التعصب الطبقي

نمضي في العالم ونحن مطالبون باتخاذ القرار في كل لحظة، حيال أمور كبيرة وصغيرة وأمور متناهية في الصغر تتراكم لتصنع قصة، قصة حياة الكائن الإنساني، كفرد، وكنوع، لكنها قصة ملغمة بعدد ضخم من الانحيازات غير الموضوعية تتراكم بفعل الحياة اليومية لتصنع نهراً من الأحكام الخاطئة، التعصب هو أحد نتاجات هذا التراكم، أما التعصب الطبقي فهو أحد أكثر أشكالها انتشاراً.

قبل المضي قدماً، ينبغي علينا أن نمنح تعريفاً واضحاً لما هو التعصُّب الطبقي، من كونه انحيازاً غير موضوعي لجبهةٍ ما، ينتج عنه حالة من الإسقاط غير الواعي لسمات وصفات بعينها على الجبهة المضادة.

تتسِّم هذه السمات بزيفيتها أي بدخولها في مجال الضلالات العقلية عن الذات والآخر، تتوجَّه لوصم الآخر في اتجاه وتمجيد الذات في الاتجاه المقابل، غير أنَّ هذا الوصم يجري على نهج محدد في كل مرة، يمكن رده لمشاعر العصبية القبلية الأولى التي امتدت لنحو 300 ألف عام من تاريخ البشر، لكن الشعور  القبلي يمتد ليعبر عن ذاته في مجتمع الدولة عبر انتماءات جديدة تحل محل القبيلة في الظاهر لكنها تستلهم روحها بشكل عميق، أبرزها الطبقة الاجتماعية.

يجري تعميم استعارة القبيلة على كيان الطبقة الاجتماعية، لتصيغ مصفوفة من التمجيدات للشعارات الجمالية والأخلاقية الخاصة بهذه الطبقة دون سواها، في مقابل وصم الطبقات الأخرى باللا أخلاقية وانهيار الحس الجمالي أو على الأقل غرابته وتهافته، وتراكم هذا الوصم يقود إلى فعل (المْسخ) وهي عملية شعورية يجري فيها دفع الطرف الآخر خارج دائرة البشر إلى دائرة أشباه البشر أو الحيوانات، وهو أعلى سقف شعوري لعصاب (التعصُّب)، نحن إذاً أمام حالات من الوصم المتبادل تجريه الطبقات الاجتماعية تجاه بعضها البعض، ولتحليل ما يمكن أن نسميه بالتعصُّب الطبقي والوصمة الطبقية، فإننا نذهب على طريقة ماركس للأسباب المادية التي تتخذ من شعور التعصب مجالاً للتنفيس.

يعود الفضل إلى تنبيه البشرية لأنواعٍ شتى من التعصُّب إلى الحركةِ الليبرالية، وهو أمر لا يمكنني أنكاره مع عدد ضخم من الدراسات والمجلدات التي أنتجتها الليبرالية عن التعصُّب العرقي والديني والقبلي، لكن الفضل يعود لماركس في التنبيه إلى أن هذه الأمراض ليست إلا أعراضاً لمرض آخر وهو  “انحياز الطبقة الاجتماعية”.

إعلان

ييدو هذا الأمر تكراراً جديداً على النغمة المعهودة للماركسيين، لكن ابتذال الفكرة على نحوٍ مكرر لا ينفي صحتها، غير أنَّ ماركس نفسه لم يفرغ بحثاً واحداً عن عُصاب “التعصُّب”، ولم يرد في مجمل أعماله شيئاً مما يمكن أن نسميه ب (التعصب الطبقي)، لكننا نستطيع أن نمد أطروحاته إلى آخرها لإنتاج هذا المفهوم دون العودة للبرهان الليبرالي، بمعنى أننا سنبدأ من المنطق الجدلي لننتهي بالمنطق الجدلي.

في رأس المال، يبدأ ماركس من عند نظرية القيمة لينتهي بنظرية الصراع الطبقي، الصراع حتمي بمعنى أن الأسباب تؤدي للنتائج، وهو موجود في الحياة اليومية للطبقات المختلفة، غير أنَّ تراكماته تؤدي إلى احتدامه وتكشفه علي العلن في لحظةٍ ما، وباستثناء لحظات الاحتدام  النادرة فإن الصراع الذي يجري على نحو مكبوت وغير معلن عنه يتحول إلى عصاب.

تشعر الطبقة العاملة بغياب تكافؤ الفرص ويشعر صاحب المال بجدارته المطلقة بكل فرصة، يشعر العامل بأنَّ حياته مجرَّد ترس صغير في آلة ضخمة لا يعرف أولها من آخرها، هذا شعور محقق بالاغتراب، بينما يشعر صاحب العمل بأنٌَ كل ما يتم إنتاجه هو ملكية حصرية واستثنائية، من هذه النقطة أي من نقطة التضارب الحتمي في المصالح ينشأ الصراع، ويظل يعمل تحت السطح، بشكل يومي ومتكرر.

تجري المصالحات الزائفة على أرضية السلطة، ويتم حسمها في كل مرة لصالح حامل السلطة أي رأس المال، يشعر العامل وعلى الرغم من تسليمه مبدئياً بمجريات هذه المصالحة بأنه مضطهد بطريقة فطرية لا دخل له فيها ولا يستطيع التعبير عن ذلك، ويشعر صاحب رأس المال بأنه مهدد بالضياع مع أي تواني وأنه وحيد تماماً ومحاط بالأطماع من كل اتجاه ولا يستطيع التعبير عن ذلك، الأمور تبدو هادئة ومحسومة لكن مشاعر العنف تظل كامنة تحت السطح، وما لا يتم التعبير عنه يتطور إلى حالة من العصاب.

إنَّ نتائج هذا العصاب متضمنة في محتواه، شعور بالوحدة والغرابة والخوف من الجانبين ينتج عنه رغبة أصيلة في الانتماء لقبيلة، والقبيلة هنا ليست إلَّا الطبقة الاجتماعية، هنا نبدأ في مدِّ خطوط العمارة الماركسية في هذا الاتجاه، أي ما لم يقله ماركس لكنه أسَّس لما يؤدِّي إليه.

تجري عمليات الوصم المتبادل من كلا الجانبين، فتتحوَّل الطبقة العاملة من منظور الرأسمالي إلى عدد هائل من الكسالى والحمقى ومعدومي المواهب لا يمكن دفعهم للعمل إلَّا بممارسة القهر، في أشدِّ تجلِّيات هذه الضلالات العقلية يتحوَّل الكسالى والحمقى إلى همج والهمج إلى أشباه بشر، ما يفعله التعصُّب الطبقي عبر مراكمة الانحيازات غير الموضوعية هو أنه يجعل من طبقة كاملة في الشعور الجمعي لدى طبقة أخرى كمجموعة من المسوخ، لا يثيرون شعوراً بالتعاطف بقدر ما يثيرون طائفة مشاعر أخرى تتعلَّق بالكائنات الممسوخة كالشفقة والقرف والخوف والعدائية والاستهانة، يبقى البشر في المركز وأشباه البشر في الهامش. وإنٌَ استعارة فرانز كافكا المجازية تبدو في محلها من هذا الباب، فالسيد سمسا يتحوَّل إلى مسخ حقيقي لا لشيء سوى أنه يتبنَّى منظور الطبقة الأخرى عنه باعتباره مسخاً حقيقياً.

لكن علينا أن نلاحظ أنَّ الوصم الطبقي لا يجري في اتجاه واحد، فالطبقة العاملة هي الأخرى لديها آلياتها النفسية القادرة عن التنفيس عن مكبوتاتها في هيئة عصاب مقابل، فهي تتأمَّل أبناء  الطبقات العليا كجماعات من  الشهوانيين منحلي الأخلاق أصحاب منظومة أخلاقية وجنسية فاسدة، وتتأمل فنونهم وطريقتهم في الحديث والتصرف كتهافت تام وخلو صرف من المعنى.

ولكي يكتمل تعقيد هذا العصاب، فإنه يبلغ ذروته في هذا الاتجاه باحتقار تام، ويبلغ ذروته في الاتجاه المقابل بإعجاب مبالغ فيه، العامل باعتباره نموذجاً لعصاب الضحية، وهو يتأرجح بين الكراهية التامة والإعجاب الشديد بشخصية الجلاد، من ذروة الأعجاب تبدأ الكراهية، ومن ذروة الكراهية يبدأ الإعجاب، نحن إذاً أمام حالة من اجتماع المتناقضات، يؤدي كلٌ منهما إلى الآخر في المركب المنطقي ذاته*، وهكذا تتخذ صيرورة العصاب لدى الطبقة العاملة شكلها وحركتها للأمام.

لكن عصاباً في الاتجاه المقابل ليس أقل تعقيداً، حيث ذروة مشاعر الخوف التي تكنها الطبقات العليا من الطبقات الدنيا هي نفسها بداية الشعور باللذة في ممارسة القهر، وممارسة المزيد من القهر هو بداية لتولد شعور أكبر بالخوف من ذلك الآخر الذي تتم ممارسة القهر ضده، وهلم جرَّ.

إنَّ استعارة ساد ومازوخ القادمة من عالم الجنس تحتل ساحة الصراع الطبقي كعصابين متقابلين يكتمل كلٌ منهما بوجود الآخر، ليس هذا فحسب، فإذا كنا نتحدَّث عن التعصب الطبقي فإننا نتحدَّث عن عصابين متقابلين يحمل كل منهما طبيعة مزدوجة، أحدهما مركب من الكراهية والإعجاب، والآخر مركب من الخوف واللذة، التعصُّب الطبقي هو أفيون الطبقات الاجتماعية، حيث يدفعها إلى مزيد من الاستهلاك بغية التأكيد وإعادة التأكيد على الانتماء لطبقة بعينها، وإلى مزيد من ممارسة القهر على هيئة سلم السلطة، تبدأ بالسطح وتنتهي بآخر عتبة في سلم القهر، وتتجلى في هيئة احتقار متبادل وعزلة تامة وتقهقر جماعي للخلف، وعنف مكبوت يتجلى في كل شيء بدءً بالأسرة مروراً بمجالات العمل وصولاً لدائرة التحالفات والصداقات.

 

إنَّ عصاباً مزدوجاً على الجانبين نستطيع أن نسميه بالتعصُّب الطبقي ينتج عنه عدد من العبارات والممارسات العصبية التي تجري في المجال العام على نحو يومي ومتراكم، تبدأ بالحسد والاحتقار وتنتهي بمفاهيم عن عقلية الخاصة وعقلية العامة وتتطوَّر إلى إجراءات على أرض الواقع تتعلق بالبشر الضروريين والبشر الزائدين عن الحاجة، وقد رأينا في الألفية الثالثة بعد الميلاد كيف تنشأ هذه الأطروحات وكيف تتضخَّم من وقت لآخر مع تراكم الصراع الطبقي تحت غلاف كثيف من الإنكار إلى أفكار أشد سوداوية ومأساوية تصل إلى دعاوى إبادة بدعوى الحصول على قبيلة جديدة من البشر الفائقين في مستهَّل القرن العشرين وبحجة التضخُّم السكاني في مستهل القرن الجديد.

إنَّ قرناً جديداً يبدأ بمرحلة جديدة من الصراع تهدف لتراكم الثروة في جانب واحد، أكثر من أي وقتٍ مضى، تعززها وتبررها مقولات شائعة قادمة من حقل التعصب الطبقي، لكن التعصُّب الطبقي وإن كان يقدِّم نفسه كأحد أكثر الضلالات العقلية تأثيراً في هذه الحلبة،  لكنه ليس إلَّا نتيجة مباشرة للشروط المادية التي أنتجت الصراع كله.

وقد حاربت الليبرالية لنبذ أنواع مختلفة من التعصُّب، وهو أمر محمود بالطبع، لكنها أهملت الجانب الأكثر جوهرية من كل أطياف التعصُّب، حيث تتجلَّى كل العصبيات الدينية والعرقية والجنسية في باب الطبقة، وعلينا ألَّا ننسى أنَّ دفاعاً أعمى عن غلبة دين أو عرق أو سلالة أو اتجاه أيدولوجي ليست في فحواها إلا تمسُّكاً بالدفاع عن الطبقة السائدة في هذه أو تلك، أو رغبة من دين أو سلالة أو أيدولوجيا في التسيُّد اجتماعياً والحلول في الفراغ الذي تملأه الطبقة العليا.

إنَّ التعصب الطبقي هو الجذر الثقافي لكافة أشكال التعصُّب الأخرى، ويطرح المنطق الجدلي هنا حلاً حاسماً للتعصبات البشرية بالتنبيه إلى جذر المشكلة، أما في الليبرالية فأننا ننتهي إلى لي عنق اللغة عبر الصوابية السياسية، وهم لازالوا يصدقون، ولا أحد يعلم كيف أتتهم هذه القدرة على التصديق،  أن تحريم اللغة سيؤدي ذات يوم إلى تعديل السلوك.


** مركب من طبيعتين مختلفتين يدخلان في حالة حركة، حيث  يؤدي كل منهما إلى الآخر  في كل مرة، صيرورة بالتعبير الهيجلي.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يونان سعد

اترك تعليقا