من أوشفيتز إلى غزة: الإنسان يبحث عن المعنى

نشر الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل عام 1946 النسخة الألمانية الأولى من كتابه صغير الحجم، عظيم الأثر، حمل عنوان “الإنسان يبحث عن المعنى” (Man’s Search for Meaning)، فجاء شهادةً حيّةً ونظريةً فكريةً في آنٍ واحد؛ شهادةً على ما عاشه مؤلفه من أهوال معسكرات الاعتقال النازية، ونظريةً نفسيةً فلسفيةً تعيد طرح السؤال الجوهري الذي يواجه الإنسان حين تتكاثر عليه المحن: لماذا يستمر في الحياة؟ وما الذي يجعل الوجود جديرًا بالمقاومة؟
لم يكن فرانكل، حين أُدخل إلى معسكر أوشفيتز، باحثًا يراقب المأساة من بعيد، بل كان سجينًا يتقاسم مع الآخرين الجوع والقهر والإذلال اليومي، وفي الوقت نفسه طبيبًا نفسيًا يراقب كيف يختلف الناس في قدرتهم على الاحتمال؛ لا بحسب قوتهم الجسدية وحدها، بل بحسب ما يحملونه في أعماقهم من غايات وأسباب. وقد لخّص ذلك في العبارة الشهيرة المنسوبة إلى نيتشه: “من كان لديه سبب يعيش من أجله، استطاع أن يتحمل أيّ كيف.” ولم تكن هذه العبارة ترفًا فلسفيًا، بل خلاصةً لما رآه فرانكل في أقسى التجارب الإنسانية.
ما وراء اللذة والقوة وتحقيق الذات
حين نتأمل تاريخ علم النفس في تفسير دوافع الإنسان، نجد ثلاث رؤى كبرى هيمنت على هذا الحقل المعرفي طويلًا:
- فرويد رأى أن الإنسان مدفوع بالسعي إلى اللذة وتجنب الألم.
- أدلر رأى أن المحرك الأساسي هو طلب القوة والتفوق.
- ماسلو صاغ هرمه الشهير الذي تنتهي قمته إلى تحقيق الذات.
غير أن فرانكل رأى في هذه التصورات قصورًا جوهريًا؛ إذ إنها جميعًا تبدأ من الذات وتنتهي إليها، ولا تجيب عن السؤال الأصعب: لماذا يواصل الإنسان المعاناة حين لا لذة تُرجى، ولا قوة تُنال، ولا نجاح يُنتظر؟
هنا يقدّم فرانكل تصوره المختلف الذي سمّاه “الإرادة إلى المعنى”؛ فالدافع الأعمق في الإنسان ليس اللذة، ولا السيطرة، ولا حتى الإنجاز الشخصي، بل الحاجة إلى أن يكون لوجوده مغزى. والمعنى عنده ليس وهمًا يُخترع للتخفيف من الألم، بل حقيقة يمكن اكتشافها في العالم: في العمل، وفي الحب، وفي المسؤولية، وحتى في الكيفية التي يواجه بها الإنسان مصيبةً لا يستطيع ردّها.
إعلان
اللوغوثيرابيا: العلاج بالمعنى
بنى فرانكل على هذه الفكرة مدرسةً علاجيةً سماها اللوغوثيرابيا (Logotherapy)، أي العلاج بالمعنى، وهي أبرز إسهاماته الفكرية. وبذلك انتقل الكتاب من مجرد سيرة شخصية مؤثرة إلى نظرية علاجية قابلة للتطبيق.
وترتكز هذه المدرسة على أن الفراغ الوجودي، أي شعور الإنسان بأن حياته بلا مغزى، هو أحد الأسباب العميقة لكثير من الاضطرابات النفسية الحديثة، مثل الاكتئاب والقلق والإدمان. وقد لاحظ فرانكل أن بعض مرضاه لم يكونوا أسرى صراعات مكبوتة أو دوافع غريزية مضطربة، بل أسرى شعور جارح بأن حياتهم لا تشير إلى شيء يستحق الاستمرار.
وحدّد فرانكل ثلاثة طرق رئيسية لاكتشاف المعنى:
- القيم الإبداعية: ما يقدمه الإنسان للحياة من عمل أو إنجاز أو أثر.
- القيم الخبرية: ما يتلقاه من جمال ومحبة وخبرة إنسانية عميقة.
- القيم الموقفية: الموقف الذي يتخذه تجاه معاناة لا يستطيع تغييرها.
وهذا الطريق الثالث هو الأعمق والأشد تأثيرًا؛ إذ يرى فرانكل أن الإنسان يستطيع أن يجد معنىً حتى في الألم نفسه، إذا امتلك حرية اختيار موقفه منه.
حين ينهض المعنى من بين الأنقاض: غزة مثالًا
هذا الفراغ الوجودي الذي حذر منه فرانكل، يجد نقيضه تماماً في أكثر بقع الأرض تعرضاً للاختبار الوجودي اليوم؛ ففي الحرب الأخيرة على غزة، تكررت مشاهد لآباءٍ وأمهاتٍ وناجين يقفون أمام فقدٍ يفوق الاحتمال، يودّعون أبناءهم وأحبّتهم بكلمات صبرٍ وإيمان، أو بنظرات ساكنة تحمل من التماسك أكثر مما تحتمل النفوس. ولم تكن تلك اللحظات إنكارًا للفاجعة، ولا تهوينًا من هولها، بل كانت محاولةً إنسانيةً نادرة لانتزاع معنى من قلب ما يبدو خاليًا من كل معنى.
هؤلاء لم يلغوا الألم، ولم ينتصروا على الموت، لكنهم رفضوا أن يتحول الخراب الخارجي إلى انهيار داخلي. حوّلوا الفقد إلى صبر، والصدمة إلى ثبات، والانكسار إلى موقف. وهذا هو جوهر ما أراد فرانكل قوله: إن الإنسان قد يُسلب أشياء كثيرة، لكنه يبقى مالكًا لحريته الأخيرة؛ حرية أن يختار كيف يواجه ما لا يستطيع دفعه.
ويمكن فهم هذه المشاهد في إطار ما سمّاه فرانكل بالقيم الموقفية؛ فالإنسان قد يعجز عن تغيير الحدث نفسه، لكنه لا يُسلب بالضرورة قدرته على تحديد كيفية الاستجابة له. وهنا يتحول الصبر إلى معنى، والثبات إلى قيمة، والتشبث بالكرامة إلى صورة من صور الحرية الداخلية التي رأى فرانكل أنها آخر ما يبقى للإنسان حين يفقد كثيرًا مما حوله.
التسامي بالذات: تجاوز الأنا
يفرّق فرانكل بين تحقيق الذات والتسامي بالذات تفريقًا دقيقًا. فتحقيق الذات قد يظل متمركزًا حول الأنا، ساعيًا إلى إرضائها وإبرازها. أما التسامي بالذات، فيعني أن يتجاوز الإنسان نفسه متجهًا نحو شيء أكبر منه: قضية يؤمن بها، أو إنسان يحبّه، أو حقيقة يسعى إليها.
والمفارقة التي يشير إليها فرانكل أن السعادة لا تُنال غالبًا حين تُطلب مباشرة، بل تأتي عرضًا لمن ينشغل بمعنى أسمى من ذاته. فمن يطارد السعادة لذاتها كثيرًا ما تفلت منه، أما من يهب نفسه لرسالة أو حب أو عمل ذي قيمة، فكثيرًا ما يجدها دون أن يسعى إليها.
فرانكل والوجودية: اكتشاف المعنى لا اختراعه
يقترب فرانكل من الفلسفة الوجودية في اهتمامه بحرية الإنسان ومسؤوليته، لكنه يفارقها في نقطة مركزية.
فبينما رأى جان بول سارتر أن الإنسان يصنع معناه بنفسه في عالم خالٍ من المعنى المسبق، رأى فرانكل أن المعنى موجود في الحياة ذاتها، ينتظر من يكتشفه. فالإنسان عنده لا يخلق المعنى من العدم، بل يستجيب لنداءٍ كامن في الواقع.
وهنا يظهر الفارق بين وجودية يغلب عليها القلق والعبث، ووجودية أكثر رجاءً ومسؤوليةً كما يقدمها فرانكل.
بين المسؤولية الفردية والمصير الجمعي
ومع ذلك، يظل في فكر فرانكل بُعدٌ مهم يحتاج إلى استحضار، وهو أن “البحث عن المعنى” ليس مجرد استجابة داخلية للألم، بل هو أيضًا نداء نحو الفعل والمسؤولية. فالمعنى عند فرانكل لا ينفصل عن فكرة المسؤولية؛ إذ تبدو الحياة وكأنها التي تُوجّه سؤالها إلى الإنسان، وتطالبه بأن يجيب بالفعل لا بالتأمل وحده.
ومن هذا المنظور، لا يُفهم المعنى بوصفه خلاصًا فرديًا معزولًا، بل بوصفه قدرة على إعادة تنظيم موقع الإنسان داخل التجربة القاسية بما يمنع اختزاله إلى مجرد متلقٍ للمعاناة. وفي سياقات الصراع الإنساني الممتد، كما في حالة غزة، يظهر هذا المعنى بصورة أوضح، حيث لا يقتصر على التكيف مع الألم، بل يتجاوزه إلى الحفاظ على معنى الوجود ذاته داخل شروط قاسية ويتخذ الإنسان موقفًا فعلياً بالمقاومة والتشبث بأرضه ورفضه لكل أشكال التهجير.
وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار اللوغوثيرابيا: أن اكتشاف المعنى يمنح الإنسان قدرة على مقاومة تحويله إلى “شيء” أو رقم أو حالة إحصائية، ويعيد إليه كونه كائنًا مسؤولًا وفاعلًا. وبهذا المعنى، لا يصبح المعنى مجرد وسيلة للتعايش مع المعاناة، بل شكلًا من أشكال استعادة الكرامة داخلها، حيث تتحول التجربة القاسية إلى مساحة لإثبات الحضور الإنساني، لا إلى حدث يطمس هذا الحضور.
خاتمة: الإنسان لا يُختزل في ألمه
يبقى “الإنسان يبحث عن المعنى” من أكثر الكتب قدرةً على أن يبدّل زاوية النظر التي يرى الإنسان منها ألمه، لأنه لا يتعامل مع المعاناة بوصفها نهاية الطريق، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا عن الكيفية التي سنواجهها بها.
فالكتاب لا يعد بزوال الألم، ولا يقدّم تفسيرًا سهلًا يطفئ قسوته، وإنما يطرح حقيقةً أعمق: أن الإنسان يظل قادرًا، حتى في أشد اللحظات ظلمةً، على اختيار موقفه مما يمرّ به. وفي هذه الحرية الباقية، وفي هذا الاختيار الأخير، تكمن كرامة لا تُنتزع.
ومن هنا ظل هذا الكتاب حيًّا في أذهان قرّائه، لأنه لا يمنحهم أجوبة جاهزة، بل يعيد إليهم ذلك السؤال الذي لا يفارق وجدان البشر: لأيّ شيء نعيش؟
إعلان
