تأخذك إلى أعماق الفكر

موجز تاريخ إيران .. من الشاه إلى آية اللّه

 

خطَّت معركةُ القادسيَّة التاريخيَّة 15هـ – 363 م، سطور نهاية الإمبراطوريَّة السَّاسانيَّة التي حكمت إيران لقرونٍ طويلةٍ، وفي بضع سنين؛ كان المسلمون قد فتحوا كلَّ أراضي الإمبراطوريَّة التي انتهت رسميًّا بمقتل آخر الأكاسرة يزدجرد الثالث. وبدء تحوُّل الفرس إلى الإسلام تدريجيًّا ككافة البلاد المفتوحة؛ إلّا أنَّ الإيرانيين لم يتوقفوا عن الحديثِ والكتابةِ بالفارسيَّةِ كتعبيرٍ عن الهُويَّةِ القوميَّةِ رغم تعريب الدواوين واستعمالهم للحروف العربيَّة. ومع العباسيين الذين استعانوا في ثورتهم على الدولة الأُمويَّة المنحازة للعرب بالموالي، أصبح حُكَّام فارس من الإيرانيين، و قامت بها عدَّة دولٍ متعاقبةٍ، خضعت في البداية لسلطان العباسيين الأسمى، حتى تأسَّست دولة ديالمة آل بويه؛ الذين استغلّوا الفوضى السياسيَّة في بغدادَ، وانحلال سلطة الخلفاء، وتسلُّط القادة العسكريين الأتراك عليهم، واستولوا على بغداد 336 هـ في عهد الخليفة المستكفي الذي رَحَّب بأحمد الديلمي مرغمًا، ولقَّبهُ مُعزّ الدولة، واتَّخذ البويهيون قرارًا عمليًّا فلم يهدموا الخلافة العباسيَّة؛ لمنع الشيعة العلويين من المطالبة بالخلافة. ورغم قوَّة آل بويه؛ إلّا أنَّ تقاسُم أبناء ركن الدولة ممتلكاته بعد وفاته 365 هـ، ثم دخولهم في حربٍ عائليَّةٍ عليها، أدَّت لإضعافها وسقوطها 447 هـ.

وكانت إيران وخراسان وسيستان وغيرها من أجزاء الإمبراطوريَّة الفارسيَّة، أقرب لانتشار دعاوي التشييع والخوارج؛ معتمدين على بعد المسافات واختلاف اللُّغة ووجود القوى المحليَّة التي تستطيع الدِّفاع عن نفسها ومَن تؤويه ضد السُّلطة المركزيَّة، وقبل كلِّ ذلك كانت الشعوبيَّة تجد غطاءً عقائديًّا في ارتباطها بالمذاهب المناوئة للعرب أهل السُّنة؛ حيث مذهب السُّلطة المركزيَّة التي يتم الخروج عليها بذريعة اختلاف العقيدة قبل الدَّعاوي العرقيَّة والشعوبيَّة، فتعددت الدُّول في المنطقة الثريَّة كثيرة التقلبات.

ولكن نقطة التَّحول في تاريخ إيران، كانت في قيام الدَّولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل حفيد الشيخ صفي الدِّين إسحاق؛ وهو شيخ طريقة صوفيّة سُنّي شافعي، انتقل إلى أردبيل شمال إيران. وقد انتسب الشيخ صفي الدين إلى الامام موسى الكاظم من جهة الأب، وهو حفيد الحسين من زوجته ابنة يزدجر آخر ملوك فارس، ولا يخفى مدى قوة تأثير مثل هذا النسب الشريف في نفوس أهل تلك العصور.

وقد حاول أبناء الشيخ صفي الدِّين استغلال ثروتهم الطائلة وكثرة أتباعهم في لعب أدوارٍ سياسيَّةٍ خاصة، بعدما تحوَّلوا لاعتقاد التشيُّع على مذهب الاثني عشرية؛ ولكن لم ينجح منهم إلّا إسماعيل الذي “عسكر” الدعوة واشتهر بقسوته الأسطوريّة، وسرعان ما استولى على الهضبة الإيرانيّة؛ ليُحقِّق رؤيته في توحيد إيران تحت راية المذهب الشيعيّ الاثني عشري، وقيادته بصفته نائبًا عن الإمام المهديِّ حتى عودته.

وبادر إسماعيل بفرض المذهب الاثني عشري، وأعلنه المذهب الرسميَّ والأوحد للدَّولة. وفي 907 هـ سكَّ عُملةً جديدةً كتب عليها: لا إله إلّا اللّه محمدٌ رسول اللّه عليٌ وليَّ اللّه، واسمه. وغيَّر الأذان إلى الصِّيغة الشيعيَّة، وأمر بلعن أبي بكر وعمر وعثمان على المنابر في كلِّ خطبةٍ، واستجلب فقهاء الشيعة من العراق وجبل عاملٍ في لبنان، وأغدق عليهم الامتيازات الماليَّة والأدبيَّة، وملَّكهم أراضٍ شاسعةٍ، وقتل الآلاف في سبيله لتثبيت المذهب ودحض كلَّ معترضٍ عليه؛ حتى استئصل المذهب السُّنيَّ من إيران كلها تقريبًا.

إعلان

واتَّسعت دولة الشاه الذي ضمَّ العراق 914 هـ، فعمَّر مزارات الأئمة الشيعة ومشهد الحسين في كربلاء و مشهد علي في النَّجف، وخرج الشيعة في العراق من إطار التقية. وظهر في الدَّولة الصفويَّة منصب شيخ الإسلام: وهو مسؤول الدعوة ويعود إليه قبض الضرائب الدينيَّة والحقوق الشرعيَّة كالخمس والزكاة وتعيين مديري الأوقاف، ومنصب الصَّدر: وهو الوزير المفوَّض. ومع الدَّولة الصفويَّة بدء ظهور السَّمت الجنائزيِّ للاحتفالات الشيعية بيوم عاشوراء وغيره من المناسبات الدينية، وظهرت ممارسات النَّدب وجلد الذَّات وضرب الصُّدور والبُكاء الجماعيّ. وأكَّد الفقهاء الشيعة في عصر إسماعيل على فكرة التولِّي والتبرِّي المقابل الشيعي للولاء والبراء عند المسلمين السُّنة، وبينما يُقصد بالتولّي اتِّباع وطاعة أولياء الله وعلى رأسهم الأئمة والاقتداء بهم والعمل بسيرتهم وإظهار محبتهم، يُقصد بالتَّبري مُعاداة أعداء الدِّين -وإنْ ادَّعوا أنَّهم مسلمون- ومخالفتهم وعدم متابعتهم وبغضهم والدُّعاء عليهم؛ لأنّهم حرَّفوا دين الله وأضلُّوا المسلمين عن جادة الصواب.

ولكن في المقابل كانت علاقة العثمانيين والصفويين قد تحوَّلت إلى العداء الواضح، بعد قيام ثورة شيعيَّة بتحريض الصفويين في الأناضول 917 هـ، في ظلِّ الصِّراع العنيف على السُّلطة بين أبناء بايزيد الثاني حتى حسمه السُّلطان سليم ودخل في صراعٍ حادٍّ مع الشاه إسماعيل، الذي ارتكب خطأً قاتلًا عندما أرسل للسُّلطان سليم علبة أفيونٍ مستهزئًا به بتشبيهه بمتعاطي المخدر.

ولم يكنْ سليم يحتاج لمبررٍ أكثر، فاجتاح بلاد الشاه وسحق جيشه في معركة “تشالديران” 920 هـ، وأُسرت زوجته “تاج لي خانم” فلم يردها سليم؛ بل زوَّجها لأحد كتابه نكايةً فيه!

ودخل سليم تبريز عاصمة الصفويين، واستولى على خزائن الشاه وكنوزه؛ ولكنَّه اضطر للانسحاب تحت ضغط سوء الأحوال الجويَّة ونقص المؤن.

ورغم تلك الضربة القاسمة التي انعزل بعدها الشاه اسماعيل وتوقف عن الظهور للعامة حتى وفاته؛ إلّا أنَّ سلطان الصفويين في إيران لم ينتهِ واستمرَّ أبناؤه في حُكمها.

وتجدَّدت الصدامات العسكريَّة بين دولة الصفويين والعثمانيين في عهد عبّاس وابناءه، وتسبَّب قرار الشاه طهماسب في التَّنازل للعثمانين عن الولايات الغربيَّة في تمردٍ عسكريٍّ على يد قائد جيوشه نادر خان، الذي خلعه واعتقله واستعان بالروس واستعاد الأجزاء التي احتلَّها العثمانيين وجلس على عرش إيران، لتنتهيَ دولة الصفويين فجأة! ولكن سرعان ما اغتيل نادر خان 1160 هـ – 1747 م، لتدخل البلاد في حربٍ أهليَّةٍ انقسمت على أثرها لدولتين: الزِّند بقيادة كريم خان وعاصمتها شيراز، والأفشاريَّة بقيادة أبناء نادر خان وعاصمتها مشهد، إلى أنْ وحَّدتها من جديد سلالة “القاجار” حيث استطاع قائد القبيلة التركمانيَّة “آغا محمد خان” أنْ يقضيَ على الدولتين الزِّندية والأفشاريَّة بعد معاركٍ دمويَّةٍ؛ ليصبح شاهًا لإيران التي وُحِّدت من جديد 1796 م.

وبعد سقوط الدَّولة الصفويَّة صعدت الرؤية الإخباريَّة في أوسط الشيعة، وانتشر القول بحرمة الاجتهاد ولزوم انتظار المهديِّ والعمل بالعبادة دون السياسة، وسُمِّيوا بالإخباريين لأنَّهم يقتصرون في معرفتهم للأحكام الشرعيَّة على الأخبار أو الرِّوايات الواردة عن أهل البيت، وأسقطوا الاستدلال بالإجماع والعقل فلا يستدِّلون بالإجماع لأنَّه عندهم بدعةً أوجدها أهل السُّنة، وينكرون كذلك صلاحيَّة العقل السليم ليكون حُجةً أو دليلًا، ويَعتبر الإخباريَّة كلَّ الأحاديث الواردة في كتب الحديث الشيعية الأربعة بأنَّها أحاديث قطعيَّة الصُّدور عن المعصومين؛ أيْ أنَّهم يعتبرونها كلها صحيحة ولا حاجة للرجوع لعلم الرجال والدراية لتحري صحتها، وكذلك حرمة الجهاد لغيبة الإمام ليدخل التشييع في إيران مرحلة سباتٍ طويل.

وفي 1921 م أُطيح بالشاه أحمد بانقلابٍ عسكريٍّ قاده وزير الدفاع رضا بهلوي، الذي حلَّ الحكومة وتولى رئاسة الوزراء؛ فيما يعتبره الكثير من الإيرانيين مؤامرة بريطانيَّة. وفي 1923 م سمح للشاه وعائلته بمغادرة إيران إلى المنفى، ثمَّ أُرغم البرلمان على أنْ ينتخبه شاهًا للبلاد، ليعلن في 1925 م انتهاء عهد الأسرة القاجاريَّة.

وفي الديكتاتوريَّة العسكريَّة لرضا بهلوي؛ تضخم حجم الجيش ونُظِّمت الإدارة المركزيَّة بشكلٍ دقيقٍ بفضل العائدات النفطيَّة التي أنقذت إيران من الديون الأجنبيَّةِ والضرائب والجمارك التي حصلت بحسمٍ، لتنال الطرق والتعليم حصة جادة في الموازنة العامة، وفي المقابل أنشأ الشاه منظمتين أمنيَّتين أُلحقت إحداهما بالجيش والأخرى بالشُّرطة؛ لمطاردة المعارضين والمشتبه بهم.

ولأول مرة يثور الشاه على التقاليد الدينيَّة الرَّاسخة المميزة لإيران، فقد كان رضا بهلوي شديد التأثُّر بكمال اتاتورك، يتوق لإعادة تجربته في علمنة تركيا، وفي إطار محاولته لتحويل إيران لدكتاتوريَّة علمانيَّة تصادم مع رجال الدين الشيعة؛ فعلى الرغم من أنَّه أكَّد في خطابِ تولية العرش على قوة اعتناقه للمذهب الأثني عشري، واكتسابه المدد من الأئمة، وحرص على اظهار احترام القوى الدينيّة في البلاد مدركًا تأثيرها؛ إلّا أنّه سرعان ما أظهر حقيقته، فقلَّص من نفوذ الفقهاء واستولى على الأوقاف الدينيَّة، واستبدل الشاه الشهور الإسلاميَّة في التقويم بالفارسية، وفرض على كافَّة الرجال الذكور عدا رجال الدِّين أنْ يرتدوا السراويل والسترات على النمط الغربيّ، وشجَّع الرجال على حلق لحاهم وتخفيف شواربهم، وبينما كان النساء يتعرضن لمضايقة الشرطة إنْ سرنَ في الشوارع وحدهنَّ للاشتباه فيهنَّ، أصدرت الأوامر بعدم التَّعرُّض للنساء غير المحجبات، والسماح لهم بارتياد المطاعم ودور العرض السينمائي وغيرها. وقد أجبر الشاه المسؤولين على إحضار زوجاتهم للمناسبات العامة من دون حجاب، وأعلن عن رغبته في توقف النساء عن ارتداءه، بينما اعتبر تنظيم مؤتمر المرأة في الشرق -الذي ترأسته ابنته شمس بهلوي- عام 1932 م، عدم ارتداء الحجاب كرمزٍ للحضارة.

وحوَّل بهلوي التعليم الدينيّ لتعليمٍ علمانيٍّ غربيٍّ، وأُنشئت العديد من المدارس الحديثة، ودُمجت الكليَّات الإيرانيَّة الستة؛ لتفتتح جامعة طهران 1934 م.

وفي 1936 م صُدِم الإيرانيون بصدور قرار الشاه بمنع ارتداء النساء الشادور وجميع أنواع الحجاب في المجال العام، وأمر الشُّرطة بنزع حجاب من تُغطِّي شعرها قصرًا، وأجبر المواطنين العاديين على إحضار زوجاتهم للمناسبات مكشوفات الوجه والرأس، وحُظرت العديد من الاحتفالات الدينيَّة.

واستبدلت المحاكم الشرعيَّة والتقليديَّة من قبليَّةٍ ومحاكم الجماعات الحرفية بقضاءٍ موحدٍ للدولة، وخُوِّلت سلطات تسجيل الوثائق القانونيِّة إلى موثِّقين عامين تعيِّنهم الدولة، ومن ضمنهم عقود الزواج والطلاق، وبدء تصدُّر قوانين جديدة منقولةً من القوانين الأوربيَّة، وتراجع دور الشريعة، ونُزِع سلاح القبائل وجنِّد شبابها إجباريًّا، لتتغيَّر إيران التي  قامت على أساس التحالف القبليِّ وتحالف الفقهاء والملوك منذ عهد الصفويين، كتجسيدٍ لقول الإمام الرضا: “الملوك حكّامٌ على الناس، والعلماء حكَّام على الملوك” -ولو ظاهريًّا- إلى مركزيَّة الدولة.

ولم يكن غريبًا أنْ تقوم المظاهرات في مشهدٍ تهتف الشاه يزيد -نسبةً إلى يزيد بن معاوية-.

ولكنَّ الإنتفاضة الدينية قُمِعت بعد قتل وسجن المئات، وأُعدم الجنود الذين رفضوا إطلاق النَّار على المدنيِّين، وازداد الشاه شراسةً ولم تكن هناك من قوَّةٍ في إيران تستطيع مواجهته؛ ولكنَّه ارتكب خطأ قاتلًا عندما انحاز إلى المحور في الحرب العالميَّة الثانية، ولم يكن الإنجليز والسوفيت ليتجاهلوا احتمال أنْ يكون لهتلر حليفًا في إيران ذات الموقع الاستراتيجيِّ الهام، فقام تحالف سوفيتي-إنجليزي بغزوِ إيرانَ 1941 م،  وإرغامه على التنازل عن العرش لابنه محمد والذهاب للمنفى بجنوب أفريقيا، دون أدنى معارضة من الشعب الذي سرَّه التخلص من الشاه -ولو على يد قوى أجنبيَّة-.

وعندما وصل مصدق إلى مقعد رئاسة الوزراء كان لابدَّ من صدامٍ أن يحدث، فمصدق ذو ميول اشتراكيَّة ومناهض للملكية، وعلى علاقةٍ قويَّةٍ برجال الدِّين وصغار التُّجار.

وفي 1951 م قدَّم مشروعًا للتأميم، ونجح بالفعل في تأميم النفط الإيراني، وتصدَّى لإنجلترا واتهمها أمام مجلس الأمن بالتخريب؛ لوقفها تصدير النفط الإيرانيّ عن طريق إيقاف العمل بشركة النفط الانجلوايرانيَّة، وتصادم مصدق مع الشاه في محاولته تعيين وزيرٍ للحرب بصفته رئيس الوزراء، وهذا ما رفضه الشاه فلجئ مصدق إلى الشارع، وأعلن في خطابٍ عبر الإذاعة أنَّه يحتاج للإشراف على القوات المسلحة للحيلولة دون التآمر على فضِّ تأميم النفط، وبعد أيّامٍ من الاضرابات والعنف تراجع الشاه مضطرًّا.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: أحمد فتحي سليمان

تدقيق لغوي: مرح عقل

تعليقات
جاري التحميل...