تأخذك إلى أعماق الفكر

تأثير التوتر على الذاكرة

خلصت الدراسات إلى أن التوتر يلحق الضرر بذاكرتك

إن الدماغ عضو يثير دهشة العلماء؛ حيث يزيد وزنه عن 3 باوندات ويولِّد طاقةً تكفي لإنارة مصباح كهربائي ذو جهد منخفض، كما ويتمتع بِاللدونة العصبية (neuroplasticity)؛ أي أن خلاياه تنمو خلويًا. ويبلغ طول الأوعية الدموية فيه ما يزيد عن 160,934,400 متر -حيث يمكن لشيء بهذا الطول أن يحيط بكوكب الأرض أربع مرات. ولكن على الرغم من جميع صفاته وقدراته المذهلة إلا أن بعض أوجه القصور تعيبه، كاستِجابته للتوتر؛ فتُعتبر استِجابة الدماغ للتوتر من أهمِّ المُحددات التي تحافظ على بقاء البشر على قيد الحياة، وبدونها لن نستطيع حماية أنفسنا من المخاطر التي نواجهها أثناء خوضنا غِمار الحياة. ولكن من الواضح أن هنالك العديد من الطرق التي قد تُلحِق بها هذه الاستجابةُ الضرر بنا بطريقة أو بأخرى؛ ففي كثير من الأحيان يتجاهل عابرو الطريق وجود حافلة تمر مسرعةً على مقربة منهم ويقومون بقطع الشارع لتكون نهايتهم تحت عجلات الحافلة التي لم يستجِب دماغهم لقربها منهم.

وعلى الرغم من أنّ استجابة دماغ الإنسان التلقائية للتوتر -والتي تعرف باستجابة الكرّ والفرّ- كانت ذات نفع أثناء تطوره إلا أنَه لا يزال يعاني من بعض المشاكل. فعلى الرغم من أننا لا نقفز مبتعدين بذعر عن كل شُجيرة تتحرك أوراقها خوفًا من تواري فهدٍ أو نمرٍ عن الأنظار بين أوراقها لِيُباغِتنا، إلا أن أدمغتنا لا تزال قادرةً على بلوغ حالةٍ من الاستنفار والتأهب بلمح البصر. فتمتُع دماغ الإنسان بالذكاء الخارق واحتواؤه على كمٍّ هائل من الخلايا العصبية ومروره بسنواتٍ من التطور لم يؤدِ به إلى اكتساب القدرة على ملاحظة الفرق ما بين الخطر الحقيقي والخطر الوهمي! ولكن لا تقلق؛ فالأمر يسوء بشدة قبل أن يشهد تحسُنًا ملحوظًا.

التوتر والنشاط الدماغي

لم يخلق اللّٰه دماغ الإنسان أو حتى جسده بحيث يتحمل العيش في حالة مستمرة من التأهب والاستنفار. ففي حالات التأهب القُصوى يُعادُ توجيه طاقتك المُختزنة إلى دماغك وعضلاتك؛ إلا أن هرمون التوتر -الكورتيزول- الذي يعد المُحرك الرئيسي لهذه الطاقة المُختزنة يلحق الضرر بخلايا الحُصين (hippocampus) -وهو أحد أجزاء الدماغ الذي يُناط به مهمة إنشاء ذكريات جديدة واسترجاع الذكريات المُخزنة في الذاكرة طويلة المدى- وذلك من خلال  إتلاف خلاياه وتدميرها. كما وتُثبِتُ العديد من الأدلة أن التوتر المُزمن يؤدي إلى شيخوخة الدماغ المُبكِّرة. من المؤكد أن هذه المعلومة الجديدة حول تأثير التوتر على الدماغ ليست بالخبر السار، إلا أنَّنا نستعرض المعلومات السارّة في الفقرات القادمة من مقالنا هذا.

تسوية الخِلاف

نظرًا لأن بعض أنواع التوتر تفيد الإنسان بدلًا من إلحاق الضرر به، يتعين علينا توضيح الفرق بين أنواعه المختلفة. حيث يبدو أن هنالك عددٌ مُتزايدٌ من المقالات التي تعرض التوتر بكل أشكاله على أنه مجرمٌ تجب إدانته؛ فإحدى المواضيع الشائعة لهذه المقالات هي ادّعاء بعض الأشخاص بأنهم يعرفون الطريقة المُثلى التي تجعل حياتك خاليةً من التوتر. إلا أنّ المَعلومات التي تستعرضها هذه المقالات خاطئة وخادعة وغير موثوقة. فهي مجرد ثرثرة شائعة بلا أيّ أدلّةٍ موثوقة أو أبحاثٍ تُدعِّمُ ادعاءاتها الجامحة. ففي واقع الأمر، لا يستطيع الإنسان طرد التوتر من حياته. وحتى إن استطاع  بطريقة ما جعل حياته خالية من التوتر، فإنه لن يرغب بذلك على المدى البعيد؛ حيث وجدت الدراسات أنّ التوتر المعتدل يعود بالنفع على صحة الإنسان النفسية وتلك الجسدية. فمن الناحية النفسية، يؤدي التوتر المعتدل إلى تفادي:

  • الشعور بالملل
  • الدخول في  حالةٍ من الاكتئاب

كما وأنّ الشعور بالتوتر بالدرجة المناسبة يؤدي إلى تحسين ترابط الشبكات العصبية للدماغ، الأمر الذي بدوره يحسن من أداء الفرد المعرفي. أما من الناحية الجسدية، يدفعنا التوتر إلى بذل قصارى جهدنا جسديًا متى ما استدعى الأمر. وخلاصة الأمر أن الحل الوحيد للتوتر لا يتمثل بتجنبه أو حتى بالقضاء عليه، بل يجب علينا أن  نبذل قصارى جهدنا لتعزيز قدراتنا المعرفية بمنأى عن التوتر الذي يقتحم حياتنا بلا هوادة. الطرق التي يمكنك من خلالها تعزيز ذاكرتك ورفع مستوى إدراكِك

إعلان

إليك الآن بعض النصائح لاسترجاع وتعزيز قدرتك على التذكر وقُدراتك المعرفية:

1. تناول الأطعمة التي تنشِّط الدماغ

بما في ذلك الطعامَ الغنيَّ بالأحماض الدهنية لأوميغا 3 كالجوز وسمك السلمون. كما ويُنصح بتناول الأطعمة التالية التي تعزز قدراتك المعرفية:

  • البقوليات
  • التوت البري
  • الخضروات الصليبية كَالبروكلي والقرنبيط وغيرها
  • الحبوب الكاملة

2.  مارس تمارين التأمل

إنّ ميل الدماغ البشريّ للسلبية يضرب جذوره عميقًا في أرضه الخصبة؛ ولذلك تجد أنك توجِّه تركيزك نحو الأمور السيئة في حياتك بدلًا من تلك الجيّدة. إلا أن التأمل يفتح الآفاق نحو إمكانية إعادة تنظيم الدماغ بحيث يوجِّه تركيزه نحو الأمور الإيجابية. حيث قامت الجامعات المشهورة عالميًا -كجامعتيّ هارفرد وستانفورد- ببناء مراكز تأملٍ ذهنيّ داخل الحرم الجامعيّ وذلك بسبب الفوائد الجمّة التي يعود بها التأمل على الطالب.

3. استخدم تقنية التكرار

يعدُّ تكرار المعلومات حجر الأساس للعملية التعليمية؛ حيث خلصت الدراسات إلى أنّ الطريقة المُثلى لترسيخ المعلومات في الدماغ هي تكرارها مرة تلو الأخرى. فعلى سبيل المثال؛ إن لم تتمكن من تذكر رقم هاتف ما، قم بتقسيم الرقم إلى مجموعات تحتوي كل منها على ثلاثة أرقام ثمّ كررها إلى أن تتقن حفظها.

4. عزز قدرتك على التركيز

اعمل على بناء عادةِ توجيه كامل تركيزك نحو أداء المهمة التي بين يديك مهما صغر حجمها؛ فيمكن لذاكرتك الوصول إلى حالة من الوعي التام من خلال ممارسة التمارين التالية:

  • عندما تغسل الأطباق، فكّر بغسيل الأطباق فقط واطرد باقي الأفكار من دماغك.
  • عندما تتحدث عبر الهاتف، فكر بالحديث عبر الهاتف دون أي أفكار جانبية.

5. مارس التمارين الرياضية

تعود ممارسة التمارين الرياضية بنتائج سحرية على الجسم البشريّ. فعلى الرغم من صعوبة إجبار أجسادنا على الحركة، إلا أن فوائد ممارسة التمارين الرياضية هائلة؛ حيث تمتد فوائد التمارين الرياضية لتشمل دماغ الإنسان. فالنَشاط البدني المُعتدل يزيد من تدفق الدمّ نحو الدماغ ويوفر الحماية لخلاياه ويُحسّن المزاج. كما وتشير الأدلة إلى أنّ التمارين الرياضية تحفز نمو الخلايا العصبية في ظاهرة تُعرف بتجديد الخلايا العصبية (neurogenesis).  

في الخِتام

إن الحقيقة المُرة التي نضطر إلى تجرعها هي أن الدماغ البشريّ غالبًا ما يكون في وضع التحكم الأوتوماتيكي؛ أي أنّك لا تولي اهتمامًا واعيًا لِما تقوم به. ومن المؤسف أن حالة الدماغ الافتراضية هذه تسبب لنا ألم الانجراف في سيلٍ من الأفكار السلبية، مما يؤدي إلى فقدان التركيز؛ الأمر الذي يجعل من تذكر المعلومات المخزنة في الدماغ أمرًا شديد الصعوبة.

أمّا الطريقة المُثلى لتحسين الذاكرة فهي تغيير نمط الحياة الذي اعتدت عليه؛ وذلك من خلال اتباع النصائح التالية:

  • مارس التمارين الرياضية وتمارين التأمل.
  • أقلع عن التدخين.
  • وجّه انتباهك الكامل للمهمة التي بين يديك.
  • ارفع من مستوى يقظتك.
  • تناول الأطعمة المناسبة.
  • اجعل عقلك منهمكًا في المهمة التي تقوم بها.

إنّ الالتزام بإحدى النصائح السابقة يرفع -بشكل جذريّ- من قدرتك على تخزين ذكرياتك الثمينة واسترجاعها عند الحاجة.

 

إعلان

مصدر https://www.powerofpositivity.com/stress-damages-memory/
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.