تأخذك إلى أعماق الفكر

بعد عامين من التطبيق.. لماذا يعد الإصلاح الاقتصادي في مصر غريبًا؟

لقد أضحى التوجه للإصلاح الاقتصادي سمة مميزة للربع الأخير من القرن العشرين، وانتهجته الكثير من الدول بحثاً عن معالجة اختلالاتها الداخلية وعجوزاتها الخارجية من جانب، وسعياً للوصول إلى الاستقرار ومن ثم التنمية من جانب آخر. وجاء تبني سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي في الثمانينيات المدعومة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، على ضوء تلك الهيمنة التي مارستها تلك المؤسستين على الاقتصاد العالمي آنذاك. وسادت رؤاهم وأفكارهم حول الإصلاح الاقتصادي عبر رؤية مفادها ” أنّ المشكلات التي تعانيها البلدان النامية على وجة الدِّقة؛ تكمُن في وجود عوامل داخلية يتصدرها التوأمة غير الحميدة لعجز الموازنة العامة وميزان الدفوعات، إلى جانب وجود اختلالات في مصادر تكوين الناتج ومصادر توزيع الدخل، وحالة التضَخُّم الركودي، وسوء استغلال الموارد.

وبهذا القول؛ فإن الدول النامية في وجهة نظر الصندوق والبنك الدوليين – فيما يتعلق بسياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي – تكاد تكون مشكلاتها واحدة،  سواء من حيث أنواع الأزمات أو كيفية المعالجة. وفي ضوء تلاحم بعض العوامل الداخلية والخارجية، بدا الاقتصاد المصري خلال عقد الثمانينات وكأنه متماسكًا، إلا أنّ تفاقم الاختلالات الداخلية والخارجية، جعلته ينتهج برنامجًا للإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين. أي أن الاختلالات الداخلية وفق الطرح أعلاه، جعلته يفضى إلى تبني رؤيتهما فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي فيما عرف بسياسة التثبيت الإقتصادي والتكيف الهيكلي، بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإصلاح الإختلالات الهيكلية وتعزيز النمو الاقتصادي في الأجلين المتوسط والطويل.

وبعد ما يقارب ربع قرن، عاد صانعي السياسة الاقتصادية في مصر لتبني نفس الرؤية، ولكن بمسمى صريح وهو برنامج الإصلاح الاقتصادي، يقضي بالحصول على قرض يساوي قيمته 12 مليار دولار على ثلاث سنوات بدايته من عام 2016، ولأنّ الاقتصاد المصري لم يكن ليخرج من عباءة المؤسسات الدولية ورؤاها الإصلاحية حتى يدخل فيها مرة أخرى، بما يعني إعادة إنتاج الماضي أو بمعنى آخر إستدعاء الماضي.

وفي الثالث من نوفمبر 2016 طبقت الحكومة المصرية أولى خطوات برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وهي تحرير سعر الصرف أملاً في تحقيق استقرار اقتصادي عبر معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري وزرع الثقة من جديد. ناهيك عن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة . حيث وافق المجلس التنفيذي في نوفمبر 2016 على تقديم مساعدة مالية لمصر من خلال اتفاق يتيح الاستفادة من “تسهيل الصندوق الممدد” (EFF) بقيمة 8.59 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو حوالي 12 مليار دولار أمريكي. وكان المجلس قد وافق على المراجعة الأولى في 13 يوليو والمراجعة الثانية في 20 ديسمبر 2017 والمراجعة الثالثة في 29 يونيو 2018. ويدعم “تسهيل الصندوق الممدد” برنامج السلطات للإصلاح الاقتصادي الشامل من أجل استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة مصر إلى مسار النمو القوي والقابل للاستمرار. وعلى وجه التحديد، يهدف البرنامج إلى تحسين عمل أسواق النقد الأجنبي، وتخفيض عجز الموازنة العامة والدين الحكومي، وزيادة النمو لخلق فرص العمل، وخاصة للنساء والشباب. ويهدف البرنامج أيضًا إلى حماية الأقل دخلاً في المجتمع أثناء عملية الإصلاح. وقد تركزت ركائز البرنامج في النقاط التالية :

إعلان

  1. تحرير نظام الصرف الأجنبي للتخلص من نقص العملة الأجنبية وتشجيع الاستثمار والصادرات؛
  2. انتهاج سياسة نقدية تهدف إلى احتواء التضخُّم؛
  3. القيام بإجراءات للتقشف المالي تضمن وضع الدين العام على مسار مستدام؛ وتقوية شبكة الأمان الاجتماعي عن طريق زيادة الإنفاق على دعم السلع الغذائية والتحويلات النقدية؛
  4. إجراء إصلاحات هيكلية واسعة النطاق تدفع إلى تحقيق نمو احتوائي بمعدلات أعلى، وزيادة فرص العمل للشباب والنساء؛ والحصول على تمويل خارجي جديد لسدِّ الفجوة التمويلية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل نجح الاقتصاد المصري في تحقيق ما كان يصبو إليه من البرنامج في العامين الأولين أم لا ؟

وتتركز الإجابة هنا في ركائز وأهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، وبالرغم أنَّ عامين ليستا الوقت الكافي للحكم على أي برنامج للإصلاح الاقتصادي، إلا أنّ هناك بوادر ومؤشرات تشير إلى أنَّ مصر تمضي في الاتجاه غير الصحيح. ولعلّ ما يتحدث عن ذلك هي أهداف البرنامج ذاته، والتي نستعرضها كما يلي:

  • فمصر لم تتعلم الدرس من تعويم عام 2003، والذي أثَّر سلبًا على الاقتصاد المصري وأدخله في أزمة عرفت تحت مسمى أزمة السيولة عام 2004. وجاء قرار التعويم في الثالث من نوفمبر عام 2016 بآثار سلبية على مستوى الإستثمار المحلي الذي يستورد غالبية مكوناته من الخارج، دون النظر إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد على الخارج بنسبة أكثر من 50% من احتياجاته ، وأكثر من 70% من السلع الاستراتيجية من الخارج ، مما كان له آثار سلبية تمثلت في ارتفاع سعر الصرف بما يزيد عن 100%. وإن كان هناك أثر إيجابي بالقضاء على السوق السوداء.
  • أما فيما يتعلق بانتهاج سياسة نقدية تهدف إلى احتواء التضخم؛ فالواقع يشير إلى أنَّ التضخم في مصر وصل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق خلال الربع الأول من عام 2017، وهي أعلى معدلات له في تاريخ مصر عام 2017 (34.2% يونيو)  وبشكل سنوي سجلت كمتوسط (30.8%). وبالرغم من وجود تراجع في معدل التضخم خلال أشهر عام 2018 وصولًا إلى 15.4% إلا أنه لم يصل بعد المستوى الذي  يرتضيه المواطن المصري ويحافظ له على المستوى المعيشي الذي يضمن به حياة كريمة.
  • تراجع الأجور الحقيقية بما يقارب الثلث، بالرغم من زيادة متوسط الأجر النقدي بمعدل نمو 11.46%، إلا أنّ إرتفاع التضخم لما يقارب 30.8%، تراجع على إثره مستوى المعيشة، وتزايدت أعداد الفقراء لتسجل مستويات عادت بها للسنوات الأولى من العقد الأول للألفية (27%)، وتزايد التوزيع الإقليمي لهم، بمعنى عدم اقتصارهم على مناطق بعينها.

 

شكل رقم (1) معدل التضخم على أساس شهري لسنة 2017

شكل رقم (1) معدل التضخم على أساس شهر 2017
شكل رقم (1) معدل التضخم على أساس شهر 2017

شكل رقم (2) معدل التضخم على أساس شهري لسنة 2018

 

  • تصاعد الدين العام، والدين الخارجي إلى معدلات غير مسبوقة. فقد كشف البنك المركزي المصري، عن أنّ الدين الخارجي لمصر ارتفع بنسبة 17.2%، أي بمقدار 13.6 مليار دولار؛ ليصل فى نهاية يونيو 2018 إلى 92.6 مليار دولار، مقارنةً بشهر يونيو 2017. ولعل الشكل رقم (3) يكشف عن تطورات جد خطيرة فيما يتعلق بتزايد الديون الخارجية للاقتصاد المصري وقفزتها الهائلة وغير المبررة اقتصاديًا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة. وكما يرى  الوصال (2016)،  تبقى مشكلة الدين الخارجي الوجع الأكثر إيلامًا للاقتصاد المصري على ضوء أنّ مشكلة الدين العام ليست مشكلة الأجيال القادمة كما يعتقد البعض، وأنّ أعباء هذه الأزمة سيتحملها أولادنا وأحفادنا، وهذا صحيح بالفعل إلا أنّ الأصح هو أن مشكلة الدين العام خاصة الخارجي منه هي مشكلة كل فرد من أفراد المجتمع. ويرى الوصال أيضاً أن سوء إدارة الدين في مصر تعود إلى العديد من العوامل المؤسسية والتنظيمية والإدراية، يأتي في مقدمتها هذه العوامل حقيقة أنّ القرار الاقتصادي في مصر تهيمن عليه الاعتبارات السياسية والرؤى الأحادية.

وتعضيدًا على ما تم عرضه يرى الباحث أنّ غياب المسائلة عن القرارات الاقتصادية وتمويعها أحياناً، وعدم وجود برلمان حر مستقل يتمتع بالاستقلالية وحرية التصرف، جعلت الحكومة ومن في سدة الحكم لا يأبهون بما يفعلون بالدين الخارجي ولا بإدراته، حتى تفاقم إلى ما يقارب الضعف خلال أربع سنوات وصولًا من 48 مليار دولار إلى 92.6 مليار دولار كما يوضحه الشكل رقم (3).

شكل رقم ( 3) تطورات الدَّين الخارجي في مصر خلال الفترة يوليو 2015 حتى سبتمبر 2018

شكل رقم ( 3) تطورات الدين الخارجي في مصر خلال الفترة يوليو 2015 حتى سبتمبر 2018

      • شبكة الأمان الاجتماعي، بالرغم من قيام الحكومة بعمل برامج مثل تكافل وكرامة، إلا أنّ هذه البرامج تفقد فعاليتها نظرًا لعدم شموليتها من جانب، والتهام التضخم لها من جانب آخر.
      • تنامي حدة عدم العدالة في توزيع الدخل، وتصاعد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، مما يهدد أمن وسلامة المجتمع.
      • أما مسألة النمو الاحتوائي فمصر لم تطبق سياسات النمو الاحتوائي مطلقًا، ولم تنعكس معدلات النمو في شكل توفير فرص عمل – حتى في الأوقات التي حقق خلالها الاقتصاد المصري معدلات نمو تصل إلى 7% عام 2007و2008. بما يمكن أن يطلق على نمو الاقتصاد المصري نموًا بلا فرص عمل JOBLESS GROWTH .
      • ولم تخلق فرص عمل كافية لاستيعاب معدلات بطالة الشباب المرتفعة، ولازالت الفجوة بين الجنسين سواء في الحصول على أجر متساوي مع الذكور أو الوصول إلى فرصة عمل، أمر معقد خاصة في القطاع الخاص.
      • الحد من الطلب المحلي وتقييد ، وهي أحدى النقاط السلبية لبرنامج الإصلاح الحالي القائم بالأساس على طبيعة انكماشية قد لا تكون هي الحالة المناسبة للاقتصاد المصري في القوت الراهن.
      • بالرغم من تعبئة الفائض الاقتصادي في مصر – والذي لايزال منه جانب كبير لم يُعبَّأ – إلا أنه زُج به نحو مشروعات لا عائد لها في الأجل القصير والمتوسط، مما يعني ضياع جزء من الموارد كان من الممكن أن تستفيد منه مصر في العام أو العامين الماضيين بصورة تساهم في تحسين أوضاع الاقتصاد المصري.
      • العودة للخصخصة وكأنها الحل السحري لتحسين بيئة الأعمال وتطوير الشركات في مصر، في الوقت الذي توجد طرق أخرى يمكن من خلالها إعادة تطوير الشركات عبر إعادة تنظيم هيكلها الإدراي وإسنادها لأهل الكفاءة وذوي النزاهة.

      وعليه، يمكن القول أن الاقتصاد المصري في ظل برنامج الإصلاح الحالي، وإن نجح في القضاء على السوق السوداء فيما يتعلق بسعر الصرف، وتدفقت إليه بعض المليارت من الدولارت ساهمت في زيادة الاحتياطات الأجنبية، إلا أن مكوناته هذه الاحتياطات تشير إلى أنّ غالبيتها ديون وودائع قصيرة وطويلة الأجل، يدفع عليها فوائد تساهم في زيادة عجز الموازنة العامة. فضلاً عن أنها شهدت تحولاً في هيكل المديونية، ستثقل أعباء الأجيال القادمة وتقلل من مواردها. ولعل النقطة الحاسمة في برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي تكمن في عدم عنايته بإصلاحات تتعلق بالجوانب الإنتاجية، لإصلاح شركات قطاع الأعمال العام، وتحفيز المشروعات الإنتاجية، وتغير هيكل الناتج المحلي الإجمالي، وتكون قادرة على استيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل وتوليد فرص عملا لائقة ومنتجة أملًا في تخفيف حدة البطالة.  كما يرى الباحث أنّ برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي لم يعالج اضطراد الحاجة إلى العالم الخارجي، ولم يحاول تخفيف حدة التبعية الزراعية والغذائية، والتي تتلخص في أن أي دولة ليس لديها القدرة على تحقيق أمنها الغذائي لا يمكن لها أن تتمتع باستقلالية القرار والقدرة على النهوض.

      ويختتم الباحث بأنّ مصر تحتاج إلى نموذج تنموي مستقل يساهم في الاستغلال الأمثل لقدراتها ومواردها المتنوعة، عبر بناء القدرات الإنتاجية والعلمية وتعزيز المزايا التنافسية التي يتمتع بها.

    • ويمكن تناول عدد من النقاط التي من شأنها أن تساهم في تهيئة بيئة تسمح بنموذج تنموي حقيقي ومستقل دون اللجوء للمؤسسات الدولية ذات البرامج الإصلاحية ( بنظام الكوبي بيست)، وأهمها ما يلي :
    • تعبئة الفائض الاقتصادي وتوجيهه نحو قطاعات الاقتصاد الحقيقي.
    • إعادة هيكلة القطاع المالي.
    • تحويل الموارد من القسم الأغنى للقسم الأفقر.
    • العناية بالتعليم والتدريب وتنمية رأس المال البشري؛بما يمكن أن يطلق عليه التعليم بالمهارات.
    • التركيز على الاستهلاك المحلي باعتبار أنّ الاقتصاد المصري اقتصادًا مستهلكًا بالدرجة الأولى وأنّ النمو الإقتصادي فيه نموًا ناشئًا عن الأجور والطلب المحلي.
    • اتباع نهج التنمية القطاعية واستخدام نظرية المزايا النسبية للموارد في كل إقليم أو محافظة.
    • تطوير البنية التحيتية ليس بإعتبارهه أولوية ولكن باعتباره متطلباً ومتكئًا تستند عليه حركة تدفق ونقل السلع والخدمات والمواطنين.
    • تعديل نظام الضرائب الحالي من حيث الكفاية والجباية والعدالة.
    • التكامل الزراعي الداخلي والخارجي، حيث يمكن لمصر أن تتسفيد من القدرات الزراعية والمائية لدول حوض النيل وبالأخص الكونغو والسودان في تحقيق الإكتفاء الذاتي.
    • المشاركة الشعبية والمجتمعية في عملية التنمية وفي وضع خططها وتنفيذها.
    • تعبئة الفائض الاقتصادي وتوجيهه نحو قطاعات الاقتصاد الحقيقي.
    • إعادة هيكلة القطاع المالي.
    • تحويل الموارد من القسم الأغنى للقسم الأفقر.
    • العناية بالتعليم والتدريب وتنمية رأس المال البشري، بما يمكن أن يطلق عليه التعليم بالمهارات.
    • التركيز على الإستهلاك المحلي باعتبار أنّ الاقتصاد المصري تقتصاداً مستهلكاً بالدرجة الأولى أنّ النمو الاقتصادي فيه، نمواً ناشئًا عن الأجور والطلب المحلي.
    • اتباع نهج التنمية القطاعية واستخدام نظرية المزايا النسبية للموارد في كل إقليم أو محافظة.
    • تطوير البنية التحيتية ليس باعتباره أولوية ولكن باعتباره متطلبًا ومتكئًا تستند عليه حركة تدفق ونقل السلع والخدمات والمواطنين.
    • تعديل نظام الضرائب الحالي من حيث الكفاية والجباية والعدالة.
    • التكامل الزراعي الداخلي والخارجي؛ حيث يمكن لمصر أن تستفيد من القدرات الزراعية والمائية لدول حوض النيل وبالأخص الكونغو والسودان في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
    • المشاركة الشعبية والمجتمعية في عملية التنمية وفي وضع خططها وتنفيذها.
    • محاربة الفساد وتعزيز الشفافية.
المراجع
صندوق النقد الدولي، مصر وصندوق النقد الدولي أسئلة أساسية عن مصر
كمال الوصال، الاقتصاد المصري بين المطرقة والسندان أزمتا الدين العام والعجز في الموازنة العامة البحث عن مخرج، تقديم نادر فرجاني، دار بن رشد، الطبعة الأولى، القاهرة، 2016، ص110.
موقع الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء
موقع trading economics

 

فريق الإعداد

إعداد: حازم حسانين

تدقيق لغوي: رغد شنير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...