تأخذك إلى أعماق الفكر

الفيل الأزرق 2 وفيلم Us محاولتان بين تنميط الجن وإطلاقه

هناك نظرية سينمائية تقوم على أنه يمكنك قول أعقد الأمور بثيمة ساذجة مُكررة، الأمر الذي فعله مثلًا “جيمس كاميرون” عام 1997 حينما أراد أن يحكي قصة السفينة “تايتنك”، لأن كاميرون في الأساس لم يهمه قصة عاشقين على متنها بقدر ما همّه قصة السفينة نفسها، و”دارين أرنوفسكي” أيضًا في Mother 2017 حينما شغلته قضايا الخلود والوجودية ومعايشة الآخر فعبّر عنها في شكل زوجين يسكنان منزلًا نائيًا يتحول لنزل يعج بزوار العالم الصاخب. هذا العام الذي يعِدنا بالكثير من المنتوج العالمي السينمائي، صدر خلاله فيلمان تربطهما صلة شبه واهية من حيث استناد الحبكة، أحدهما أمريكي والآخر مصري والفيلمان يتبنّيان البنية الأساسية نفسها حول ما يُعرف بالعالم السُفليّ. الفيلم الأول Us فيلم أمريكي من تأليف وإنتاج وإخراج “جوردان بيل” أما الفيلم الثاني فهو “الفيل الأزرق 2″، وهو من تأليف أحمد مراد (سيناريو أصلي غير مقتبس عن عمل أدبي) ومن إخراج مروان حامد وإنتاج تامر مرسي.

باختصار تقوم حبكة Us على أنه تحت الولايات المتحدة توجد أنفاق مُهملة تمتد لآلاف الكيلومترات، لكنها مهجورة ولا يسكنها سوى قرناء مُطابقين شكليًا للبشر الذين يعيشون حياة مألوفة عادية أعلى الأرض. مع فارق أن البشر العاديين يعيشون حيواتهم بكل رفاهيتها، أما القرناء بالأسفل فلا يملكون سوى ممراتهم وأسرّتهم وهذه هي حدود عالمهم. ولعل الشيء المؤلم في حياة القرناء هو أنهم مطالبون بمعايشة أو محاكاة كل ما يفعله البشر لكن دون كماليات، فإذا رقص “س” بالأعلى يرقص “ص” الموازي له بالأسفل دون موسيقى تصدح، وإذا لعب “س” بأوراق الكوتشينة بالأعلى لعب “ص” بالأسفل مثله لكن بدون أوراق كوتشينة.

أما الفيل الأزرق 2 فلا تبتعد أركان حبكته كثيرا عن تكوينة الجزء الأول الذي صدر عام 2014: هناك طلسم لا بد من فكّ شيفرته، وحبّة مُخدرة تُدخِل البطل (دكتور يحيى) في هلاوس، وأسطوررة تاريخية تُعَد الحلّ للمتاهة التي انحبست داخلها الشخصيات، وأخيرًا جن قادر على انتحال شخصيات الفيلم وسكناه لأجسادهم وتحقيق إرادته (غالبًا بالقتل) من خلال سلوكياتهم. وهنا نلاحظ اتّباع أحمد مراد كروائي وسيناريست لخلطة الروائي الأمريكي “دان براون” الذي يعتمد التركيبة نفسها في كل عمل من أعماله من خلال إحلال شخصيات وعناصر جديدة أكثر ملاءمة للعمل الجديد.

وبذلك نرى أن كلا الفيلمين اعتمد صُنّاعه على عالم الجن أو الماورائيات ليتمنكوا من تقديم محتوى مثير بمُلصق إعلاني جذاب وإعلان ترويجي مُربِك. وما تحقق في النتيجة النهائية بخصوص الفيلمين تربطه دلائل نظرية تفيدنا في فهم آليات الصناعة عندنا في مصر ولديهم في هوليوود. فباستثناء أن الجن في الحالتين يستخدم المقصّ كوسيلة قتل وانتقام، تربط الفيلمين علاقةُ تناص وليست علاقة تقليد أو تشابه، وهذا التناص يكشف لنا طرقًا مختلفة من معالجة لثيمة واحدة.

في فيلمه Us يلجأ جوردان بيل للتكنيك المذكور في بداية المقالة بخصوص اعتماد معزوفة مألوفة تهز عليها رأسك كأحبولة يربطها شيئًا فشيئًا حول ذهنك. ففي البداية وكما وصفتها معظم المراجعات الصحافية حتى الآن حول الفيلم كليشيهية بامتياز، كما نعهدها بالضبط في فيلم رعب أمريكي: أُسرة زنجية من أب وأُم وطفلة يتنزهون في مدينة ملاهي ليلًا. وحتى لمّا يبدأ القُرناء مسيرة انتقامهم ويخرجون للشوارع لمحاصرة بيوت المواطنين، يزال المُشاهد في بقعة الضجر خاصة لو كان مُمحِصا جيدًا لتلك النوعية من الأفلام. وفجأة يزول ذلك الاعتقاد المبدئي حول الفيلم بمجرد أن يُسأل القرناء عن هويتهم، فلا يجيبون بأي إجابة شبحية مثيرة وإنما يقولون بهدوء: “نحن أمريكيون مثلكم!”. وبالنظر إلى أن قائلي العبارة سُمر البشرة، يتضح لنا أنه ليس مجرد فيلم خفيف، وأن ذلك المخرج والمؤلف لا يريد إضحاكنا ولا إرعابنا.

إعلان

ثم لا يتوقف صانع الفيلم الأوحد عن الطَرْق بخصوص إشكالية الزنوجة وطبيعة وضع السود حاليًا في دولة تدّعي ريادتها في حقل الحُريات. ففي المشهد الافتتاحي نجد إعلانا خيريًا بخصوص حملة غرضها حماية أمريكا من الجوع. ومع ذروة الأحداث نجد أسرة بيضاء تُقتل عن بكرة أبيها في الوقت الذي تنتصر فيه الأسرة السوداء على أعدائهم القرناء. وفي مشهد آخر نجد جهاز التحكم الصوتي “أوفيليا” بدلًا من طلب النجدة بناء على طلب صاحبة المنزل البيضاء الشقراء وهي تُقتل على يد قرينتها، يشغّل في سماعات المنزل أغنية: F*ck the police بصوت مُغني يبدو من لكنته أنه ملون.

صحيح جميعها إسقاطات مباشرة، لكنها أزاحت الفيلم من خانة أفلام الرعب وسيّسته. فهذا الرجل (أقصد جوردان) يتبع صديقه ستيف ماكوين وكلاهما أعلن الحرب على أمريكا البيضاء من خلال وسيلة مُقننة تُحقن تحت الجلد.

أما الجزء الثاني من الفيل الأزرق فقلَبَ التكنيك المذكور سابقًا. يرى المتفرج الإعلان الترويجي ويخيل له أنه بصدد فيلم ميتافيزيقي يرمي إلى شيء علميّ بعيد، مع الوضع في الاعتبار نهوض روايات مراد على الجانب المعلوماتي كروايات دان براون. وفي قاعة السينما يحاول المُشاهد الطليعي أن يعشّم نفسه بشيء أكبر من ذاته، ومع الدقائق الأخيرة يتكشّف له أن الساعتين اللتين أمضاهما ستؤرقانه في حالة واحدة فقط: أن يكون حقًا مواطنًا مؤمنًا بوجود الجن وقدرته على تلبّس شخصية أحدهم والتحكم في تصرفاتها. أما الإحالات التي يستخدمها الفيلم كسرد أسطورة حول غجرية ومرآتها السحرية وطلسمها الصعب عن الفهم، فهي على عكس المتوقع من قِبل صُنّاعه لا تقوّي العمود الفقري للعمل وإنما توحي بعملية تزيين، وهي المرة الثانية التي يتكرر فيها ذلك الأسلوب بعد أن تعاون المخرج والمؤلف من قَبل في فيلم “تراب الماس” 2018، إذ خُيّل لهما أن الجزء التوثيقي الخاص باليهود كفيل بأن يمنح الفيلم ثِقلًا.

كذلك يعتمد سيناريو الفيلم على موضوعة لغة الأجساد، ويضع على ألسنة الشخصيات مصطلحات غير مألوفة في السينما العربية وإن كانت تلائم أجواء الفيلم مثل: نرجسي، سيكوباتي، بارانويا الاضطهاد… محاولا موضعة الفيلم في خانة أفلام السايكو، لكن الحقيقة التي تتمظهر في النهاية، هو أن كل تلك الأدوات لا تخدم إلا وجود الجن الذي يتلبّس الشخصيات.

بكلمات سينمائية: على عكس ما شهدناه في Us لن ننتقل لبُعد آخر من الحبكة.

ولعل الجُملة الوحيدة التي قيلت أثناء الحوار وكانت كفيلة بإصعاق الفيلم للحظة واحدة يفوق فيها من عالم الجن والعفاريت وينتبه لأمور جدّية محيطة به، هي حينما يذهب الدكتور يحيى (يلعب دوره كريم عبد العزيز) لشراء حبّة “الفيل الأزرق” ويكتشف كيف غلا ثمن الحبّة الواحدة ليصل إلى 1000 جنيه مصري فيعلّق مُستدرِكا بسخرية: “التعويم!”.

نرشح لك: فيلم الأصليين “الخيال أهم من المعرفة”

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مارك أمجد

تدقيق لغوي: اسماء اسماعيل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.