تأخذك إلى أعماق الفكر

جوديث بتلر: كيف تخلق لنا مجتمعاتنا هوياتنا الجنسية؟

فكرة العلوم الاجتماعية مُتأخرة في الجنس والنوع، حيث انطلقت مسألة النوع في الفلسفة قبل أن تستهل في هذه العلوم، التي ما فتأت تتغذى باستمرار على أفكار آتية من الحقل الأول. عمومًا فإن الخطوة الشهيرة نحو هذا الحقل من الدراسة قد بدأ فعليًا مع التأكيد الشهير لـسيمون دو بوفوار : “إننا لا نولد نساءً، إنما نصير كذلك” (1949)، الشيء الذي يفيد بأن نوعنا ليس طبيعيًا، بل إنه يُشيَّد اجتماعيًا وثقافيًا عبر وسائل التنشئة والضبط الاجتماعيين. الوعي بهذه الحقيقة هو ما سيدفع إلى تناسل عدة دراسات اتخذت كموضع لهذا التفسير.

كيف يبتكر المجتمع الهوية الجندرية والجنسية لأعضائه؟

نظرًا لاستحالة مراجعة كل هذه الدراسات في إطار هذه المناسبة، قمين بنا استحضار أهم إسهام سوسيو-فلسفي في هذا الحقل. وهو في نظرنا يتمثل في إسهام المفكرة الاجتماعية والفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر  الموسوم بـ: “اضطراب في النوع- النسوية وتخريب الهوية Trouble dans le genre, Le féminisme et la subversion de l’identité“. فكيف فكَّكت هذه المُفكرة وفهمت موضوع النوع والجنس والجندر؟

حري بنا الإشارة هنا بأن جوديث بتلر تعتمد منطقًا منهجيًا للبحث العلمي مأتاه أساسًا من “الفلسفة البراغماتية“، المشهورة بتقديمها للفعل في تعريف الأشياء على النظر المجرد. بالتالي فالسيدة اعتمدت مقاربة إثنوغرافية ميدانية في سبر أغوار النوع باعتباره بناءً اجتماعيًا، ولم تركن فقط إلى تفكير نظري منفصل عن ديناميات الميدان، ما به يكون إسهام بتلر ليس فلسفيًا خالصًا، بل إن سوسيولوجيته تتبدى من أولى صفحات كتبها.

تنطلق الباحثة من تجاوز التقابل المشهور في دراسات النوع، الذي يفيد بأن الجنس بناء طبيعي، أما النوع فإنه بناء اجتماعي ثقافي. بالنسبة إليها هذه الثنائية وهمية؛ نظرًا إلى أنه لا وجود للطبيعي من وجهة نظر الإنسان إذ أن كل شيء صادر عنه إلا وهو ثقافي. بذلك فليس الطبيعي هو ما يُبنى على أساسه النوع، بل على أساس النوع كمقولة ثقافية يتم تشييد “فئة الطبيعي” في وعي الناس، حيث ليس الجنس هو ما يُطبَّع، بل الطبيعة هي من تُجنس أو تُجندر (Butler, 2005: 69). إذن كيف وفي أي سياق يحدث هذا التجنيس أو الجندرة؟

تجيب بتلر بأن هذه الجندرة تحدث في “سياق معياري محض Un contexte normatif” (Bruguère, 2009: 81 ا). ذلك أنه ولغرض قيام حياة اجتماعية، فإن الأمر يحتاج إلى نظام، هو الآخر لا يمكن إلا أن يتأسس على تنظيم ما للعيش المشترك. لتحقيق هذا الهدف تنتقي الجماعة مجموعة من المعايير التي تُحدد هويات الأفرد وتوجه سلوكهم، ثم تصنع لذلك “سلطة” تثبت وتفرض هذه المعايير على الأفراد، وتعاقب المنحرفين عليها ماديًا ورمزيًا (Fœssel, 2009: 91).

إعلان

تحمل هذه المعايير ضمنيًا تعريفًا ما للإنسان! بما في ذلك جِندره، وبالتالي فإن بتنشئة الفرد عليها تحدد له بشكل قبلي نوعه أو جندره، إذ لا يفعل الفرد بعد ذلك سوى أنه يستدخل هذه المعايير عبر التنشئة الاجتماعية، ويُموضعها كقاعدة ينطلق منها كي يدرك ويعيَ نفسه، وبالتالي كي يوجه سلوكه، باعتباره جندرًا مميزًا عن الجندر المقابل (Butler, 2006: 47).

هكذا فإن الذات تولد جندريًا عقب استدماج معايير الجماعة لا معاييرها الذاتية (Fœssel, op.cit: 90)، أي “إنها تولد خارج نفسها منذ البداية”، بذلك “تجد الذات نفسها خارج نفسها باستمرار” (Butler, 1999: XV). حيث تعتمد “الأنا” بشكل أساسي على معيار اجتماعي يتجاوز “الأنا ذاتها”، بذلك فإنه يضعها خارج نفسها، مموضعًا إياها  بصفته عضوًا في جماعة.

إن هذا ما بشأنه أن يخلق اضطرابًا مزدوجًا، إما أن يقع “اضطراب في المعايير الاجتماعية” إذ لم تستدمج الذات هذه المعايير، أو يقع “اضطراب في الذات Trouble dans le sujet” إذا ما ولدت هذه الذات خارج نفسها عبر إكراهها على ذات من صنع الجماعة (Bruguère, Le Blanc, 2009: 13).

لعل هذا ما يوضح لماذا اختارت بتلر لأبرز كتبها عنوان “اضطراب في الجندر Trouble dans le genre”، أي اضطراب في المعايير التي تحدد جندرين ثابتين غير قابلين للتغيير، لأنهم غير قابلين للاختيار. إلا أنه مع بروز الفردانية والذات وتوسع الوعي النقدي، فإن الذات أصبحت تختار حتى جندرها، هذا ما تمثله جماعة LGBT+Q* التي تتضمن أشخاصًا لهم أشكال مختلفة عن نوعي الجندر الذي تفرضه المجتمعات الإنسانية (ذكر- أنثى)، حيث يخوضون صراعًا مع مجتمعاتهم من أجل الاعتراف بهم كأجساد لها اختيارات جندرية مختلفة.

ذلك ما يمكن أن يفهم من العنوان الفرعي لهذا الكتاب “النسوية وتخريب الهوية“، حيث كان بإمكان بتلر أن تستعمل عنوان “النسوية وتجاوز الهوية” أو تفككها أو غير ذلك. اختيار كلمة “تخريب” تدل على أن وراء هذا الموقف “ذاتًا” ترفض بشدة وأحيانًا بعنف ما يفرض عليها من خارج كيانها الخاص، إذ تُحول عنف إكراهها على هوية معينة، إلى تخريب هذه الأخيرة. إذ التخريب هنا لهوية جماعية، يسبقه تخريب الجماعة لكيان الذات، بذلك فإن التخريب هنا يُأول معناه إلى ميل شديد إلى الحرية، التي كسفتها الجماعة عن الذات.

عموما، نستطيع أن نفهم وفق هذا التحليل الهويات الجندرية للرجال والإناث بناءً على ما تفرضه عليهم معايير مجتمعاتهم. لكن ماذا عن من يعتبر نفسه خارج هذه التصنيفات والمعايير الاجتماعية، ويتخذ لجسده جندرًا هو من صنع ذاته الخاصة؟

جوابًا عن هذا السؤال، تعتبر جوديث بتلر إضافة إلى ما سبق أن الجندر يعتمد في إعادة إنتاجه باستمرار على نوع من “الأداء المتكرر Une performativité répétitive” لإملاءات المعايير (Butler, 2005, op.cit: 275) ، تحرس السلطة على استمرار تكرره في الزمن (Butler, 2002). لكن بمجرد أن يتوقف هذا الأداء عن التكرار، حتى يتم الإفلات من المعيار، بذلك تنشأ إمكانية خلق جندر جديد، غير ذلك الذي تفرضه المعايير. إذ ما إن يتوقف هذا الأداء المتكرر للسلوك الخاضع للمعيار، حتى يذوب الوعي الذي ينتجه هذا الأداء، بذلك تظهر إمكانية بروز وعي جندري بديل، بشأنه أن يخلق ذاتًا وهوية جنسية جديدة، متأسسًا في الأصل على أداء جديد (Bruguère, Le Blanc, 2009: 14).

بهذه الطريقة نستطيع أن نفهم تنوع الهويات الجنسية والجندرية في جماعة LGBT+Q، فأن يدرك شخص ما بأنه “ثنائي الجنس Bisexuel” فهذا يعني أنه قد توقف عن تكرار أداء الدور والسلوك الذي يمليه عليه المعيار الذي تربى عليه، والذي بدوره يفرض عليه جندرًا أحاديًا. وهو ما لا يمكن فهمه، لو أبقينا على اعتبار أن الهوية الجندرية سابقة في كل الحالات على السلوك والإدراك والجسد المجندر.

هكذا، حسب جوديث بتلر وفي اتجاه نقيض لمنظور الدراسات الجنذرية الكلاسيكية، فإن أداءً متكررًا من نوع ما لمعيار أو لقاعدة اجتماعية معينة، هو من يحدد جندر الفرد، وليس جندر الفرد هو من يحدد أدائه وسلوكه اليومي. بالتالي يكون الفعل هو من يحدد الهوية، وليس الهوية هي من تحدد الفعل.
إن هذه الخلاصة النظرية تفهم بعمق لو علمنا أن أساسها هو الخلفية الفلسفية للبراغماتية الأمريكية كما أشرت سابقًا، حيث لا يمكن فهم إسهام جوديث بتلر دون استحضاره.

نرشح لك: قراءة في كتاب تطور الحياة الجنسية عند البشر لجاريد دايموند

مصادر و مراجع:

*(LGBT+Q) هي جماعة من:
Lesbiennes: المثليين الجنسيين من الإناث
Gays: المثليين الجنسيين من الذكور
Bisexuels: ثنائي الجنس
Transgenres: المتحولون الجنسيون
Queer: منعدمي جنذر محدد
_______________________

Butler Judith, (2005). "Trouble dans le genre; Le féminisme et la subversion de l'identité", trad. C. Krauss, Paris, La Découverte.
______, (2006). «Défaire le genre», trad. M. Cervulle, Paris, Éditions Amsterdam.
______, ([1987],1999). "Subjects of Desire : Hegelian Reflections in Twentieth- Century", New York, Columbia University Press.
______, (2002). "Bodies and Pawer, Revisited", Radical Philosophy, No.114, July/August, pp. 13-19.
Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume, (2009). "Judith Butler Trouble dans le sujet, trouble dans les normes", Paris, Presses Universitaires de France.
Bruguère Fabienne, (2009). "Faire et défaire le genre; La question de la sollicitude", in Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume (ed),. "Judith Butler Trouble dans le sujet, trouble dans les normes", Paris, Presses Universitaires de France.
Fœssel Michael, (2009). "Malaise dans l’identification- La mélancolie du genre", in Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume (ed),. "Judith Butler; Trouble dans le sujet, trouble dans les normes", Paris, Presses Universitaires de France.
De Beauvoir Simone, (1949). "Le Deuxième Sexe", Paris, Galimard.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.