تأخذك إلى أعماق الفكر

حادثة السارية (قصة قصيرة)

لم تمرّ الأحداث كما حسبها البعض يسيرة؛ فسرعان ما هوت سارية العلم الأعلى بالمدينة، والتي كان يدعوها رجال الحاكم بناطحة السماء العليا لارتفاعها الشاهق الذي تساوى مع نصف قطر الأرض.

ظلّ الناس يرمقون في دهشة هذه الواقعة، وتيقّن البعض بأن الموت يقترب كلما قَلَّت تلك الزاوية اللعينة بين السارية وخطّ تلامسها مع الأرض. انقسم هذا القسم إلى من لعن الجاذبية، ولعن نيوتن شخصيًا لاكتشافه لها. ليتها لم تُخلق ليبتعد الموت عنّا كلما اقتربت الهاوية، ليته أضاف عامل الموت لمعادلاته لتتغير الحسابات..

القسم الآخر من ذلك القسم ظلّ يرمق الحادثة، يرمق نهاية ما بُني من طوابق الظلم والاستعباد تحت ظلّ هذا العلم، تمنى بعضهم لو أن جاذبية الأرض أكبر شدة لينتهي الأمر بسرعة..

أما البقية فتعلمهم وأعلمهم جيدًا، من فتحوا التلفاز ليروا حاكم المدينة يشيّد ببناء السارية التي أُعدت خصيصًا لتهوي في هذه الليلة بهذه الطريقة تحت إشراف كبار العلماء من المجلس الرئاسي الذي أعده بنفسه وأشرف عليه كبار العلماء من شتى أرجاء العالم، ويذكر بعض الأسماء والمصطلحات غير المفهومة، ويريهم أملًا هشًّا ساذجًا في أن تهوي السارية على رؤوسهم ليستطيع الفريق الرئاسي إعداد إحصائيته بشكل سليم..

يصطفّون تحت ظل السارية دون أدنى أوامر بذلك، إنك لا تدعوا للفعل، بل تخلق العقول التي تفعل..
لم ينتظر الزمن منا ظهور المزيد من الفرق؛ الأحشاء تتطاير، والرؤوس المقطّعة تجعلك ترتجف..
رائحة الدماء المغطى بالأتربة تجوب المكان..
هزات أرضية في كل أرجاء المدينة..
طائرات هليكوبتر تصور المشهد الدامي..
تنقل الصورة حية لكبار رجال المدينة الذين احتموا في حصن بنوه سلفاً على أعماق كبيرة تحت الأرض..
تسيطر عليهم أمراضهم الدفينة، يضحكون ويتبادلون الصيحات..
“نحن أحياء وهم ميتون”..
الليلة وجب عليهم الإحتفال..
لم يكن هذا هو المشهد الأشد رعباً في تلك الأمسية بتاتاً، لا يوجد من يحكِ لنا تفاصيل المشهد، فقد تصلبت الأعين في رؤياه..

إعلان

أرواح هائمة تهُم من السماء إلى قاع الأرض في أفواج غطت عنان السماء، كما لو أن البرق قد شق السماء مقترباً ليشق الأرض هي الأخرى، أفواج تحفر الأنفاق لتحاصر الحصن الناجي، فكما قلت لك، لا يوجد من يروي لنا ما حدث..

اليوم تفرق شتات الجميع على تراب هذا الجرم، بل صاروا جزءًا لا يتجزأ منه.. لم يتبقى سوى أعين لعينة ترفض التحلل أو أن يغطيها الرماد، ترمقني في صمت مريب، كأنني المذنب..

وها هي رسالتي الأخيرة..
أنا بانتظار مقتبلته جال وعلا، لأعلم لماذا!! لماذا اللعنة أصابتني دوناً عن الجميع!! أنت كذلك أصابتك اللعنة، فأنت معي على هذا الجرم في مكان ما تقرأ هذه الرسالة، في حين أن الجميع قد فُقِد عليك التحية والسلام أينما كنت، وأياً من كنت، وعلى كلانا اللعنة..

إمضاء
الهالك الأوحد.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.