تأخذك إلى أعماق الفكر

الوثن السياسي والأُلوهة؛ الوجه الحديث للوثنية

التديّن السياسي و إفساد الدولة الوطنية

يقول عالم النفس والفيلسوف إريك فروم (Erich Fromm 1900-1980):

جوهر ما دعاه الأنبياء بـ (الوثنية) هو ليس كونَه الإنسان يعبدُ كثيرًا من الآلهة بدلا من إله واحد، بل تتمثل في أنّ الأوثان هي من عمل يدي الإنسان: إنّها أشياء يقوم الإنسان بعبادتها، والركوع لها. إنّه يقوم بعبادة الشيء الذي خلقه هو بالذات، وإنه بذلك، يُحوّل ذاته إلى شيء، وينقُل إلى الأشياء التي خلقها خصائص حياته، كما أنه بدلا من أن يُمارس ذاته كفرد خالق، فإنه يكون في حالة تواصل مع ذاته فقط عبر عبادة الأوثان. بهذا يصبح الإنسان مُنخَلعا عن قوى حياته، عن ثروته وطاقته، ويكون متواصلا مع ذاته في طريقة خضوع غير مباشرة للحياة المُجمّدة على شكل وثن[1].

وفي الاطلاع على تعريف فروم الذي ذُكر أعلاه، يمكن أن نشرَع في فهم أُولى معالم الأوثان السياسية، التي ما صارت أوثانًا إلّا بعد أن خلقتها الجماهير من خلال الرضوخ لها بآليات عقلية منغلقة. تتجسّد في عملية العبادة والولاء الأعمى وتحويل الجماهير نفسها ذاتيًا إلى كيانٍ منخلعٍ عن استقلاله وطاقاته وقدرته على التغيير، ومُجبَرٍ على الركوع لهذا الوثن السياسي طالبًا منه أو مهللًا له أو خائفًا من حرّاس الوثن (القبضة الأمنية)؛ علما أن هذا الخوف سرعان ما يصبح سلوكًا يبدو طبيعيًا ونوعًا من آليات الدفاع الذاتية لتُقْنِع الجماهير نفسها بأنها غير مذلولة ومُجبرة بل صاحبة اختيارٍ وانتماء حُرٍ، وهذه الاعتبارات المُختلقة تعود تحديدًا على رأس الهرم السياسي كونه سُطوة مطلقة غير قابلة للتحطيم والإزاحة والتفكيك وهي أول سمات الألوهة.

وإضافةً إلى ذلك، من خلال تقديم كل من القدسية والتغنّي بها و الذي يتجلّى تحديدا وبشكل واضح في حالة التطبيل والتهليل الاستعباطي لتلك الأوثان السياسية، وغالبا ما تبرز هذه الظاهرة في الشعارات الانتخابية الجمهورية أو ندوات المناسبات الوطنية والاجتماعية، التي تشرف عليها المؤسسات التي تحكم الشعب وتُحكم صاغرةً من الوثن، وأيضًا تبرز بشكل مضاعف في حالات الانقسام الضّيق التي تنبثق في الثورات والاحتجاجات حيث يسارع من يعبدون الأوثان السياسية إلى بثّ هذه الظاهرة بشكل مبتذل وموسّع من خلال الإعلام والمسيرات والقصائد والاحتفالات وآليات التظليل والتأويل والتخوين للآخر الذي يلعب هنا دور الكافر أو المشرك، وغالبا ما يكون الجمهور هنا مدفوعًا من حالة الولاء الأعمى وليس الولاء العقلاني.

وفي العودة إلى مفهوم الوثنية، ولا يُحدّد المفهوم في هذا السياق بمعنى تعدّد الآلهة (الأصنام) كما استخدمها المسيحيون الأوائل في القرن الرابع لوصف الأشخاص في الامبراطورية الرومانية الذين مارسوا تعدد الآلهة، ولا كما استخدمه المسلمون لوصف الأشخاص الذين يعبدون الأصنام التي ترمز لآلهةٍ متعددةٍ، وهذا بعد أن صنعوها بعقلهم وأيديهم؛ بل كما قُدِّمت في بداية المقال من خلال اقتباس الفيلسوف إريك فروم؛ وهنا نشهد نوعًا مباشرًا من هذا الجوهر لفهم الوثنية وينقسم بين الواسع والضيّق في آن، إذ أنه في الساحة السياسية العامة سواء على مستوى الأمّة الناطقة بالعربية كاملةً، أو الدولة المُسيطر عليها من أنظمة الاستبداد، أو العصبيات المختلفة في نفس حدود الدولة الواحدة والتي تُكوّن نفسها داخل هيكل حزبي متسلّط ومنغلق؛ يتكوّن الوسط السياسي/الاجتماعي على شكل شعوب تتبع الأوثان التي ترتدي ربطات العنق بنفس طريقة اتّباع الوثنيين للأصنام ونفس آليات الدفاع ونفس سلوكيات الرُضوخ، وما هذا إلّا دلالة على تمركز الوثن السياسي ومدّ كلاً من الاستبداد وسلطة الحزب الواحد (المجتمع المغلق في طرح الفيلسوفة حنة آرنت عن الأنظمة الشمولية [2]) على مساحته الحيوية (الوطن نسبةً للشعب) وسحق أيّ كيان أو حراك لا يُعامله كوثن بتهمة التخوين (التكفير عند الوثنيين)؛ أي يُضفي على نفسه سمة الألوهة ويزرع في رؤوس الجماهير سمة الألوهة التي تعود عليه لوحده؛ ويتم ذلك بعد فرض الشمولية باستخدام القبضة الأمنية ومنهجة مؤسسات الدولة لخدمته وترسيخ نهج التديّن السياسي، وفي نهاية المطاف تُجمَع هذه الأوثان تحت قبّة المجلس على المستوى الداخلي أو الخارجي.

الأديان الإبراهيمية والوثنية والتشابه مع الدين السياسي

من أوجه التشابه بين تكفير الأديان الإبراهيمية لمن يعبد الأوثان وهو ما يسمّى الإشراك في عبادة الإلَه الواحد الأحد، وبين التخوين المُمارس من المُستبِد لكل محاولة تعدّد الأحزاب (الديمقراطية)؛ أنهما لا يقبلان إلّا بالتوحيد والكمال لكيان واحد يُتّبع ولا يُنْتَقد؛ وهنا نشير بشكل مباشر أكثر إلى أن الوثن السياسي في عصرنا يُنصِّب نفسه بمرتبة الألوهة التي تكفّر من لا يَتبِعُها، ولا فرق بين الوثن الصغير والوثن الكبير إلّا أنّ الأول يتبع الثاني، والثاني (الأعلى في رأس الهرم) يسطو على كل الأوثان الصغيرة وعبادها ليُكوّن وثنًا واحدًا لا غيره ولا ندّ له.

النّاس أداة المستبِد يزُجّ بهم في الحروب، أو يستخدمهم للترويج لعظمته وعُلوّ شأنه، في مختلف عمليات التبجيل والتطبيل والتزمير والإشادة بقُدراته الخارقة، أو أعطياتِه ومكرماته[3].

-د.مصطفى حجازي

ولا يمكن أن يكون كل هؤلاء الجماهير بحالة وعي ودراسة قبل إقرار ولائهم، وخاصةً أولئك من يهلّلون ويطبّلون بشكل متطرّف ويضعون صورة وثن سياسي على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أو على زجاج سيارتهم، أو على حائط مكتبهم كنوعٍ من التبعية أو الإشهار بالسلطة، فإن أولئك لا يتصرفون بوعي مختلف بدرجة كبيرة عن وعي المتديّن الذي يُجهر برموزه الدينية أينما حلّ، ولا خلاف بذلك مبدئيا بل هذا تشبيه إجرائي لا أكثر لفهم بنية الدين السياسي، لكن الخلاف يكمن في تحويل التديّن بالمعنى الديني الروحاني إلى تديّن بالمعنى السياسي. إذ أن الدين السياسي، وهو الأسوأ حالًا بدرجة أكبر من أي نوع آخر من التديّن المتطرّف لكونه غير واضح المعالم والآثار، ما يجعل تفكيكه ومعالجته غير واضحة بالنسبة للجميع (فقط أولئك المتسلّطون باسم السلطة السياسية أو حاشيتها من يعرضون خطر هذا النوع من التديّن السياسي بشكل واضح). وهنا يجب أن تُدفع الجماهير لفهم بنية وآثار معاملة المركز السياسي بصفة الألوهة، فإن ذلك:

إعلان

  • يطعن بمفهوم الدولة الوطنية: لا يمكن أن تقوم أيّة دولة وطنية أو مؤسسات وطنية أو جماهير وطنية على الدين والتديّن بكافة أنواعه، إذ أنّ الدين يستند على اعتبار الإله أو الوثن كسمة عُليا، ويُدفع من قبل وصية ساميةٍ حسبَ اعتقاده وهي طاعة هذه السّمة العُليا، ولهذا قد يؤدي الدين المحض بمفهومه الكلاسيكي لقيام دولة الخلافة، أو دولةٍ تحكم بالشريعة أو اللاهوت، بينما الدولة الوطنية تقوم على سمةٍ عُليا وهي (الوطن) ووصية أولى وهي (مصلحة واستقلال وإغناء ثروة هذا الوطن على المستوى السيادي والاقتصادي والحضاري وتأمين الأمن الإنساني عبر مؤسساته وطاقاته والكفاءات الفعّالة والوطنية).

وهنا قد تكون الخلاصة أنه لا يمكن للتديّن السياسي هذا الأشبه بالتديّن الوثني أن يُنتج غير دولة أمنية، تقوم على ضرورة إفساد كل من لم يُفسد بعد (وهذا تعبير مستعار من الفيلسوف الراحل طيب التيزيني) .وأنّ بنية هذا الفساد تتغذّى على حالة الاستعباط الجمعي والتهليل للأوثان السياسية، التي تعامل الوطن وشعبه وطاقاته وموارده على أنه ملكية خاصة هو الإلَه الخالق لها ومنه تنبُع وإليه تعود، وبهذه الحالة تُنزع سمة الوطنية تدريجيا لتكون دولةً شموليةً لحكمٍ يُعلي من شأنه أكثر من إعلاء شأن الوطن.

 

المراجع:

1- إريك، فروم. مفهوم الإنسان عند ماركس (1998). ترجمة: محمد سيد رصاص. سورية-دمشق: دار الحصاد للتوزيع والنشر.

2- آرنت، حنة. (2016). أسس التوتاليتارية. ترجمة: أبو زيد، أنطوان. لبنان-بيروت: دار الساقي.

3- د.حجازي، مصطفى. (2005). الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. لبنان-بيروت: المركز الثقافي العربي.


إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.