرين، الليوسين، فالين، البرولين، التيروزين والأرجينين [6].

ويُعرف الفيبرون بالمتانة ومقاومته للشد، وبالرغم من كونه مكون شائع في الخيوط الطبية وهندسة الأنسجة، وذلك بسبب قوته وقابليته للتحلل الحيوي، لكن يحاول أي شخص من أي وقت مضى صنع مواد بوليمرية كثيفة من هذا البروتين.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أماني شيخاني

تدقيق لغوي: فاطمة الملّاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.