تأخذك إلى أعماق الفكر

الملجأ الأخير للنزعة المثالية

تعريف النزعة المثالية:

المثالية idealism في الفلسفة هو المذهب القائل بأن حقيقة الكون أفكار وصور عقلية، وأن العقل مصدر المعرفة. كانت بداية المثالية كما هو معروف مع أفلاطون، إذ إن أفلاطون كان يتصور عالمًا عقليًا قوامه أفكار بمثابة النماذج للموجودات من حولنا والتي هي في عالمنا المحسوس جزئية ومادية، والعالم العقلي هو الحق المطلق، والعالم المحسوس أشبه ما يكون بالظلال.

النزعة المثالية عند باركلي

أما ظهور النزعة المثالية عند باركلي في القرن الثامن عشر يتمثل في ضرورة إنقاذ النزعة المثالية الموضوعية للدين بطريقة مباشرة، غير أن فلسفة باركلي كانت عاجزة عن أن تفسر تقدم العلوم الذي حدث في عصرها، مثال ذلك الرياضيات. فقد تجاهلتها فلسفة باركلي وأعلنت أنها عبث لا طائل وراءه، ولقد رأينا أن الفلاسفة المثاليين أمثال باركلي يتحاشون الخوض في المسائل العلمية. غير أن هذا لا يكفي، فلقد بلغ من تطور العلوم، منذ القرن الثامن عشر، ولا سيما أن وضع نيوتن النظرية الميكانيكية العامة عن الكون، أن أصبح وضع باركلي لا يمكن الدفاع عنه، فاضطرت النزعة المثالية إلى أن تبحث عن وضعٍ للتراجع فكان لابد من إتاحة الفرصة للدين أن يستمر وأن يستفيد من الشك، وذلك حسب ادعاء الفلسفة الجديدة في قولها:

تدعي النزعة المادية أن المادة هي الأولى ولا علم لنا بذلك.

وهكذا تحاول هذه الفلسفة أن تبدو كطريق ثالث بين النزعة المادية، فهي ترفض أن تتخذ موقفًا معينًا بصدد مشكلة الفلسفة الأساسية بقولها أنه لا يمكن اتخاذ موقف معين، فتدعي أنها تتخذ موقفًا نقديًا لا موقفًا عقديًا. (1)

الوجود الفعلي في تفاعل الفكر مع الواقع ليس إذن لأفكار متناثرة تنبت حرة طليقة في أذهان المفكرين الأفراد، إنما هي للبنية الفكرية التي في إطارها تنبت هذه الأفكار ويتحدد بالضرورة إمكان ظهورها وتطورها، ليس للفكر الفردي مهما بلغت أهميته العلمية أو النظرية وجود مستقل، إذ لا وجود له إلا في بنية فكرية متكاملة تحدد موقعه بالنسبة إلى أفكار أخرى تضمها وحدة بنية، وبالتالي وحدة تطور؛ لهذا يستحيل إطلاقًا وجود تفاعل ممكن بين الفكر والواقع، إذا كان هذا التفاعل كما يتوهم البعض بين أفكار منفردة وواقع اجتماعي تاريخي له منطقه، اللهم إلا إذا اتخذنا الفكر الأفلاطوني مقياسًا ومنهجًا لفهم الواقع، أو إذا اعتبرنا المفكر الفرد كالله يقول للشيء كن فيكون، قد نصل في هذه الحالة الأخيرة إلى تفسير حضور الواقع في فكر الفرد، عن طريق منهج فرويدي مشوه يلجأ إليه سارتر أحيانًا، لكننا نعجز فعلًا عن تفسير فعل الفكر الفردي أو المنفرد في هذا الواقع الاجتماعي.

التفسير الوحيد الذي يمكن أن نعطيه لهذا الفعل تفسيرًا ميكانيكيًا ليس في حقيقته تفسيرًا. حين يخرج الفكر أو ينفرد عن البنية الفكرية التي تحدد الإطار التاريخي لتطوره، يخرج عن الواقع الاجتماعي نفسه ويستقل عنه، فيستحيل أن يكون له في هذا الواقع أي أثر. وكيف يمكن أن يكون للفكر في الواقع فعل إذا كان الفكر يأتي الواقع من الخارج وكان الواقع في منطق تطوره التاريخي مستقلًا عن الفكر؟

إعلان

إن الإرادة الذاتية وإن استندت إلى الفكر المنفرد أو قُل لأنها تستند إليه تكشف دومًا عن عجزها حين تصدم الواقع في غفلة عن منطقه.(2)

كانت النزعة المثالية الموضوعية تعلق المادة بفكر عام شامل بينما كانت النزعة المثالية الذاتية تذيب المادة في وعينا. غير أن النزعة المثالية الموضوعية قد قضت عليها علوم الطبيعة بينما قضت الفيزيولوجيا والعلوم الاجتماعية على النزعة المثالية الذاتية، ثم تأتي فلسفتنا الجديدة التي تقول:

من أين لكم أن تعرفوا أن العلم يجعلنا نعرف الواقع كما هو؟

لا شك أن العلوم موجودة، ولكن كي نعرف ما إذا كان الواقع الموضوع هو في مبدئه مادةً أو فكرًا، يجب أن نعرف أولًا ما إذا كان ذهننا يمكنه معرفة الواقع الموضوعية في ذاته.

وهكذا لا تعلق هذه الفلسفة المثالية المادة بالفكر وهي لا تذيب المادة في الوعي بل هي تفكر كما لو كان كل منهما غريبًا عن الآخر، كما لو كانت المادة لا يمكن للفكر أو المعرفة تمثلها، كما لو كانت معرفتنا عاجزةً أيضًا عن أن تسبر غور الطبيعة وإمكانيات فكرنا. وتسمى هذه النزعة التي تدعي أنه لا يمكن الإجابة على السؤال الأساسي للفلسفة لأننا عاجزون عن معرفة مبادئ الأشياء الأولية وسنظل كذلك.

وتسمى هذه النزعة باللاأدرية agnosticisme وتتألف هذه الكلمة من كلمتين يونانيتين تعنينان العجز عن المعرفة. رائد هذه الفلسفة في القرن الثامن عشر هو ديڤيد هيوم الايقوسي 1724-1804 وممثلها الرئيسي هو إيمانويل كانط الألماني الذي عاش في أيام الثورة الفرنسية ولقد اتخذ في فرنسا في القرن التاسع عشر اوغوست كومت 1798-1857 موقف مشابها وكذلك عدد من المؤلفين الذين تمتزج عندهم الأدرية بصورة نزعة المثالية الاخرى. لا نجد في الحقيقة عن هؤلاء المفكرين النزعات الفلسفية في حالتها الصرفة كما نجدها عند مؤسسي المذاهب بل نجد عندهم مزيجا غير مستقر . هذا وقد قامت فلسفة كانط بدورها في الحركة العمالية لأن أعداء الماركسية قد اعتمدوا عليها لمحاولة القيام بإعادة النظر في الماركسية .

فلنرَ إذن حجج الاأدرية كتب هيوم يقول:

يمكن أن نعتبر أن من البديهي أن الناس يميلون بغريزتهم الطبيعية إلى الاعتماد على حواسهم وأننا نفترض في أي نقاش وجود عالم خارجي لا يتعلق وجوده بإرادتنا بل هو موجود حتى ولو فنينا مع جميع الكائنات ذات الحساسية.

وهكذا نرى أنه حتى هيوم يختلف بأن النزعة المادية مما يقول به الرأي العام. ولكن تزعزع هذا الرأي الأساسي الشامل أشد الفلسفات سطحيةً، تلك التي تعلمنا أن لا شيء يتمثله الذهن سوى الصورة أو الإدراك فتبدو الطاولة التي نراها أصغر إذا ابتعدنا عنها بيد أن الطاولة الحقيقية التي توجد مستقلة عنا لا تتغير. وهكذا لم يدرك ذهننا سوى صورة الطاولة.(3)

كان كارل ماركس أصغر من أن يلعب أي دور في أعوام 1835-1841 فهو لم ينجز أطروحته الجامعية في الفلسفة المسماة: “الفرق بين فلسفة الطبيعة عند ديموقريطس وأبيقور” إلا عام 1841 ولم يدشّن كتابه الجاد الأول: “نقد فلسفة الحق عند هيغل”. إلا من بعد أطروحته بثلاثة أعوام والواقع أن مقدمته لهذا النص تلخص كامل إنجاز اليسار الهيغلي في هذه المرحلة، فهو يقول في مفتتح كتابه بل في الأسطر الأولى:

“لقد أنجزت نقد الدين في ألمانيا.” أٌنجز! على يد فيورباخ وبرونو باور (راعي ماركس ) وشترواس.

وإنجاز نقد الدين لم يكن متصلًا عن نقد ما أسمى (اللاهوت العقلاني) عند هيغل، الذي كانت مثاليته الفلسفية تتعارض بنظر النقاد الشباب مع الديالكتيك النقدي، وفكرة التجاوز مثلما أن صوفيته الميتافيزيقية تناقض المادة التجريبية الواقعية التي يعالجها. وكان فويرباخ أول من أشار إلى هذه الحقيقة، بطرائق شتى منها قوله:

إن فلسفة هيغل تنشطر إلى مذهب محافظ ومضمون علمي.

انتقد فويرباخ المنهج المثالي في فلسفة هيغل الذي يبدأ بالفكرة وينتهي بالفكرة المطلقة، أو ديالكتيكه الغارق في الاختلاف والمتغافل عن التماثل، أو في الانقطاع دون الاستمرار. بعد عقود سيقول ماركس:

إن ديالكتيك هيغل يقف على رأسه (مثالي) ويجب إيقافه على قدميه (يقف على أرضية الواقع الفعلي).

وبعده سيأتي إنجلز ليقول:

إن فلسفة هيغل تنقسم إلى مذهب محافظ ومنهج ديالكتيتكي ثوري، وإن كل من ركز على المنهج أمكن انتماؤه إلى أقسى المعارضة في السياسة، كما في الدين، وإن كل من ركز على المذهب كان محافظًا أيضًا، في السياسة كما في الدين.

إن الاغتراب/ الاستلاب الديني كما صوره هيغل، أرسى الأساس لاستكمال حركة التنوير الألمانية في نقد اللاهوت على يد اليسار الهيغلي. وكان هذا النقد عندهم ضروريًا لاستكمال فلسفة هيغل لتحطيم الأساس اللاهوتي للدولة البورسية الاستبدادية.(4)

النظرية والممارسة

لا بد من دراسة ونقد وتحليل مختلف الأشكال التي تجلى فيها مفهوم وحدة النظرية والممارسة في تاريخ الفكر، لأنه ما من شك بأن جميع الإيديولوجيات والمذاهب الفلسفية قد عالجت هذه المسألة امتدادًا لنظرية القديس توما الأكويني المدرسة السكولاستية “الممارسة امتداد للنظرية” أي التأكيد على العلاقة الضرورية بين تراتب الأفكار وتراتب الأفعال.

ملاحظة ليبنتزا الشهيرة حول العالم (التي مسخها المثاليون الإيطاليون) بقدر ما يكون العلم تأمليًا بذاك القدر يكون عمليًا. ثم محاولة ج. ب. فيكو – (المعرفة فعل) – التي أثارت نقاشات وتفسيرات عديدة، والتي طوّرها كروتشي باتجاه مثالي، إذ يقول:

بما أن المعرفة فعل، فإننا نعرف ما نفعله فقط. هنا تكتسب كلمة “فعل” معنى خاصًا، إذ تضحّي لكلمة “معرفة” فتنتهي المسألة إلى مجرد طوطولوجيا.

بما أن كل فعل هو محصلة إرادات متباينة تتأثر بدراجات متفاوتة من الكثافة والوعي والانسجام، بالمقارنة مع الإرادة الجماعية، فمن الواضح –إذًا– أن النظرية التي تماثل هذا الفعل، الضامرة فيه، لا بد من أن تكون هي –أيضًا- تركيبًا من المعتقدات ووجهات النظر المخلطة والمتناثرة. لكن ذلك لا يمنع ان تتطابق الممارسة والنظرية ضمن الحدود والشروط المبينة.

وعندما تطرح مسألة الملاءمة بين النظرية والممارسة فإنها تطرح على النحو التالي:

1- الانطلاق من ممارسة معينة لبناء نظرية، تصادف العناصر الحاسمة في هذه الممارسة وتتمثل بها، فتعجل من العملية التاريخية الجارية، وتضفي على جميع عناصر الممارسة المزيد من الاتساق والتماسك والفاعلية –أي تمدها بالقوة الدافعة القصوى.

2- الانطلاق من موقف نظري معين لتنظيم العنصر العملي الذي هو شرط تطبيق الموقف النظري نفسه. إن الملاءمة بين النظرية والممارسة عمل نقدي، يثبت عقلانية الممارسة وضرورتها، كما يثبت عقلانية النظرية وواقعيتها. لهذا السبب تبرز مسألة الملاءمة هذه بأوضح ما تبرز في حقبات التاريخ التي نطلق عليها عادةً تسمية “مراحل الانتقال” عندما تتسارع حركة التغير، وتكون القوى العملية التي أطلقتها هذه الحركة بحاجة إلى أن تبرر نفسها، من أجل اكتساب المزيد من الفاعلية والشمول، أو عندما تظهر عدت برامج نظرية، تحتاج – هي أيضًا– إلى أن تبرر نفسها على نحو واقعي بإثبات مقدرتها على الالتحام بحركات عملية –وأن تتبنّى الحركات العملية لهذه البرامج النظرية هو السبيل الوحيد؛ لكي تصبح أكثر عمليةً واكثر واقعيةً.(5)

الشيء بذاته عند كونت

مسألة “موضوعية الواقع الخارجية ” بلاقدر الذي ترتبط فيه بالشيء بذاته أو “النومينوم” عند كونت. لا بد من الاعتراف بأن “الشيء بذاته” مستجر من “موضوعية الواقع الخارجية” ومن المذهب الواقعي المسمى “الواقعية الإغريقية – المسيحية” _ أرسطو – توما الأكويني. وهذا ما يؤكده انبثاق المدرسة الكونتية الجديدة المدرسة النقدية الجديدة عن هذا التيار أو ذاك، من تيارات المادية المقبولة أو الفلسفة الوضعية. إذا كان الواقع هو كما نعرفه أو ذاك كانت معرفتنا له تتغير باستمرار –أي إذا لم يكن ثمة من فلسفة نهائية، وإنما فلسفات محكومة تأريخيًا –يصعب علينا أن نتصور أنّ الواقع يتغير موضوعيًا في الوقت ذاته الذي نتغير فيه نحن، ويجب الاعتراف بذلك، ليس على صعيد الحكمة الشعبية وحسب وإنما على صعيد الفكر العلمي أيضًا. ورد في “العائلة المقدسة” أن الواقع يتلاشى كله في الظاهر وأنه لا يوجد شيء باستثناء الظواهر. وهذا قول صائب بدون ادنى شك، ولكن يصعب إثباته.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: طارق فضلي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تعليقات
جاري التحميل...