تأخذك إلى أعماق الفكر

بهاء طاهر وسانديب روي بين الرمزية والشخصية في القصة القصيرة

وُلِد «بهاء طاهر» في محافظة الجيزة عام 1935، وهو مؤلف وروائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات. حصل على ليسانس الآداب في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام شعبة إذاعة وتلفزيون عام 1973. عمل مترجمًا في الهيئة العامة للاستعلامات بين عامي 1956 و1957، ومخرجًا للدراما ومذيعًا في البرنامج الثاني (الثقافي) الذي كان من مؤسسيه حتى عام 1975 حيث مُنِع من الكتابة. بعد منعه من الكتابة، ترك مصر وسافر كثيرًا إلى إفريقيا وآسيا بحثًا عن العمل في مجال الترجمة. عاش في جينيف منذ عام 1981 وحتى 1995، حيث عمل هناك مترجمًا للأمم المتحدة، وبعدها عاد إلى مصر. حاز على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1998، وحصل على جائزة چوزيبي أكيربي الإيطالية عام 2000 عن رواية خالتي صفية والدير، كما مُنِح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته واحة الغروب. له مجموعة قصصية صدرت عام 1984 عن دار الشروق وتتكون من خمس قصص: بالأمس حلمت بك، وسندس، والنافذة، وفنجان قهوة، ونصيحة من شاب عاقل.

يشغل «سانديب روي» منصب كبير المحررين في بوابة الأخبار الشعبية (فيرست بوست)، ويكتب مدونات في موقع (هافينغتون بوست)، كما أنه عمل معلقًا لوقت طويل في برنامج (النسخة الصباحية) بالإذاعة الوطنية للولايات المتحدة؛ وهو أكثر البرامج الإذاعية شهرةً هناك، ويعمل محررًا في جريدة (نيو أمريكا ميديا). حصل «سانديب» على العديد من الجوائز في مجال الصحافة وساهم بقصصه الثرية في الكثير من مجموعات المقتطفات الأدبية (أنثولوجيز). ومن ضمن تلك المجموعات، مجموعة (الأدب عبر الثقافات) في عددها الخامس الصادر عام 2005 حيث شارك بقصّته القصيرة «روائح الوطنThe Smells of Home» وتتناول مفهوم الاغتراب وتتشابه في عناصرها مع قصّة «بالأمس حلمت بك» تشابهًا يجعلهما أشبه بغلافين لكتاب واحد.

الرمزية في قصّتي بهاء طاهر وسانديب روي:

تحتوي قصّة «بالأمس حلمت بك» على الكثير من الرموز شديدة الدلالة: الأحلام، الثلج، الصوفيّة، الصقر، الغراب، شجرة الأرز، انعدام اسم الراوي. نجد أن الأحلام والثلج هما رمزان متكرران على مدار القصّة يُشيران إلى تحرّر الراوي من أوهام تركه لوطنه والسفر إلى بلد أخرى معتقدًا أنها ستكون أفضل؛ فهو دائمًا يشعر بعدم الأُلفة في الثلوج. يتمثّل له وللقارئ عنصر عدم الانتماء في الثلج في إفريقيا -موطن الراوي والذي لا يُفارق مخيّلته- وبالمثل فإنه يشعر بعدم الانتماء في هذا البلد الأجنبي. ترمز الصوفيّة إلى الوطن العربي عامة وإلى طائفة المسلمين خاصة. ونرى في الصقر ازدواجية في الرمزية كما يظهر من سياق القصّة حيث تذكر «آن» في القصّة «حلمت صقرًا كبيرًا يضرب نافذتي بجناحيه ويتطلع إليّ بغضب وهو ينقر الزجاج محاولًا  أن ينفذ منه ثم جئت أنت فاحتضنك الصقر بجناحيه»: يمثّل الصقر بالنسبة إلى «آن ماري» ملك الموت الذي يحاول قبض روحها والرحيل بها إلى الحياة الأخرى، بينما يمثّل الصقر بالنسبة إلى الراوي الرسول الذي يحاول أن يهدي مضلًا إلى سبيل النجاة – العودة إلى الوطن في هذه الحالة.

نجد في الغراب صورة الراوي نفسه حيث تذكر الأحداث «خارج النافذة حطّ غراب على شجرة الأرز. أخذ يطير متخبطًا بين الغصون وهو يبحث عن غصن لا يغمره الثلج، وحين وجده فرد جناحي حداده الأبدي وراح ينفضهما ثم انكمش، يحزنني أن هذا الغراب على تلك الشجرة تعيس، ويحزنني أن يكره الناس في العالم كله الغراب مع أنني لم أسمع أنه آذى إنسانًا»؛ والتأكيد على تلك الرمزية من خلال ذكر شجرة الأرز التي تشير بدورها إلى أرض الوطن العربي وذكر الغراب على وجه التحديد يحمل دلالتين ألا وهما أن الغراب من الطيور التي تشتهر في مصر وهي بلد المؤلف بالإضافة إلى لونه الذي يرمز إلى القارّة السمراء إفريقيا. وعليه، فإن شئنا يمكننا أن نرى تقنية القناع ببُعدين هنا: الراوي يرمز إلى «بهاء طاهر» في الحقيقة والغراب يرمز إلى الراوي الذي يعيدنا بدوره إلى «بهاء طاهر» مرّة أخرى. يحمل انعدام اسم الراوي رمزية خاصة حيث يُشير إلى الاغتراب وانعدام الهوية وسط بيئة أجنبية؛ فالراوي يشعر بضآلة -وسط أُناس لا يعرفهم ولا يعرفونه- تكاد تزيله من الوجود، وهذا يعكس مشاعر «بهاء طاهر» على أرض الواقع الذي خاض التجربة ذاتها في حياته الخاصة.

إعلان

The Smells of Home
روائح الوطن

على غرار قصّة «بالأمس حلمت بك»، تحمل نظيرتها «روائح الوطن» بين طيّاتها الكثير من الرموز:

رائحة ملابس عمّة «ساڨيتري» ومستحضراتها التجميلية، الشاعران «وليام وردزورث» و«كيتس»، الكوكا كولا (مشروب غازي)، الحريّة، توابل «ساڨيتري» الثلاثة من الكمّون والكُزبرة والكُركُم، استحضار «ساڨيتري» صورة طنين الذباب فوق رأسها وقراءة أبيها للجريدة وإعداد أُمّها للطعام في المطبخ. نجد أن ملابس عمّة «ساڨيتري» ومستحضراتها التجميلية اللائي ينبعث منهنّ رائحة الخُزامي والليلك وإكليل الجبل والشاعرين «وليام وردزورث» و«كيتس» يرمزون جميعهم إلى صورة إنجلترا المثالية في عصرها الذهبي في ذهن «ساڨيتري» لدرجة أنها لم تكن تقرأ أشعار «بايرون» كما تذكر في القصّة لأن بها شيئًا شديد الحرارة ومُشمِسًا، وهذا يُشير إلى أنها تهجر كل ما يذكّرها بوطنها صيفيّ المناخ الهند؛ فإنجلترا أشبه بالمدينة الفاضلة التي بمجرد أن تذهب هناك ستجد الحياة المثالية وستكون في غبطة وسرور دائمًا وأبدًا، لكنها لا تذهب أبدًا إلى هناك ومع ذلك يقول لها أبوها الذي ذهب إلى هناك مؤخرًا أن إنجلترا لم تعد بالصورة التي في مُخيّلتها وأن ذلك الزمن قد ولّى.

تتمثّل صورة الولايات المتحدة الأمريكية في رمزين من خلال الأحداث:

الكوكا كولا من وجهة نظر «ساڨيتري» التي تذهب إلى هناك للمرّة الأولى مع زوجها الهنديّ «أڨيناش»، والحريّة من وجهة نظره هو بما أنه قد عاش هناك بمفرده لفترة طويلة بعيدًا عن قيود المجتمع الهنديّ حيث درس في الجامعة وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه. رُبّما توابل «ساڨيتري» الثلاثة من الكمّون والكُزبرة والكُركُم واستحضارها صورة طنين الذباب فوق رأسها وقراءة أبيها للجريدة وإعداد أُمّها للطعام في المطبخ هي أكثر الرموز أهميّةً في أحداث القصّة لأنها ترمز إلى وطنها الهند، وعلاوة على ذلك فهذه الرموز يوجد مثلهم تمامًا في قصّة «بالأمس حلمت بك»:

الصوفيّة، الصقر، الغراب، شجرة الأرز. والتوابل لها طابع خاص حيث تحتار «ساڨيتري» وهي في الولايات المتحدة في كتابة أسمائهم بالهنديّة أم بالإنجليزية، وتستقّر على الإنجليزية، لكنها تترك نوعًا من التوابل دون كتابة اسمه بأيّ  من اللغتين كما لو هذا الفراغ هو خطّة احتياطيّة لها حيث يمكنها في أي وقت أن تكتب اسمه بالهندية وتركب الطائرة عائدةً إلى وطنها الهند.

تتشابه الرموز بين القصّتين في أنهم يحملون في ثناياتهم مؤشّرات ثقافية تُشير إلى منشئهم، كما أنهم يساعدوا أبطال القصّتين في التغلّب على الحنين إلى الوطن، وفي الوقت نفسه يعملون كرُسُل على إعادة الأبطال إلى وطنهم حيث سيشعرون مجددًا بالأُلفة والانتماء.

الشخصيات

يتشارك بطلا القصّتين في رتابة الحياة والاغتراب:

نجد راوي قصّة «بالأمس حلمت بك» يقضي معظم أيامه وحيدًا لا يجد من يؤنس وحدته في المنزل باستثناء تلك اللحظات التي يختلسها حيث يتحدث مع صديقه أو مع «آن ماري» كما أنه غريب في البلد الذي يعيش فيه وليس له أهل أو أصدقاء بالمعنى الذي نعهده، وبالمثل فإن «ساڨيتري» هندية المنشأ تنتقل إلى الولايات المتحدة برفقة زوجها لكنها تعيش حياة تتسم بالرتابة حيث يمضي زوجها معظم الوقت خارج المنزل في عمله وتقضي هي وقتها بمفردها في مشاهدة التلفاز وقراءة المجلات وانتظار رسائل البريد باستثناء اللحظات القليلة التي يأتي فيها زوجها في ساعة متأخرة من الليل ويتبادلان أطراف الحديث.

تتشابه القصّتان من حيث تطبيق تقنية القناع أيضًا:

الراوي في «بالأمس حلمت بك» هو في الواقع المؤلف «بهاء طاهر» حيث سافر إلى العديد من دول إفريقيا وآسيا وغيرها باعتباره مترجمًا في الأمم المتحدة فيمكننا اعتبار المشاعر التي تُعبّر عنها القصّة هي في الحقيقة مشاعر راودت مؤلفنا أثناء ترحاله واغترابه في دول العالم وحيدًا، وبالمثل فإنه يمكننا اعتبار شخصية «ساڨيتري» هي في الحقيقة مؤلف القصّة «سانديب روي» هنديّ المنشأ الذي اضطّر أيضًا إلى السفر إلى الولايات المتحدة حيث عمل محررًا ومعلقًا ولذلك فإنه قد عانى بدوره من الاغتراب والوحدة والحنين إلى الوطن مثلما عانى «بهاء طاهر».

تتفق القصّتان في مفهوم الرحلة والسعي إلى خاتمة لكنهما يختلفان في أحداث ونهاية كل منهما:

في «روائح الوطن» نجد أن «ساڨيتري» كان لديها هدف ألا وهو الذهاب إلى إنجلترا منسلخةً من وطنها الهند الذي تأبى العيش فيه لكنها تصطدم بالتقاليد والعادات الهندية وتتزوج وترحل مع زوجها إلى الولايات المتحدة لكنها هناك تكتشف خيانته لها وتعرف قيمة وطنها ومدى حبها له وتصل إلى خاتمة في رحلتها بانتهاء القصّة نفسها، على النقيض في «بالأمس حلمت بك» نجد في بداية القصة أن رحلة البطل قد بدأت بالفعل وأنه في الغُربة يصارع الرتابة والوحدة محاولًا الوصول هدفه واستقراره النفسيّ والونس لكنه يفشل في ذلك وتنتهي القصّة لكن رحلته لا تنتهي ولا يصل إلى خاتمة.

تتماثل القصّتان في عنصر العنصرية أو الدونية في التعامل:

في «روائح الوطن» نجد أن أُم «أڨيناش» عندما تذهب إلى بيت والد «ساڨيتري» ويتحدثان عن الزواج وخطط ابنها في ذلك الشأن تقول إنها لا تهتم بأمر الجمال وهي تنظر إلى «ساڨيتري» في إشارة منها إلى أنها ليست حسناء ونجد أيضًا أن «أڨيناش» يُخبر «ساڨيتري» خلال ذهابهم إلى الولايات المتحدة أن المرأة التي لا تعرف كيفية قيادة السيارة ستشعر أنها سجينة في تلك البلد وهو يعرف أنها لا تعرف القيادة كما لو أنه يُخبرها مُسبقًا أنها ستكون سجينته في عُش الزوجيّة، وفي «بالأمس حلمت بك» نجد المرأة التي تجلس في مغسلة الملابس وتتعامل بعنصرية مع كل أجنبي عن البلاد وخصوصًا الأفارقة أصحاب البشرة السمراء حيث تدعو أحدهم في مشادّة كلامية بالزنجي كما تتجنب تبادل أطراف الحديث مع الراوي الذي ينحدر من أصل مصري ونلحظ أيضًا أن «آن ماري» تتجنّب الاحتكاك بالراوي مرارًا وتكرارًا في بداية القصّة على الرغم من كثرة تلاقيهم في مناسبات مختلفة وتصرّح له أنها تكرهه في إحدى المرّات كما أنها ترتمي في أحضانه في أحد المشاهد على مضض فقط لأنها تظن أن هذا هو ما تريده في الحياة وأنه هو من سيُنقذها ويُضفي المعنى على حياتها.

اقرأ أيضًا: الغربة النّفسيّة في رواية حكاية بحّار للكاتب حنّا مينة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.