تأخذك إلى أعماق الفكر

تهافت فكرة الخلافة من منظور علي عبد الرازق

قراءة في كتاب: (الإسلام وأصول الحكم)

في ماهية الخلافة

يُعَرِّف عبد الرازق الخلافة بأنها رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابةً عن النبيِّ؛ فهي “حمل الكافة على مُقْتَضَى النظر الشرعيِّ في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها”[1] كما يرى ابنُ خلدون.

ولأنَّ الخلافةَ رياسة في أمور الدين والدنيا؛ فإنَّ الخليفة يقوم في منصبه مقام الرسول، وعندهم أنَّ الله كما اختارَ محمدًا لدعوته؛ فإنه قد اختار الخليفة كذلك لحفظ الدين وسياسة الدنيا به، وأن النبي لما لحق بالرفيق الأعلى قام الخلفاء من بعده مقامه في حفظ الدين وسياسة الدنيا بهذا الدين. ولذلك سُمِّي الخليفةُ خليفةً وإمامًا؛ لأنه يخلف النبي في هذه الأمور، وتشبيهًا بإمام الصلاة في وجوب اتباعه والاقتداء به.

إن الخلافة من وجهة نظرهم منصب ديني يُوجِب على المؤمنين بالله ورسوله الطاعةَ التامة له ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، وعليهم نصحه كذلك إنِ اعوجَّ أو مَالَ.

ولأنَّ الخليفة ينزل من أمته منزلة الرسول من المؤمنين؛ فله الولاية العامة، والطاعة التامة والسلطان الشامل؛ فليس له شريك في ولايته إلا عن طريق الوكالة، و”كل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطانه، وكل خطة دينية أو دنيوية فهي مُتَفَرِّعَة عن منصبه”[2].

ويُفْهَمُ من كلامهم عن الخليفة أنه لا بد أن يكون مُنضَبِطًا بالشريعة، مُقَيَّدًا في سلطانه بحدودها؛ فلا يتخطاها أبدًا. ولذلك تراهم يُفَرِّقُون بين الخلافة والمُلك؛ فـ “المُلك الطبيعي هو حمل الكافة على مُقتضى الغرض والشهوة”[3]، “والخلافة هي حمل الكافة على مُقْتَضَى النظر الشرعي”[4]. وكانتِ الخلافة خالصة حتى عهد عليٍّ، ثم صار الأمر من بعده إلى مُلْكٍ محض أو خلافة تلتبس بالملك وتَتَردَّدُ بينهما.

إعلان

يتساءل عبد الرازق من أين يستمد الخليفة ولايته؟ ويرى أنَّ المسلمين قد أهملوا هذا المبحث، ومع ذلك يمكن الوقوف على مذهبينِ اثنَيْنِ؛ الأول يرى أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته، وهو مذهب جَارٍ وفاشٍ بين المسلمين، والثاني يرى أنَّ الخليفة يستمد سلطانه من الأمة؛ فهي مصدر قوته.

لا دليل على وجوب الخلافة لا من قرآن، أو سنة، أو إجماع

ينتقل عبد الرازق بعد ذلك إلى الكلام عن حُكم الخلافة عند المسلمين؛ فيرى أنَّ نصبَ الخليفة عند أكثرهم واجبة وجوبًا عقليًّا أو شرعيًّا درجة أنْ زعم ابنُ خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع.

وليس الإجماع مُتَحَقِّقًا من وجهة نظر عبد الرازق؛ فقد خالف البعض ولم يروا وجوبها لا بالشرع ولا بالعقل كالأصمِّ من المعتزلة وبعض الخواراج ورأوا أنَّ الأمة إذا تَواطَأَتْ على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم تَحْتَجْ إلى إمام.

القرآن

إنه لا يوجد دليل واحد صريح من القرآن على وجوب الخلافة في رأي عبد الرازق، ولو وُجِد دليل أو ما يشبه دليل لاعتمد عليه المُوجِبون وَلَتَكَلَّفُوهُ كلَّ تكلف، ولكن، أعجزهم ذلك؛ فانصرفوا إلى دعوى الإجماع تارة، أو الاحتكام إلى أقيسة عقلية تدور حول أنَّ إظهار الشعائر الدينية وصلاح الرعية لا يمكن أن يتحقَّقَا إلا بنصب إمام، وهذا فرض لا خلاف عليه، وما يتوقف عليه الفرضُ كان فرضًا؛ فنصب الإمام واجب لذلك.

يرد عبد الرازق بعد ذلك ما يمكن أن يكون في القرآن دليلًا على وجوب نصب الخليفة؛ فيورد مثلًا قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ”، ويفرغ إلى أنَّ المراد منها أمراء المسلمين في عهد الرسول، أو علماء الشرع لا من سموه هؤلاء بالخلفاء. كما يرى أن أولي الأمر الواردين في قوله تعالى: “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ”، هم كبراء الصحابة البصراء بالأمور.

ولو قمنا بإرهاق أمثال تلك النصوص؛ فإنها لن تدل على شيء أكثر من أنَّ للمسلمين قومًا منهم ترجع إليهم الأمور، وذلك معنى أعمّ من فكرة كالخلافة.

السنة

يرى عبد الرازق أنَّ السنة تخلو كذلك من دليل على وجوب الخلافة، بل يراها أهملتْ هذا الأمر كالقرآن تمامًا، ويرى أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا في هذا الباب بشيء من الحديث.

ماذا نفعل إذًا بتلك الأحاديث التي تذكر الإمامة والخلافة ذكرًا صريحًا كمن مات وليس في عنقه بيعة، وأن نلزم جماعة المسلمين وعامتهم، وأنَّ الأئمة من قريش، وغير ذلك من النصوص الحديثيَّة التي يمكن إيرادها في هذا الباب؟ إن  تَتَبُّع مثل هذه الأحاديث -في رأي عبد الرازق- لا يُثْبِتُ شيئًا غير أنَّ الرسول قد ذكر الإمامة والبيعة وغير ذلك من ألفاظ تتعلق بالخلافة.

لا يحاول عبد الرازق أن يجادل في صحة مثل هذه الأحاديث، ولا أن ينازع القائلين بالخلافة في فهمها، بل يرى أن هذه النصوص لا يمكن أن تنهض دليلًا على اتِّخاذ الخلافة عقيدة وشريعة وحكمًا من أحكام الدين.

إنَّ أمثال هذه النصوص تشبه كلام عيسى بن مريم عن حكومة القياصره، وأمره بأنْ يُعْطَى ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وليس هذا اعترافًا منه لا من قريب أو بعيد بأنَّ الحكومة القيصرية من شريعة الله.

إننا أُمرْنا بالوفاء بعهد المشرك إذا عاهدناه، وأمرنا بطاعة البغاة والعصاة إن غلبوا علينا بالسيف، وأمرنا بالإنفاق على الفقراء والمساكين، ولنا أحكام تتعلق بالرق والعبودية، وأحكام متعلقة بالطلاق وغير ذلك، ولا يعد هذا دليلًا على مشروعية الشرك أو البغي أو وجوب إيجاد فقراء بيننا، أو وجوب الرق والطلاق! وعلى ذلك فَقِس ذِكْرَ الشارع البيعة والحكم وما يتعلق بهما في نصوصه.

دعوى الإجماع وسيف السلطان

ادَّعى القائلون بالخلافة تواتُرَ الإجماع عليها، وعلى امتناع خُلُوِّ الوقت من إمام. يرى عبد الرازق أنَّ الإجماع لا يسلم لهم، وهو لا يحاول التشكيك في إمكان الإجماع في ذاته، بل يرى أن دعوى الإجماع هنا ليست صحيحة، ولكنه قبل إثبات ذلك يحاول التمهيد ببعض الأمور.

من الأمور التي حاول عبد الرازق التمهيد بها هي أن حظ المسلمين من علم السياسة قليل وضعيف. يقول: “فلسنا نعرف [للمسلمين] مُؤلَّفًا في السياسة ولا مُتَرْجَمًا، ولا نعرف لهم بحثًا في شيء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليلًا”[5]. نرى هذا الضعف عند المسلمين رغم احتفائهم بعلوم اليونان التي كانت السياسةُ جزءًا أصيلًا من علومهم؛ فما سبب ذلك؟!

يعود سببُ كون المسلمين في جهالة مطبقة بعلم السياسة -كما يرى عبد الرازق- ارتكاز الخلافة عند المسلمين على أساسٍ من القوة الرهيبة؛ فلم ترتكز في معظم أطوارها إلا على قوة مادية من سلاح؛ “فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف”[6]، “وذلك الذي يُسَمَّى عرشًا لم يرتفع إلا على رؤوس البشر”[7].

وبما أنَّ الخلافة قد ارتكزت على مثل ذلك القهر، وانطبع في ذهنِ المسلمين وعقولهم مبادئ من الحرية والمساواة التي كفلها لهم الدين الإسلامي؛ فإنهم أنفوا من الانصياع لهؤلاء الحكام والخضوع لهم؛ فلا يكاد يخلو تاريخُ الخلافة من خارج عليها، كافر بها، أو مُتَّخِذٍ شكلَ قوة منظمة تعمل في العلن كالخوارج، أو تسير تحت ستار الأنظمة الباطنية كجماعة الاتحاد والترقي مثلا.

كان من الطبيعي إذًا أن يكون الخليفةُ عدوًّا لدودًا لكل علم من شأنه أن يُقَوِّض سلطانَه أو يهدد قواعدَ ملكه. و”من هنا نشأ الضغط المُلُوكِيُّ على حرية العلم، واستبداد الملوك بالتعليم… ولا شك أن علم السياسة هو من أخطر العلوم على الملك، بما يكشف من أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته إلى آخره؛ لذلك كان حتمًا على الملوك أن يعادوه وأن يسدوا سبيله على الناس”[8].

نعود إذًا إلى دعوى الإجماع، كيف يُدَّعَى الإجماعُ على أمر قد أعمل ملوكُ المسلمين فيه سيف القهر في رقاب المسلمين، وفرضوا وجودهُم بقوة السلاح لا ببيعة أو انتخاب؟ كيف يُدَّعَى الإجماع وقد علمتَ ما علمتَ من ضعف المسلمين وقصورهم في علوم السياسة والحكم والإدارة؟ كيف يُدَّعَى الإجماعُ وقد خالفَ هذا الإجماعَ الخوارجُ وبعضُ المعتزلة؟ ينتهي عبد الرازق إلى نتيجة مفادُها أنَّ دعوى الإجماع ساقطة لا وجود له.

بل ولا تقوم على أساس من العقل سليم

بقي للقائلين بالخلافة دليل واحد ليس من القرآن أو السنة أو الإجماع، وهو دليل عقليٌّ يعده عبد الرازق أضعفَ ما جاؤوا به من دليل رغم احتفائهم به، ومفادُه أنَّ الخلافة تتوقف عليها إقامة الشعائرالدينية وصلاح الرعيَّة، ويرون أنَّ استقامة الأمر في أيِّ أمة مُتَمَدْيِنَة -مهما كان دينُها- يُحَتِّم عليها أن يكون لها حكومة تُبَاشِر شئونها.

يرى عبد الرازق صحة تلك الدعوى بوجه عام، ولكنه يعترضُ أن يكون هذا النوع من الحكم وحده هو الصحيح الذي ينبغي وجوده، يقول: “إنْ يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون، من أنَّ إقامة الشعائر الدينية، وصالح الرعية، يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أيِّ نوع”[9].

لكن، لا تتوقف مصالح الأمة الدينية والدنيوية على هذا النوع من الحكم في رأيه، بل يرى ما هو أكثر من ذلك من أن “الخلافة ولم تَزَل نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد”[10]؛ فقد ضاع رسمُ الخلافة بمعناها الحسن فيما يرى ابنُ خلدون، وما بقي منها كان مُلْكًا بحتًا، صدع الدين، وأضاع مصلحة المسلمين.

هوتِ الخلافةُ في بغداد في منتصف القرن السابع الهجري، وبقي المسلمون بلا خليفة ثلاث سنوات، وانتقلت بشكل اسميٍّ إلى مصرَ إلى أن تلقَّفَتْها يدُ العثمانيِّين؛ فهل نقص من أمر المسلمين شيء من دينهم أو دنياهم في بقائهم دونها؟!

يقول عبد الرازق: “وعاشتِ [البلاد الإسلامية]، وما زال يعيش كثير منها بعيدًا عن ظلِّ الخلفاء، وعن الخضوع الوثنيِّ لجلالهم الدينيّ المزعوم؛ أرأيتَ شعائر الدين فيها دون غيرها أُهْمِلَتْ، وشئون الرعيةِ عُطِّلَتْ؟! معاذ الله، لا يريد الله أن يجعل عِزَّهُ وذُلَّه منوطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء”[11].

هل كان هناك نظام للحكم في عصر النبوة؟

غموض أحوال القضاء

كان القضاء لا شك موجودًا أيام النبي بمعنى الحكم في المنازعات وفَضِّهَا، بل كان هذا النوعُ موجودًا عند العرب قبل النبي، ومع القول بوجوده إلا أن عبد الرازق يرى في الوقتِ ذاته استحالةَ معرفة صورة بيِّنَة لذلك القضاء؛ فحاله كان غامضًا ومُبْهَمًا من كل جانب.

يقول رفاعة رافع الطهطاوي: “وقد قلَّدَ رسول الله القضاء لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل”[12]، ويضيف عبد الرازق إليهم أبا موسى الأشعري.

يرى عبد الرازق أن البحث في نظام القضاء عند هؤلاء صعب المراس؛ لأنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي، خاصة وقد اختلفتِ الروايةُ عن حادثة واحدة بعينها؛ فمثلًا بَعْثُ عليّ إلى اليمن كان من أجل القضاء في رواية، وفي رواية أخرى كان من أجل قبض الخمس من الزكاة.

هذا ما يخصُّ القضاء، أما إذا انتقلنا إلى ما يخص المُلْكَ ولوازمه؛ فإنه يرى خُلُوَّ العصر النبويّ من مَخَايِلِ المُلْك. يقول: “غير القضاء أيضًا من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسيّة لم يكن في أيام الرسالة موجودًا على وجهٍ واضحٍ لا لَبْس فيه”[13].

هل كان رسولًا ملكًا؟!

يرى عبد الرازق أنَّ الحدَّ الأدنى مما يمكن أن يُسَمَّى نظامَ حكم لم يكن موجودًا أيامَ النبي كالعمالات التي تتصال بالأموال ومصارفها (المالية)، وحراسة الأنفس والأموال (البوليس). لم يصل إلينا شيء واضح يمكن أن نقول معه إنه كان نظام الحكومة النبوية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.