تأخذك إلى أعماق الفكر

تينتو براس: في مديح الجسد

– كيف أصبحت تينتو براس Tinto Brass؟
– لقد سألت نفسي هذا السؤال من قبل، الإجابة ليست بالشيء المثير، ولكن أعتقد هي نتيجة سلسلة من الانحرافات الأيدلوجية”.

كانت تلك إجابة صانع الأفلام الإيطالي الشهير “تينتو براس Tinto Brass “ردًا على سؤال مضيفه في لقاء متلفز تم عرضه في فترة السبعينيات، تلك الفترة التي شهدت تحول “براس” عن صناعة الأفلام الطليعية والتي كانت تحمل الكثير من سمات “الموجة الجديدة” للسينما الفرنسية، تلك التي بلغت أوج مجدها في فترة الستينيات من القرن العشرين على يد مخرجين أمثال فرانسوا تروفو وكلود شابرول وجان لوك جودار، كان تحوله لصناعة الأفلام الإيروسية مثار تساؤل وجدل كبير استمر لعقود، أو دعونا نطرح السؤال بشكل آخر، ماهي تلك الانحرافات الأيديولوجية التي حادت به عن طريقه؟

كيف كانت البداية؟

عمل “تينتو براس” في بداية حياته العملية في المكتب الفني لمهرجان فينسيا السينمائي الدولي، وهناك التقى بالعديد من صناع السينما من حول العالم، لكن نقطة التحول في حياته عندما قابل الشاعرة والناقدة السينمائية ذائعة الصيت “لوت إيسنر” والتي كانت في تلك الفترة شريكة “هنري لانجلوا” في تأسيس “السينماتيك الفرنسية” الشهيرة والتي كانت تعد مكتبة الأفلام الأضخم في عصرها، عرضت عليه “إيسنر” العمل في السينماتيك(1)، وبالفعل وافق “براس” وانتقل للعيش في باريس، وهناك أثناء عمله في “السينماتيك الفرنسية” تعرف على رواد الموجة الفرنسية الجديدة وأهم مخرجي فرنسا في ذلك الحين.

لدى عودته إلى إيطاليا عمل مساعدًا للمخرج الكبير “روبيرتو روسيلليني” في فيلمه الوثائقي “الهند: ماتري بهومي 1959″، قبل أن يفتتح مسيرته السينمائية كمخرج بفيلمه الأول المثير للجدل “في قمة العالم” في العام 1963 ذلك الفيلم الذي كان عرضه الأول في مهرجان فينسيا السينمائي في نفس العام، إلى جوار عباقرة السينما “أكيرا كوروساوا” و”لوي مال” ممن عرض لهم أفلام في نفس الدورة، واجه فيلمه الطليعي الأول انتقادات لاذعة ومنع من العرض لفترة، بحجة أنه ضد عادات المجتمع، ولكن ذلك لم يكن السبب الحقيقي، فقد انتقد “براس” في فيلمه العديد من خطايا مجتمعه كالبيدوفيليا والإجهاض، ذلك الأمر الذي أثار ضده العديد من الاعتراضات واضطر إلى تغيير اسم الفيلم تحايلًا منه على الرقابة حتى يتسنى له عرض فيلمه.

في حقبة الستينيات أنجز “تينتو براس” العديد من الأفلام التي حملت سمات مختلفة وبشرت بمولد مخرج طليعي موهوب ويجيد التحكم في أدواته من حركة كاميرا ومونتاج، أفلام مثل “يانكي Yankee “، “عواء The Howl “، “قلبي في فمي Col Cuore In Gola ” كانت بمثابة انطلاقة قوية لـ “براس” في عالم السينما والشهرة، لدرجة أنه في عام 1968 وأثناء جولة لعرض أحد أفلامه في الولايات المتحدة، عرضت عليه شركة “وارنر بروس” مشروع لاقتباس رواية “أنتوني برجس” الشهيرة “برتقالة الآلية” لكنه اعتذر نظرًا لارتباطه بأعمال أخرى، كان ذلك قبل أن يشتري المخرج الأسطوري “ستانلي كوبريك” حقوق الرواية ويخرج فيلمه البديع “برتقالة الآلية A Clockwork Orange” في عام 1971، أي بعد ذلك بثلاث سنوات (2).

إعلان

استمر “تينتو براس” في صعوده وفي بداية السبعينيات أنجز فيلمه “الرحلة La vacanza” من بطولة فرنكو نيرو والممثلة الإنجليزية فانيسّا ريدجريف، الفيلم الذي فاز بجائزة أحسن فيلم إيطالي من مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1971، كما تم اختياره كعضو لجنة تحكيم في الدورة الثانية والعشرين من مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 1972، إلى أن كان التحول الكبير في طريقته وأسلوبه، وذلك في منتصف السبعينيات بإخراجه لفيلم “صالون كيتي Salon Kitty” عام 1976م.

الحياة ما بين “إيروس” و”ثاناتوس”:

ذكر عالم النفس الشهير “سيجموند فرويدفي مقاله الذي عنونه تحت اسم “ما وراء مبدأ اللذة” والذي نشر في عام 1920م؛ أن الدافع وراء معظم سلوكيات البشر مرجعه إلى الغريزة الجنسية (إيروس Eros )، طوّر كذلك فرويد من نظريته عن المحركات وأضاف حافز الموت Thánatos وهكذا فإن البشر يكافحون بين محركين متعارضين: إيروس (الحب)، وثاناتوس (الموت)، وباعتقاده في هذا المبدأ قرر “براس” تغيير وجهته، وكان أول أفلامه التي تمثل فيها روح إيروس، فيلم (صالون كيتي) والذي تناول واقعة حقيقية عن صالون “مدام كيتي” الشهير في برلين إبان حكم النازية لألمانيا، كان صالون كيتي عبارة عن بيت دعارة للصفوة وكان يدار تحت إشراف جهاز المخابرات النازي، من أجل إغواء الشخصيات البارزة من الألمان والزوار الأجانب عن طريق الكحول والنساء، وذلك في سبيل الكشف عن أسرار أو لأغراض جاسوسية أخرى.

أسند تينتو براس بطولة فيلمه لممثلة قديرة وهي السويدية “إنجريد تولين” والتي برعت وتوهجت في أفلام المخرج السويدي القدير “إنجمار بيرجمان”بجانب الممثل النمساوي “هيلموت برجر” والإنجليزية “تريسا آن سافوي”، كما تم اسناد تصميم الإنتاج للسير كين آدم صاحب المسيرة العظيمة والرصيد الكبير من الأفلام المهمة مثل (باري ليندون، دكتور سترينج لاف) وبعض أفلام سلسلة جيمس بوند الشهيرة (الأصبع الذهبي، دكتور نو، الجاسوس الذي أحبني).

ثم كانت النقلة الكبرى بعد ذلك بسنوات قليلة، عندما أراد المليونير الأمريكي “بوب جوتشيوني” صاحب ومؤسس المجلة الفضائحية الشهيرة “بينتهاوس Penthouse ” إنتاج فيلم يحكي عن الإمبراطور الروماني “كاليجيولا” وقرر اختيار “براس” لإخراج الفيلم، وهكذا كانت البداية.

“مقزز، لا قيمة له على الإطلاق، نفاية مخجلة”.
روجر إيبرت في مراجعته عن الفيلم في مجلة شيكاجو صن تايمز(3)

في بداية الإعداد للفيلم وضح أنه سيكون مشروع فيلم عظيم، فالسيناريو قام بإعداده الأديب الأمريكي “جور فيدال”، وتم اختيار مجموعة من الممثلين العباقرة مثل مالكوم ماكدويل – بطل فيلم برتقالة آلية – وبيتر أوتوول وهيلين ميرين والممثل المسرحي العظيم جون جيلجود، براس لم يعجبه نص “فيدال” وأعاد كتابة وترتيب البناء العام للسيناريو، لكن ذلك لم يرضي “فيدال” وطالب برفع اسمه من على الفيلم، وبالفعل لم يكتب صراحة فيي تترات الفيلم أي إشارة لكاتب السيناريو، سوى أنه مقتبس عن نص لـ “جور فيدال”، بدأ تصوير الفيلم في روما وكانت النسخة الأولية من الفيلم التي انتهى “براس” من تصويرها في أواخر عام 1976 طويلة جدًا ومختلفة في جوهرها عما أراده “بوب جوتشيوني”، بدأ “براس” في العمل على توليف الفيلم “المونتاج” لكن تم إبعاده قبل اكتمال توليف الفيلم، ليقوم بعد ذلك المنتج بسرقة النسخة السالبة من الفيلم “نيجاتيف” ويضيف إليها مشاهد جنسية مصورة بدون علم “براس” ويعيد تحرير الفيلم بالكامل، مما حدا بـبراس للتبرؤ من الفيلم بالكامل.

أراد “تينتو براس” إخراج فيلمًا في شكل “هجاء فاحش Satire ” على طريقة الرومان القدامى، بينما أراد جوتشيوني فيلما فاحشا يخدم أغراضه التسويقية كصاحب مجلة للكبار adult التي تقدم محتوى فاحشًا، وهنا كان التضارب فيما بينهما، حقق الفيلم إيرادات كبيرة ولكن على المستوى النقدي فشل فشلًا ذريعًا، منحه الناقد الأمريكي الأشهر “روجر إيبرت” صفر من خمسة في تقييمه للفيلم، وظلت نسخ الفيلم ممنوعة من العرض في العديد من دول العالم لفترات طويلة، وتم اعتبار الفيلم سقطة تاريخية في مسيرة من شاركوا فيه، لكنه كان بداية لمسيرة براس الجديدة في صناعة المحتوى الإباحي.

استمر “تينتو براس” على نهجه السينمائي في فترة الثمانينيات والتسعينات، وكان الملاحظ أن أكثر أعماله كانت مقتبسة بشكل محرف عن أعمال أدبية شهيرة، ففيلم “المفتاح the key” عن رواية بنفس الاسم للأديب الياباني “تانيزاكي جانيشيرو”، وفيلم “ميراندا Miranda” مقتبس عن رواية “محظية الحانة” لـ “كارلو جولدوني”، كذلك اقتباسه للرواية الإباحية الإنجليزية الشهيرة “فاني هيل” لـ “جون كليلاند” في فيلم “بابريكا Paprika “.

سمات أسلوبية:

حاول “براس” إحياء أحد الفنون الرومانية المندثرة وهو “الهجاء الفاحش” كما ذكرنا سابقا، كنهج العديد من المخرجين الطليان في تلك الفترة، فظهرت كل أفلامه التالية في قالب أيروسي ساخر، وتمحورت أغلب أفلامه حول إيطاليا ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وعلى مستوى الصورة كان براس يفضل الأسلوب الانطباعي في حركة الكاميرا وزواياها، كذلك استخدامه للمرايا وما تحمله من دلالات في أغلب أفلامه، واستخدم “براس” كعادة الكثير من مخرجي تلك الفترة ثلاث كاميرات تصوير في ذات الوقت، كانت كل منهم تصور زواية مختلفة، حتى على مستوى تصويره للجنس كان يغلب عليه الطابع الساخر أكثر منه طابعا إباحيا.

وأخيرا، فإن “تيتنو براس” ذلك المخرج الذي ضل طريقه مبكرا، كان يمكنه أن يصبح علامة فارقة في تاريخ السينما التجريبية، لولا بعض الانحرافات التي ساقته لطريق مختلف، “براس” وعلى رغم اختلاف الكثيرين على منتجه السينمائي، إلا أنه يظل يحمل بعض الأهمية في تاريخ السينما، وليس هنالك أبلغ من احتفاء مهرجانات عالمية مهمة به أو إنتاج أفلام تسجيلية عنه، كفيلم “ISTINTOBRASS” ، وذلك كنوع من التكريم لمسيرة طويلة ظلت محل جدل دائم.

 

:REV -
 ISTINTOBRASS" Movie 2013"-
 ISTINTOBRASS" Movie 2013"-
  "Roger Ebert (September 22,1980)" Caligula,Chicago Sun-Times-

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.