المرأة والحجاب: تحديات بنية المجتمع المصري وطبقاته الاجتماعية في تشكيل واقع النساء

إنّ أي نظام اجتماعي يفرضُ نوعًا من الاستقرار في كيفية تمثيل الناس لأنفسهم في الفضاء الاجتماعي، وعند النظر لسياق بنية مجتمع ذو انتقالٍ محجوز أو معلّق من بنيةٍ إقطاعيةٍ إلى تكوين بنيوي رأسمالي، يتواجد صراعٌ بين ما كان مستقِرًا في كيفية تمثيل الناس لأنفسهم وما بين التحوّل الاجتماعي لبنيةٍ مجتمعيةٍ جديدةٍ مُصاحبة معها تغيراتٍ بنيويّة في جميع مستوياتها التكوينية الاقتصادية والسياسية والقانونية والأيديولوجية. ومنها يستحضر لأفراده تمثيلًا جديدًا يتناسب مع التحولات الطارئة لواقعهم الاجتماعي.

ممّا لا شكّ فيه، عند تحليل أي جماعة اجتماعية، تؤخَذُ أبعادٌ عديدة لتحليل أوضاعهم، منها تأثير العلاقات الطبقيّة في تشكيل العلاقة بين أفرادها، وتشابكها مع البنية الاجتماعية داخل سياق تاريخيّ معين، وتعقيدات وتشابك المستويات التكوينيّة للبنية المجتمعية مع طبقاتها المُكوِّنة لها. فعند تحليل أوضاع النساء داخل سياقٍ مجتمعيٍ معين، لا بد من مراعاة تأثير الطبقة في تشكيل العلاقة بين الجنسين، وكذلك التمييز القائم على نظام الجنس/النوع العابر لمختلف الطبقات، وتأثير البنية المجتمعية ككلّ في تشكيل وتكوين الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها. كِلا جانِبَي التحليل البنيوي والطبقي وصراعهم يشكّلون مركزية لتحليل أوضاع النساء في أي مجتمع، ومنها هذه المحاولة لتحليلنا في هذا المقال المُطوَّل لمعرفة مصادر تشكيل الإجحاف الاجتماعي ضد النساء، والذي يجعلنا نقِفُ أمامَ واقعٍ أكثر التباسًا؛ فهناك تحديات تواجه النساء من حيث وضعها الطبقي تختلف من طبقةٍ لأخرى، والتمييز القائم على الجنس/النوع العابر للطبقات، وتشابك البنية الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد، وتعقيدات مستوياتها التكوينيّة الاقتصادية والسياسية والقانونية والأيديولوجية. إنّ عدم إدراك تداخُلات تشابك البنية المجتمعية ككلّ، والقوى المتصارعة بداخلها من طبقاتٍ مهيمِنة وخاضعة، وتأثيرها على تشكيل أنماط حياة وسلوكيات وأفكار وعادات وتقاليد أفرادها -يجعل تناول قضايا النساء له شكل ضبابيّ وغير محدد، وبالتالي لا يمكن فهم تلك القضايا أو تناولها؛ وذلك بسبب تداخل واقع النساء مع واقع الرجال المكوِّنين كأفرادٍ لأيِّ بنية مجتمع بشكلٍ أساسيٍ وليس بصفة عارضة، حيث أنه ليس هناك مجتمع تقوم له قائمة دون هذا التشابك المُعقّد في تفاصيله على نحوٍ موضوعي.

إشكاليّات بنية المجتمع المصري تاريخيًا

الصراعات الأيديولوجيّة مرآةٌ عاكسة لصراعاتِ انتقالاتٍ بنيوية تحدث داخل نسق مجتمعي، لتحوّل من بنيةٍ قديمة إلى بنيةٍ حديثة، تستتبع معها تحوُّلاتٍ في الأفكار والعادات والتقاليد، وتخلق منظومةً قِيَميّة لتنظم العلاقة بين أفراد المجتمع؛ حتى تناسب التحوُّلات البنيوية الجديدة. مع التحوُّلاتِ الرأسمالية الصناعية في البلدان المتقدّمة. فُتِحت الأبوابُ لعالمٍ جديدٍ للنساء للخروج من حيزهنّ الخاص (البيت-الأسرة)؛ وذلك لبيع قوة عملهنّ مقابل أجور رخيصة، بحكم انتمائهنّ في الأغلب للعمالة غير ماهرة، وبعد ذلك تطوّرت شريحة ذوي الياقات البيضاء من المهنيين، تنتمي إلى الفئات الوسيطة (البرجوازية الصغيرة)، والتي تكون شريحة الطبقية للحركاتِ النسوية، ومن ثم كان تأثيرُ الاستقلال الاقتصادي أرضيةً لحركاتِ دفاع عن حقوق المرأة. هذه التحوُّلات البنيوية الرأسمالية بالرغم من مساوىء الاستغلال للطبقة العاملة (نساء ورجالًا)، إلا أنها كانت أرضيّة جديدة تطلّبت تكوين شخصية جديدة للمرأة، وتعتبر من أهم القضايا في نظام المجتمعي أخلاقيًّا وقانونيًا وسياسيًا واقتصاديًا. لكي نستطيع فهم مصادر الإجحاف الاجتماعي في مجتمعنا، ولماذا نظرة مجتمعٍ تجاه النساء مثلًا تختلف عن مجتمعٍ آخر، لا بد أن نستوضح التطورات البنيوية والمعوِّقات التي وقفت أمام هذه التحولات، والتي خلقت تناقضاتٍ بين واقع النسق الأيديولوجي (أفكار، عادات، تقاليد، دين، قيم) وواقعها المادي السياسي الاقتصادي للحياة الاجتماعيّة المُعاشة.

التحولات البنيوية داخل المجتمع المصري تاريخيًا

الطورُ الأول:

عرفت مصر أثناء السيطرة الإمبريالية البريطانية تحولاتٍ رأسمالية ونمو في السوق الداخلية، لكن جميع هذه النشاطات الاقتصادية كانت منظّمة تُقوّي التبعية العامة، وذلك ببقاء هذه النشاطات محصورة في قطاعات غير صناعية خاضعة لرأس المال الأجنبي، أمّا الطبقة المحلية المهيمنة كانت من الملّاكين العقاريين الكبار، وكانت علاقات الإنتاج التي تسيطر عليها هذه الطبقة هي علاقات انتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، وعلاقات الإنتاج الإقطاعية تتضمّن دونية الفلاحين القانونية وتبعيتهم الشخصية للملاكين الكبار، وتتضمن أشكالًا من العمل الإجباري لصالح هؤلاء.

مع تدهور شكل العلاقات ذات الطابع الإقطاعي، كان التحوّلُ إلى تكوينٍ رأسماليٍّ صناعي متأخرًا ومحجوزًا ومحصورًا في شكل إنتاجٍ بضائعيٍّ سِلَعي، وبالتالي فأمام كبار الملّاك في طريقهم للتحوّل إلى رأسماليين جماهير عريضة من الفلاحين، جماهير مُعدِمة، في طريقها للتحول إلى بروليتاريا رثة، وأيدٍ عاملة غير ماهرة، غير مستقرة، ومؤقّتة. كانت تلك البرجوازية الناشئة تحاول في سياق مراكمة ثرواتها أن تحافِظَ على حالة الإنتاج الفردية المتخلفة، وفي المقابل توفّر لهم أيدٍ عاملة رخيصة، وتحافظ على الانقسام والجهل والبؤس لديهم. إنّ الاعتمادَ على أيدٍ عاملة مُعْدِمة وغير منتظمة بصفته عاملًا حاسمًا في الإنتاجِ عِوضًا عن وسائل الإنتاج التقنية (الآلة)، لم يؤدِ إلى توظيفاتٍ أكثر إنتاجية، ولم يؤدِ إلى إعادة إنتاجٍ رأسماليّ، لكنّه محصورٌ في إعادة إنتاج امتيازات الملّاكين الكبار الذين ينتمون إلى البنية الإقطاعية. أدّى هذا الوضع ليس فقط إلى حجزٍ وجمودٍ للتحوّل إلى قوى إنتاج صناعية رأسمالية، بل أيضًا إلى جمود البنى الفوقية الأيديولوجية والسياسية والقانونية في المجتمع، وخاصةً الريف. هذه العلاقات الّتي تمثّل انتقالًا من الإقطاع إلى تكوينٍ رأسماليّ تتصف بالشلل في الريف وتقتصر في المدينة.

إعلان

حدث تأزُّم لجميع طبقات المجتمع الأخرى، وللطبقة المسيطِرة نفسها في النهاية، تمثَّل هذا التأزُّم في أن أغلب جماهير الفلاحين العريضة من صغار الفلاحين، والتي تشكِّل الشريحةَ الأكبر من السكان، خرجت من علاقاتٍ إقطاعيّة، لكنّها لم تجِد في الريف ولا في المدينة طبقةً رأسماليّة قوية وقادرة على استخدام قوة عملها، وبالتالي اضطرّت إلى الهجرة من الريف إلى المدينة كجمهورٍ مُعدِمٍ ومجرّد من رأس المال ووسيلة العمل. بالرغم من ذلك، فإنّهم لم يُنتَزعوا جذريًا وأيديولوجيًا وسياسيًا من محيط كبار المُلّاك، ولَم تتحرّرْ جذريًا من منظومة القيم الإقطاعية. إنّ علاقاتِ الإنتاج الرأسمالية لم تتبلور بعد في الريف؛ حيث واصل كبار المُلّاك استخدام الوسائل الأيديولوجية (الدين) والسياسية لإجبار جماهير الفلاحين العريضة لغرض القيام بنمطٍ من العمل أشبه بنظام “قنانة”، وتحقيق استغلال أكبر بأجورٍ أقل.

الطورُ الثاني:

هذا الطور من النمو الرأسمالي يتّسم بتدخلٍ كثيفٍ للدولة، ونشوء رأسماليّة دولة جاءت حلًا لتناقضٍ مستعصٍ وعجزِ آليات التراكم في توفير شروط للانتقال الرأسمالي. يتولّى هذا المشروعُ التحديثيّ عبر الدولة إنجازَ ما عجزت عنه البرجوازية الوطنية. هذا الطورُ أيضًا من شَهد انبعاث الحركات السياسية الدينية؛ حيث أنّ أثناء تحطيم العلاقات الإقطاعية المتحجّرة التي لم تمر دون مقاومة، غالبًا ما تتخذُ شكل معارضة دينية سلفية، وهذا شأن الإصلاحات الزراعية (مصر٥٢).

في كتابه “بنية الوعي الديني والتطوُّر الرأسمالي” وضّح فالح عبد الجبار الخلفياتِ الطبقية للحركات الدينية السياسية (الانبعاث الديني) في المجتمعاتِ العربيّة من كبار الملّاك والمنتج الصغير (الريف)، والذين كانوا يمثلون الصراعَ البنيوي الإقطاعي ضد التحديثات البنيوية الرأسمالية ضد مصالحهم المادية، فنمو الحركات الدينية كان في عمومه احتجاجَ المنتج الصغير على التناقضات الاجتماعية السياسيّة وعلى رأسماليّة الدولة التابعة في طور تأزُّمها. إن تلك الظروف قد شهدت حركات ما يسمى بـ”الصحوة الإسلاميّة” في فترة السبعينيّات، وهي ذاتها الفترة الّتي اتّسمت بتسارعِ التطوُّر الرأسماليّ، ونشوء رأسمالية الدولة التي تعبِّر عن حاجةٍ موضوعيةٍ للانتقال من إنتاجٍ مجزّأ ومبعثر إلى الإنتاج الكبير، حيث يكون ذلك على حساب جثّة المنتج الصغير. هذا المنتِجُ الصغير ذو وعي محدود ومجزأ، وإنتاجه خاضع لتقلباتِ قوى خفية وقوانين السوق الرأسمالي، والتي لا سيطرة له عليها، فحنينه للماضي ولملكيّته الصغيرة، وعجزه عن حلِّ التناقضات القائمة، يقوده للبحث عن ملاذٍ أو منقذٍ أو محاولة الانزواء في غيبيّات الوعي الديني؛ وذلك ليُشهِرَ سلاحَه عندما لا يوجد حراك اجتماعي بقيادة العُمّال أو برجوازية وطنيّة تقدِّم له أدوات سياسية كفاحيّة. فعوامل دفع المنتج الصغير للّجوء إلى اللاهوت كسلاحٍ دفاعيٍّ هو بقاء استمرار الوعي الديني بشكله السلفي الإقطاعي؛ وذلك نتيجة استمرار بقايا العلاقات الإقطاعية، ووجود سند له في المؤسّسة الدينيّة التقليدية، ثانيًا الأساس المادي للمنتج الصغير في البيئة الريفية، ثالثًا البرجوازيّة الوطنية الضعيفة الّتي لم تقم بأيّ مسعى جديّ للعلمنة، وظلّت أيديولوجيّتها تحملُ ملامحًا دينيّة، وهذه الازدواجية الفكريّة ترجع إلى الدور التاريخيّ الذي لعبه التجديد الديني عند أوّل نشوءٍ لهذه البرجوازيّة من جهة، وخوفها من خطرِ صعود الطبقة العاملة، وحاجتها لإضعافه بسلاحِ الدين، وبالتالي عند تحوُّل البرجوازيّة الوطنيّة إلى برجوازيةِ دولة قادها وضعها المُتأزّم إلى أن تمُدَّ يدَها للمؤسّساتِ الدينيّة والمشجعة على انبعاث كل أشكال التيارات الدينية (السادات)، والطبقة العاملة الضعيفة غير المنظمة؛ ممّا ساهم في خلق فراغ تاريخي مؤقتًا.

جملة هذه العوامل كان مناخ فكري موائم للانبعاث الديني وحركاته السياسية، والذي يضرب بجذوره في التناقضات الملازمة للشكل الخاص الذي تطوَّرت به رأسمالية بلداننا، ومنها خلق واقع من الازدواجية الاجتماعية الاقتصادية، وازدواجية الحديث التقليدي. إنّ واقعَ النساء من أكبر المرايا العاكسة لهذه الازدواجية البنيوية في مجتمعاتنا العربية عمومًا ومصر بشكلٍ خاص؛ حيث أنّ هذه الازدواجية هي عملية من التفاعل المستمرّ بين بِنيَتيْن، وليست حالة سكونيّة يتعايش فيها كيانان منفصلان انفصالًا مطلقًا بدون احتكاك، وواقعُ النساءِ خيرُ دليلٍ على ذلك، وسنوضِّح ذلك في الفقرات التالية، كيف أن هذه التأزُّمات البنيوية في التاريخ الحديث لمجتمعاتِنا أثّرت على تشكيل واقع النساء ومصادر الإجحاف الاجتماعيّ ضدهم.

إشكالية الأيديولوجيا والتحوُّل البنيوي

تعتبر الأيديولوجيا أحد المستويات الموضوعية النوعية في بنية التكوين الاجتماعيّ، والتي تتكوّن من مستوياتٍ موضوعيّة تُشكِّل البنية الاقتصادية والسياسية والقانونية والأيديولوجيّة، هذه المستويات تأخذ تطوراتٍ تجعلها غير متساوية ومتعارضة فيما بينها، مثل المستوى الاقتصادي (الرأسمالي) ومستوى أيديولوجي (الدين) ينتمي لبنيةٍ أخرى (الإقطاعية).

الأيديولوجيا تتكوّن من مجموعةٍ متّسقة نسبيًا من التصورات والقيم والمعتقدات، شأنها في ذلك شأن البشر، تُشارك في النشاط الاقتصادي السياسي، كما تساهم في الأنشطة الدينية والأخلاقية والفلسفية والجمالية، ومنها تتعلق الأيديولوجيا بعالمٍ من وعي البشر بعلاقاتهم بالطبيعة والمجتمع وبغيرهم من البشر وبنشاطهم، بما في ذلك نشاطهم الاقتصادي والسياسي وتعاملاتهم اليوميّة، حيث من الصعب التمييز بينها وبين التجربة المعاشة؛ بحكم أنّها ماثلة في كافة الأنشطة ومتغلغلة فيها، وهكذا تصوغ الأيديولوجيّات علاقة البشر الحقيقية، بل وعلاقتهم الوهميّة أيضًا، بشروطِ حياتهم، وتصنع عالمًا متّسقًا إلى حدٍ مّا. ترجع أهمية المستوى الأيديولوجي إلى أنه يعكس الطريقة التي تعي بها عناصر التكوين الاجتماعي الحاملة لأبنيته، مثالُ على ذلك، عند الانتقال من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي للدولة، فإنّها تتميّز بالتعايش المعقد بين أساليب الإنتاج المختلفة، حيث نجد أفرادًا ينتمون للتكوين الاجتماعي الإقطاعي يهيمنون على مستوى مثل المستوى الأيديولوجي، مقابل أفراد ينتمون للتكوين الاجتماعي الرأسمالي يهيمنون على المستوى السياسي والاقتصادي. وهذه سمة تتميز بها الدولة الاحتكارية، وهي دولةٌ من النمط الرأسماليّ، ولكنّها تحمل سماتِ كثير من ملامح الدولة الإقطاعية، وبالتالي عدم رسوخ سيطرة أسلوب الإنتاج الرأسماليّ التي ينتج عنها عدم التطابق بين المستوى السياسي القانوني والمستوى الاقتصادي.

الأيديولوجيا والصراع الطبقي

بسبب أهم وظيفة للدّولة (وهي الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضمان سير عمل البنية الاجتماعية ككُلّ)، والتي تكونُ لصالح الطبقات المُهيمِنة، لكن برغم ذلك، فإنّها في وقت الصراع السياسي والاقتصادي للطبقاتِ الخاضعة، تفرضُ على الدولةِ ضمانَ تحقيق بعض مصالحها، وبالتالي يعدّ الصراع الطبقي محرّك أساسيّ لأي تطوراتٍ إصلاحية اقتصادية سياسية قانونية، وذلك لصالح الطبقات الخاضعة، حسب إمكانية الحدود التي يفرضها نضالُها. فالأيديولوجيا السائدة ليست انعكاسًا لشروطِ حياة الطبقة السائدة -باعتبارها فاعلًا وحسب- ولكنها انعكاسٌ للعلاقة السياسية الملموسة القائمة بين الطبقات السائدة والخاضعة في تكوينٍ اجتماعيٍّ معين، فهي غالبًا ما تكون مُشبعة بعناصر ترتبط بأسلوب حياة طبقات خاضعة تنتمي لبنيةٍ أخرى (الإقطاع)، غير الطبقات المهيمنة التي تنتمي للتكوين الرأسماليّ (البرجوازية).

فعلاقة الأيديولوجيا السائدة بالطبقة المهيمنة مُقنّعة، تخفي عن نفسِها جوهرها الحقيقي، فتبدو أقرب إلى تصوُّر الطبقات الخاضعة مثل الأيديولوجيا الدينية. فمن السمات المميزة للأيديولوجيا البرجوازية المهيمنة أسلوبها الفريد في إخفاء الاستغلال الطبقي، حيث تستبعد من لغتها الخاصة أي أثر للسيطرة الطبقية، ومنها تمركُزها الأيديولوجي السياسي القانوني تجاه الأفراد، باعتبارهم أشخاص قانونيّة حرّة متساوية فيما بينها، ومنها كذلك نشأة الملكية الخاصة الرأسمالية كخطوةٍ هامّة لإمكان قيام علاقة الملكية كعلاقة قانونية، وأيضًا استخدام الحركات النسوية تاريخيًا هذا السلاح الأيديولوجي المرتبط بالتحوّل البنيوي لتكوين المجتمعي الرأسمالي، يعد ركيزة دفاعية لحركات دفاع عن حقوق المرأة. إنّ هذه التطورات الأيديولوجية المرتبطة بالتحولات البنيوية ككل، لم تحدث في المجتمعات العربية عامّةً بسبب انتقالها المأزوم، فمثلًا الأيديولوجيا الدينية الإقطاعية نجد أن الدور الطبقي ماثلًا في مبادئها، مثل الفوارق بين الفقراء والأغنياء، والفوارق بين الرجل والمرأة، وتعتبر تلك الفوارق مقدّسة وطبيعية، ففي التكوين الإقطاعي يلعب عادةً المستوى السياسي دورَ المهيمِن، بينما نلاحظ الغلبة على الصعيد الأيديولوجي تكون للأيديولوجيا الدينية وليست السياسية؛ وذلك بسبب أن الدين أقدر من غيره على إخفاء وظيفته الطبقية المباشرة في ذلك التكوين الاجتماعي، وكذلك الدولة الرأسمالية الاحتكارية كمثال على ذلك. إنّ عدم التطابق بين الأيديولوجيا السائدة والطبقات المهيمِنة سياسيًا يرجع إلى التطوُّر غير المتكافئ للأبنية الاجتماعية على اختلاف مستوياتها.

وظائف الأيديولوجيا

ليس من وظائف الأيديولوجيا تقديم معرفة حقيقية للعناصر الفاعلة في التكوين الاجتماعي عن بنية المجتمع والقوى الفاعلة بها، حيث أنّ هذه البنية تحكم الكلّ الاجتماعي، فتبقى خافية عن أفرادها، وغير مرئيّة على صعيد التجربة المعاشة في المجتمعات المُقسَّمة إلى طبقاتٍ يُحتّمها في نهاية المطاف الاستغلال الطبقي، وما يتخذه هذا الاستغلال من أشكال، مثل التمييز الجنسي العابر للطبقات تجاه النّساء، لكن تختلف درجة الاستغلال بحسب وضع المرأة من طبقةٍ لأخرى؛ وذلك حتّى يتمكّن أفراد المجتمعات المنتمية لطبقاتٍ مختلفة من استمراريّة أداء أدوارهم في الكلِّ المجتمعيّ، ومنها التقسيم الجنسي الذي يتداخل مع التقسيم الطبقي. عبر ماركس عن الأيديولوجيا بأنها العكس والقلب، حيث تضم بعض عناصر المعرفة عن تطابقها وعدم تطابقها في الوقتِ نفسه مع الواقع، فمن أساس وظيفتها إخفاء التناقضات الحقيقية، وإعادة بناء عالم خيالي مُتّسِق إلى حدٍ ما ليكون أفقًا لوعي الفاعلين، وصياغة تصوّراتهم للعلاقات الحقيقية، كما أنّ بها يتحقّق اندماجهم في وحدة علاقات ذلك التكوين الاجتماعي البنيويّ وتناقضات مستوياته. وواقع النساء من أهم الوقائع الموضوعية العاكسة على ما ذُكِر، خاصةً أهمية التوظيف الأيديولوجي لتشكيل وصياغة وقائعهم من ممارساتِ وتصوراتِ حياتهم المعاشة، وذلك لتحقيق اندماجهم الاجتماعي لصالح الهيمنة البطريركية، والمساهمة في تشكيل الإجحاف الاجتماعي ضدهم.

واقع المرأة والخطاب الديني

في كتاب “دوائر الخوف” لنصر حامد أبو زيد، يتحدّث الكاتبُ عن تراجعٍ أصاب المجتمع المصري بعد هزيمة ٦٧، وأن هذا التراجع كان عن خطواتٍ تحديثيّة تمهيدية لم تؤخَذ خطواتها الكاملة على أرض الواقع. ولخُطّاب النهضة (طهطاوي ومحمد عبده) محاولات لكيفيّة تحديث خطاب ديني يتناسب مع تطوراتِ مجتمعٍ آخذ في التطور ليتحول إلى خطاب أزمة، فيميل إلى حلول مجربة سلفًا، دون أن يدرك أن أزمته تكمن في تلك الحلول المُعبّأة المجهزة. إحدى آليات التزييف الأيديولوجي هي تناول قضيّة النساء على أنّها قضية دينية، وتناولها بشكلٍ ثانويّ على أنها قضيةٌ اجتماعية تضرب بصميمها في جذور شكل بنية التكوين الاجتماعي وأسلوب وعلاقات إنتاجه الاجتماعية، والتي تكشف لنا الحقائق والأسباب الحقيقيّة وراء الإجحاف الاجتماعي ضدهم، واستخدام القسر المعنوي والبدني ضد أي محاولة لخروج قضايا النساء من المنظور الديني، وتناوله بشكلٍ أوسع من المنظور الاجتماعي، ومن ثم الاحتكاك بواقع النساء ومصادر تشكيل الإجحاف ضدهم. وهذا دليل على بدائية هذا السلاح الأيديولوجي، حتى لا تكشف عوراته أمام أي نقاشٍ أو جدال، فيدل على مدى انفصال الواقع المجتمعي عن منظوره الأيديولوجي المُهيْمِن، سواء كانت أفكار أو معتقدات أو عادات وتقاليد تهيمن على واقع النساء، حيث فقد إحدى أهم آلياتها كأيديولوجيا، وهي إقناع الأفراد لضمان اندماجهم الاجتماعي.
هذا الجمود هو أحد ملامح جمود بنية المجتمع المصري، وجمود انتقاله من تكوين اجتماعي (الإقطاع) إلى بنيةِ تكوين اجتماعيّ (رأسمالي) لا زالت هيمنة أيدولوجيته الحاضرة ناتجة عن أن أغلب الشريحة السكّانية خارجة عن الاندماج في هذا التكوين الرأسمالي، وبالتالي لا زالت تهيمن عليها منظومة قيم البِنية السابقة التي كانوا ينتمون إليها، ومنها العجز عن فهم تطورات الواقع، والتحوُّلات الرأسمالية في مجتمعنا التي قطعت مع هذه الأدوار التقليدية التمييزية بين الجنسين، ممّا تتسم به البنية الإقطاعية. هذا التمايز الحادّ في الأدوار تغيَّر مع تحول بنية المجتمع الرأسمالي، ومنها خروج النساء لسوق العمل؛ ممّا كسر من الجمود التقسيمي بين الأدوار التقليدية التي تنتمي للبنية السابقة، حيث تحصرها في حيّزها الخاص المنزلي (الأسرة وتنشئة الأطفال).

 تشكيل الجسد البشري والإجحاف الاجتماعي

الجسدُ مُستقبِل للدلالات الاجتماعية ورمزٌ للمجتمع، فالجسد كناية عن المجتمع؛ حيث أن الجسدَ الاجتماعيّ يقيّد كيفية إدراك واختبار الجسد المادي، والمستوى الأيديولوجي يدعم إدراكات وخبرات رؤية بعينها في المجتمع تجاه أجساد أفراده، والتي يتم تهديدها في وقت الأزمات الاجتماعية عند احتدام الصراع الطبقي، وتتعرض لتهديد من قِبَل رؤى جديدة، وذلك لتنظيم الجسد المادي البشري، وتنظيم تفاعل بين أفرادها بما يتناسب مع مستجدات واقعهم الجديد. الجسد البيولوجي قاعدة تؤسَّس عليها هويات الأفراد، والإجحاف الاجتماعي، والهويات الجندرية الممزعة المتغيرة وغير الثابتة، والخصائص البيولوجية التي دأبنا على اعتبارها تميِّز بين الجنسين هي نفسها مُشكّلة اجتماعيًا. إن الدلالة الاجتماعية لأشكالٍ وأداءاتٍ جسدية بعينها للذكور والأناث تؤثّر كثيرًا في إدراك الفرد لنفسه ومشاعره بخصوص قيمته الداخلية، فالجسد هنا يقوم بالحفاظ على العلاقات الاجتماعية المُتعلِّقة بالهيمنة والخضوع بسبلٍ تنأى عن استعمال العنف المادي بشكلٍ مطلق، ومثال على ذلك نتلمّسه في أدق تفاصيل الحياة اليومية، حيث نستشعر من خلاله التمييز تجاه النساء، كالعنف اللفظي مثلًا.

الجسد ظاهرة مادية لا تتأثر بالأنظمة الاجتماعية فقط، بل يُعد قاعدة للعلاقات الاجتماعية ويُسهم كذلك في تشكيلها. فالجسد هنا يُعتَبَر غير مكتمل من الولادة ككيانٍ يتغيّر ويتطوّر عبر حياة الفرد. فالتصنيفات الاجتماعية تهب معانٍ جديدة كيفيًا للأجساد لا سبيل لتبريرها بالإشارة إلى مكوِّناتها البيولوجية، كما أنّ التصنيفات الاجتماعية تحدد أجساد البشر على أنها مختلفة، والممارسات الاجتماعية تُحدِث تأثيرًا عميقًا على الجسد، حيث أنّ الممارسات الاجتماعية لا تقوم بنفي الجسد بل بتجاوزه وتغييره، فتُغيّر الدلالة والشخصية أجسادَ الناس عبر تغييرها ماديًا، مثل تشكيل أجساد الرجال والنساء بطرقٍ تعزّزُ صورًا بعينها للأنوثة والذكورة. ففهم العقل الجمعي المجتمعي لأجساد أفراده يرتبطُ بشكلٍ وثيق بخبراتهم مع أجسادهم، فلا يقوم بالتمييز فقط بين أفراده، بل قدراتهم المشتركة على العمل الذي يرسِّخ هذا التمييز، ومثال على ذلك، الممارسات المادية، مثل ارتداء شكل معين من الملابس (الحجاب أو النقاب) للحفاظ على التعريفات الاجتماعية تجاه الذكورة والأنوثة؛ وذلك لترسيخ التمييز الجندري لأدوارهم الاجتماعية. فالتصنيفات الاجتماعية تركز على الجسد، وتنفي البيولوجيا التي تعد مركزيّة للتشكيل الأيديولوجي للفروق بين الرجال والنساء، وبالتالي إغفال أوجه الشبه بين أجسادهم، والتركيز على أوجه الاختلاف لصالح الذكور، واختلاف الفروق والمبالغة فيها، وتغيير دلالات الجوانب البيولوجية مثل: “الرجل أقوى جسمانيًا، وجسد المرأة ضعيف وعورة لا بدّ من تغطيته لحمايتها”، لتتشكّل مجموعاتٌ جديدة من التصنيفات والتعارضات لترسيخ التمييز ضد أجساد النساء. فالمفاهيم الجندرية والممارسات الاجتماعية تؤثر على فَهم وإدراك الناس لأجسادهم، سواء الجسد الأنثوي أو الجسد الذكوري، وما هو مسموح أو غير مسموح به من الممارسات المادية والتصورات لكلا الجسدين، فالتعريف الاجتماعي للرجل بوصفه صاحب النفوذ والقوّة لم يترجم إلى مفاهيم سائدة وتخيلات ذهنية للجسد، بل تُرجِم لامتيازاتٍ مادية اقتصادية وسياسية وقانونية. بالرغم من الفروق الطبقية وتأثيراتها في درجة توزيع الامتيازات، إلا أننا في كل طبقةٍ يواجهنا تمييز عابر لطبقات ضد النساء، بل يُترجم أيضًا إلى إجهادٍ نفسيّ ومزاج وإحساس الجسد كسبيلِ تمكين من الاعتقاد بتفوق الرجل، في مقابل اعتقاد النساء بدونيّتهم، وبالتالي عند التحويل البنيوي من تكوين مجتمعي لتكوين آخر جديد، يصاحب ذلك تغيير في الرؤى تجاه أجساد أفراد المجتمع، بحيث يخلق فَهم وشرعية جديدة تناسب تطور أسلوب وعلاقات الإنتاج المجتمعي الجديد، ومنها تحطيم الأدوار التقليديّة النمطية الجنسية التي تناسب بنية المجتمع سابقًا، وأصبحت لا تناسب طبيعة التحوُّلات الجديدة لنمط أسلوب الحياة المعاشة لأفراد المجتمع.

الحجاب والشبح الطبقي

الوعي الاجتماعي هو انعكاس للوجود الاجتماعي لا العكس، وبروز فئات وطبقات اجتماعية تجد نفسها في وضعٍ تاريخيٍّ يُملي عليها بقوةٍ قاهرة أن تعكسَ وعيها لأوضاعها التاريخية الانتقالية، ونتلمّسُ هذا في أوضاع شرائح الطبقة الوسطى المصرية، خاصة الشرائح الدنيا منها -الريفية والمدينيّة- والتي تُعدّ الشرائح المادية الطبقية لحركات الإسلام السياسي. عام ١٩٧٧م شهدت مصر انتفاضات شعبية للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، وهو العام ذاته الذي شهد قوةَ انبعاث الحركات الإسلامية السياسية، والدعوة إلى عودة النساء لبيوتهنّ حفظًا لكرامتهن، وعزلهن عن الحياة العامة وعدم العمل خارج البيت؛ حيث تربية الأطفال وتنشئتهم هو الأكرم والأصحّ لهن، بالإضافة إلى الدعوة إلى التحجُّب في بيوتهنّ، ومنها ارتداء الحجاب.

نحن أمام طبقة اجتماعية تمثلها البرجوازية الصغيرة، المدينية منها والريفية، وشرائحها الدنيا العاجزة عن تنظيمها سياسيًا بحكم تكوينها الطبقي، حيث تآكلت أساليب إنتاجهم الريفي، ولم يندمجوا في أسلوب الإنتاج الرأسمالي. الجهاز البيروقراطي هو منفذ عمل هؤلاء للحصول على راتبٍ ثابت، ونجد آثاره على طبيعة عمل النساء من هذه الشرائح الطبقية، حيث يُعد القطاع العام الأكثر توظيفًا لهن. الطبقات الاجتماعية هي مجموعات من قوى الإنتاج، وموقعها الاقتصادي ليس الوحيد بحدّ ذاته لتعريف تلك الطبقات الاجتماعية؛ فالمستوى السياسي والأيديولوجي يلعبان دورًا مهمًّا في تحديد تلك الطبقات، وذلك لتشكل بنية طبقتها ككل. الجسد هنا يحمل علامة وضعه الطبقي الاجتماعي، من حيث تشكُّل بيئته ومظهره وتطوّر ذوقه، فالظروف المادية المؤسّسة طبقيًا تعمل وتُسهِم في تشكيل أجساد أفراده، حيث أنّ تشكيل أجساد الطبقة البرجوازية يختلف عن تشكيلها في الطبقة العاملة، وكذلك الحال في البرجوازية الصغيرة (الوسطى). يظهر لنا عامل البيئة عند “بورديو”، والذي يتشكل في سياق المواضِع الطبقية للأفراد، ويغرس في نفوسهم نظرةً للعالَم مؤسَّسة على حسب مواقعهم الطبقية، ومنها يعمل على إعادة إنتاج البنى الاجتماعية القائمة، ومنها إعادة الاستغلال الطبقي لصالح الطبقات المهيمنة. فطريقة تعامل الأفراد مع أجسامهم تعكس لنا أعمق نزوعات بيئتهم التي ساهمت في تشكيل أجسادهم ورؤيتهم لها، وظاهرة الحجاب التي سنتناولها بالتفصيل ستكون مثالًا موضوعيًّا على ذلك؛ حيث تَظهَر كتفضيلاتٍ وخياراتٍ طوعية بالرغم من أنّها تتجذر في واقع الأمر كقيودٍ مادية، حيث تُطَوِّرن النساءُ أذواقهنّ وخياراتهنّ مما هو متاح لهنّ من قِبَل المجتمع الذكوري، والذي يحدد لهنّ ما هو مسموح وما هو غير مسموح، وبالتالي تختار المرأةُ من حيث الخيارات المطروحة المحدودة لها، وليس من واقع الحرية الشخصية الفردية المثالية والمنفصلة عن السياق المجتمعي، خاصةً في مجتمعاتنا التي لم تُطوِّر بعد تلك الحساسية الأخلاقية، خاصةً تجاه النساء. ودراسةٌ سوف نتناولها في ظاهرة الحجاب المصري والوسيط المادي الطبقي لها ستوضِّح لنا كيفية تطورها، ومدى مساهمة عامل البيئة في ذلك. إنّ محاولة مناقشة أيّ رمزٍ دينيّ، ومحاولة تفسير أرضيته المادية لسياقه الاجتماعي التاريخي، تجعلهم يتحسّسون مسدساتهم؛ وذلك لضمان حفظ القوى المهيمنة سيطرتها على القوى الخاضعة. في كتاب “الاحتجاج الهادئ” تناولت أرلين علوي ماكليود ظاهرةً اجتماعيةً آخِذة في الاتّساع بشكلٍ متسارع في المجتمع المصري، وخاصةً بين نساء الطبقة الوسطى والدنيا في القاهرة؛ ألا وهي ظاهرة الحجاب. تشمل عينة الدراسة ٥٨ سيدة وفتاة من فترة ٨٤ إلى ١٩٨٨م، وكُنّ أولئك النساء قد خرجن من أسرٍ فقيرةٍ ريفية وهاجروا إلى المدينة، ويُعتَبرُ الجيلُ الأوّل من النساء في عائلاتهنّ قد نال التعليم، بينما كان المستوى الثقافي لأغلب أولئك النساء ضعيفًا، بحيث لا يُتاح للكثير منهنّ الاطّلاع والبحث مثلما أتيح للأجيال الحاضرة من الفتيات، حيث أن اتّساع اطلاعهم على رؤى مختلفة عمّا هو سائد مجتمعيًا قد انعكس على طموحاتهم وإدراكهم لواقع التمييز الجنسي الذي يُمارس ضدهم. كانت غالبية النساء في تلك الدراسة العينية قد اتّخذت -كما أخبرن في تلك الفترة- الحجابَ كقرارٍ شخصيّ، ولكن على امتداد الدراسة، اشتكت العديد من النساء من القسر الإجباري المعنوي والعنف المادي من قِبَل أزواجهن وعائلاتهن لإجبارهن على ارتداء الحجاب، ومع تسارع انتشار الظاهرة بشكلٍ متسارعٍ مع زيادة هيمنة حركات الإسلام السياسي في التسعينيّات، تحوَّل الحجابُ إلى زِيٍّ إجباري، وليست هناك مساحة لقراراتٍ شخصية، بحكم أنّه فرضٌ إلزاميّ. وعند تحليل الأوضاع الطبقية المادية لتلك النساء، تتجلى لنا من وراء شبحية قرارهن الأسبابُ الاقتصادية والأيديولوجية الضاغطة وراء دفعهن لذلك، ونجد الكثير منهنّ قد واجهن ضغوطاتٍ لارتدائها، ولكن ليس بسبب الواعظ الديني؛ حيث أن أغلبهنّ غير ملتزماتٍ بأداء الفروض الدينية كالصلاة، وليس لديهن معرفة عميقة بالدين، ولكن بسبب خروجهنّ للعمل في بيئةٍ يكثر فيها القول بأن عمل المرأة حرام، وأن خروجها من البيت حرام، وهذا يوضّح لنا مدى تشابك العُرف المجتمعي السائد في البنية السابقة، وتعقيدات التحولات البنيوية الجديدة، وتطورات الواقع الاقتصادي المصاحب لها، وصراع الشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى الريفية والمدينية على إبقاء الأدوار التقليديّة بين الجنسين المتعارف عليها، والمحافظة عليها بالرغم من تآكلها. كان الدين هو السلاح المتبقي الوحيد لتلك الطبقات التي تآكلت شروط بقائها المادي الاقتصادي للحفاظ على واقعها الميّت. اضطرّت النساءُ من الطبقةِ الوسطى الدنيا للخروج للعمل، وتحديات واقعهنّ المجتمعي ما زال غير مرحِّب بخروج النساء للعمل، لكن في واقعٍ متغير اقتصاديًا وسياسيًا، كُسرت أنماط الأدوار التقليدية بين الجنسين، حيث اضطرّت النساءُ للخروج للعمل بسبب ارتفاع مستوى المعيشة، والتأزُّمات الاقتصادية وقعت أغلب مساوئها على الشرائح الدنيا؛ ممّا جعل أغلب هذه الأسر أمام إشكاليّة اضطرار النساء للخروج إلى العمل لمساعدة أزواجها في تكاليف المعيشة، حيث أن أجره غير كافٍ لسدِّ النفقات الأسرية اليومية. ومع المجتمع بمختلف طبقاته، يُعد خروج النساء للعمل والمساعدة في النفقات غير مُرحّب به، حيث يُعتبر هذا الأمرُ نقصًا في مفهوم الرجولة المتعارف عليه مجتمعيًا، والذي كان يناسب طبيعة البنية الاجتماعية الزراعية الإقطاعية، ويعتمد على التقسيم الحاد في الأدوار الاجتماعية بين الجنسين، وحصر المرأة في دورها البيتي وتنشئة الأطفال.

أصبحنا أمام واقعٍ صدع من هذه النمطية التقليدية بين الجنسين، ولكن هذه النمطية لا زالت مهيمِنة أيديولوجيًّا على تفكير تلك الشرائح. تعد أغلب الشرائح السكانيّة عدديًا واقعًا يحطم معتقدات وتقاليد وعادات وأنماط معيشية كانت صالحة لبنية مجتمعٍ تآكَل، وأصبحنا أمام واقعٍ يتطلّب فاعلية تتناسب مع مستجدّاته. فالتحجُّب كحَلٍّ رمزيٍّ لمعضلة تلك النساء العاملات من الطبقة الوسطى الدنيا -الريفية والمدينية- كان رمزًا للمساومة أمام الصراع الذي يواجههن، والتوترات التي تشعرن بها بين الدور البيتي والعملي. والحجابُ رمزٌ تكيُّفيّ للتوفيق بين دورهن التقليدي في حدود الأسرة، ودورهن في الخروج للعمل، والذي تُعدّ مساعدةُ الأسرة سببًا أوليًّا له. وليس في خيالهن الخروج للعمل لتحقيق أي إشباعٍ شخصيّ، حيث التوفيق مع دورهن التقليدي، فلم يخرجن بَعد من عباءة حياتهن الريفيّة التقليدية، واضطرارهن للخروج إلى العمل لم يمح هذا العرف التقليدي لهن. كان الحجابُ حلًا رمزيًا سحريًا لحلّ هذا الصراع كمساومةٍ بين عملها خارج البيت وتهدئة المعتقدات حول دورها الجندري، وكإعلان عن الامتثال بعدم تمرُّدها على تنميط الأدوار التقليدية بين الجنسين وتأكيد تبعيتها، ضد التحديات وتغيرات الواقع الاقتصادي التي صدعت الأرضية التي بُنِيَت عليها قيمٌ وأعراف وتقاليد وعادات النظام الإقطاعي الزراعي. فالحجاب مصالحةٌ رمزية بين أيديولوجية الطبقة الوسطى الدنيا الريفية والاقتصاد والنوع، وبالتالي كان يساعد من منظورهم على حلّ أسئلة الهوية التي ظهرت مع العمل خارج البيت ومحاولة رعاية الأسرة وإدارة البيت في وقتٍ واحد، وبالتالي فإنّ الحجاب يُعَدُّ إعلانًا عن الامتثال الهادئ لحفظ الأدوار التقليدية للنوع، والارتياح من التوتر الذي تخلقه معضلة العمل والأسرة، والتي صدعت الأدوار التقليديّة بين الجنسين، فهي محاولة للتوفيق بين ما كان في الماضي، ومحاولة لاستيعاب مستجدات الحاضر. هذا النظام التقليدي الريفي الذي يرى جسدَ الأنثى كامتدادٍ لجسد الذكر، حيث لا تُرى المرأةُ على أنّها كاملة الأهلية في حدّ ذاتها، فهي إما امتداد أبيها أو زوجها أو أخيها، ويُركز التحجب على جسد المرأة؛ بسبب اعتباره الصلة المركزية في نظام موروث للشرف الذكوري، حيث أنّ جسدها هو امتداد للهيمنة الذكورية، وبالتالي فإن أي محاولة لتصدُّع هذا الامتداد يعد تهديدًا ذاتيًّا للذكور، لذلك لا نستغرب كمية العنف المادي والمعنوي تجاه أي امرأة تحاول الخروج من سجن هذا الامتداد للهيمنة الذكورية. فصراعُ المرأة بين دورين مختلفين، حيث تتآكل هويتها التقليدية، في مقابل عدم خلق هويّة جديدة تتناسب مع تطورات واقعها المجتمعي. والتحجب كرمزٍ يدل على توترٍ تشعر به النساء في ذلك الوقت مع الهيمنة الأيديولوجية لحركات الإسلام السياسي الآخذة في التصاعد من نهاية السبعينات إلى وقت هذه الدراسة. كان دائمًا جسدُ النساءِ مسرحًا للصراع السياسي الرمزي بين الطبقات المتصارعة، وحتى إن بدا كصراعاتٍ شخصية حول جسد الفرد، إلا أنّه لا يمكن تفسيره إلا باعتباره صراعات سياسيّة حول تقرير المصير، وبالتالي فإنّ تغطية جسد النساء كمسرح عرض الهيمنة الذكورية كان في مرحلة صراع طبقي تأخذه قوى الإسلام السياسي المُمثّلة لمصالح الطبقات المنتمية للبنية الإقطاعية المتآكلة، والتي تعبر عن مصالحها المادية وصراعاتها بتقديم أعرافها وأنماط معيشتها وتقاليدها على أنه الدين، وجسد النساء كمفتاح لحقيقة علاقات قوة متصارعة تحاول كتابة حروف هيمنتها على جسدها.

يرى “جرامشي” في مفهومه للهيمنة عند محاولة تفسير سلوك التابعين المحيّر في علاقات القوة -أن الهيمنة تشير إلى مشكلة بقاء علاقات القوّة التي تحد وتعيد حياة الطبقات الخاضعة لصالح الطبقات المهيمنة، فأيديولوجيا الطبقة المهيمنة تنظِّم هيمنتها بحيث لا تستطيع الطبقات الخاضعة فهم طريقة إخضاعها؛ وهذا من أجل خلق وعي زائف عن حقيقة الواقع القائم. نجد الحجاب مثالًا تقليديًّا لهذا التعريف للهيمنة، حيث أن الإعلان عن خضوعها لتصنيف الأدوار الجنسية النمطية ساهم في تبعيّتها والتمييز ضدها لصالح الهيمنة الذكورية، وكأنّها تولّد لا مساواة خاصة بها، وتعيد تنشيط الهويّة والدور كتابعَيْن  للهيمنة الذكورية.

في دراسةٍ تشمل الفترة من ٨٤ إلى ٨٨ (عقد كامل مرَّ على فترةِ البحث حدث خلاله الكثير) نوضّح كيف أنّ الظاهرة قد تعمّقت أكثر بالنظر إلى تغيُّر دخل الأسرة والارتفاع الحاد بأسعار السلع الضرورية، وهذا أثّر بالضرورة تأثيرًا بالغًا بوجهٍ خاص على أبناء تلك الطبقة. وظاهرة الحجاب والنقاب بشكلٍ أخص -كظاهرة تطورت مع تطوّر تلك الأزمة الاقتصادية- هي ظاهرة تمركزها عند نساء الطبقة الوسطى الدنيا، ومع انعدام فرص العمل الحكومي، وتراجع قدراتهم الشرائية، والهوة الآخذة في الاتّساع بين الطبقات الوسطى العليا والدنيا، تحاول وتسعى لتصاعد طبقيّ لهم.

الحجاب كمحاولةٍ من الطبقات الخاضعة وكسلاح تستخدمه لفرض هيمنتها على أرضية صراعها الطبقيّ، استُخدِمَ كتمويهٍ ضد التمايز الطبقي في أوّل ظهوره، ولكن أخَذَت أبعاد وتمايزات صارخة تميِّز كل طبقة عن الأخرى. بعد فترة الانفتاح الاقتصادي أصبح عامل التمويه يؤخَذ كمُسكِّن مؤقت، فالحجابُ عند نساء الطبقة الوسطى العليا يأخذُ أشكالًا وتنويعاتٍ في الخامات التي لا تستطيع نساء الطبقة الوسطى الدنيا مجاراتها بسبب ضعف قدراتهم الشرائية. كل هذه التعقيدات والانتقائية للتراث لا تعني العودة للماضي، وإنّما رد فعلٍ مركب ومعقد لظروفٍ حداثيّة واسعة وعريضة. ولا يمكننا اعتبار دعوة بعض الإسلاميين للمرأة بالعودة إلى دورِها كزوجةٍ وأم إلا انفصال عن واقعنا الحاضر، حيث تبدّلت تلك الأدوار على نحوٍ أساسيّ في القرن العشرين، وتبدَّلت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بسبب تغيُّر أسلوب العمل وعلاقات إنتاجه.

بعد أكثر من ثلاثين عامًا على تلك الدراسة، تغيّرت النظرةُ إلى الحجاب باعتباره بيان اجتماعيّ أخلاقي، يُعلِن عن الصلاح والفضيلة، ويحمي مَن ترتدينه مِن المعاكسات؛ حيث تُعدّ مصر من الدول الأولى في نسبة التحرش الجنسي، يدل هذا على الفصام بين رمزٍ أيديولوجي لمحاولة الهيمنة لفصيلٍ سياسي، وواقعٍ عكَسَ عدم فاعلية تلك الرموز في حماية النساء من التحرش الجنسي. اتّسعت الفروق الطبقية بشكلٍ صارخٍ، ومع تآكل هيمنة الحركات الإسلامية أيديولوجيًا بعد الثورات العربية، وزيادة الشرائح التعليمية من النساء عدديًا، والانفتاح على الشبكات المعلوماتيّة التي كانت لا تُتاح في جيل أمهاتهن؛ حيث الانفتاح على الرؤى المختلفة غير الأيديولوجيا المهيمِنة، وزيادة وعي شرائح كبيرة من النساء -خاصةً التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى- بحقوق المرأة، والوعي بأشكال التمييز الجنسي الذي يُمارَس ضدّهن، وتغيُّر تصوراتهنّ الذاتية بالقطعِ عن التّصورات المهيمنة الذكورية. نجد مع تأثير تلك العوامل في الفترة الأخيرة ظاهرة خلع الحجاب تُعد ظاهرة نساء الطبقة الوسطى العليا من حيث تمركزها، حيث أن هيمنة الأيديولوجيا لحركات الإسلام السياسي لم تضرب بعمق تلك الطبقات بالمقارنة مع الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وهذا نلتمسه في المقارنة بين خلع الحجاب من نساء الطبقة العليا اللاتي لا تواجهن درجةَ تهديد العنف المادي والمعنوي مثل امرأة من الشريحة الدنيا تواجه درجةَ تهديدٍ أكبر بكثير من العنف المادي والمعنوي. يرجعُ هذا إلى تمركز تلك الطبقات العليا في المدينة، والطبقات الدنيا أغلب تمركزها في الريف، الذي يُعد مستوطن الهيمنة الأيديولوجيّة للسلفية الإسلامية.

السيطرة هي محاولة لخلق قيد على التخيُّل والفكر والمناقشة، وهي من الآليات الأساسيّة لأيّ حركة فاشية سلطوية تحاول فرض هيمنتها، وبسبب تحدّيات الواقع والمساومات التي تقوم بها النساء لكي تنال القليل من حقوقها، لم تحميها من الانتهاكات التي تمُارَس ضدهن، فأصبحت إنسان عاري معرّض لأكثر المساوئ التي تحدث في الصراع السياسي الاقتصادي المجتمعي، وبالتالي بسبب ضيق أفق التغيير لصراعهن؛ فإنهن يقعن في شِرك التكيُّف والمواءمة، وما الحجاب إلا مدلول لهذا الامتثال لأوضاعهن كتابعاتٍ للهيمنة الذكورية، وبالتالي فإن الدورَ الذي لعبته المرأة كتابعةٍ في تفاعلات الصراع الطبقي والارتباط غير المستقر بين الإذعان والمقاومة، يجعلنا أمام فهم هذا السلوك الملتبس لعجزهن عن صياغة هوية جديدة تتناسب مع واقعهن الجديد، وإدراك مصالحهن الحقيقية. وبسبب ضيق أفق مسرح الصراع السياسي في تلك المجتمعات العربية؛ فإنّ النساءَ تحارب بشكلٍ منفرد، على شكلِ تمرُّداتٍ فردية، واستخدامهن للرمزيات المُبهَمة كمحاولةٍ لتمرُّدٍ مستتر، ومشاركتهن في عدد ضخم من تفاعلات المسيطِر/التابع. إنَّ تشابُك التفاعلات اليومية يجعل المواجهة المباشرة -خاصةً لنساء الطبقة الدنيا الوسطى- أكثر تهديدًا، وهذا سنلتمسه عند تناول أوضاع النساء في المجتمع المصري في الوقت الحاضر. ونسب أرقامهم من قوّة العمل تدل على دلائل واقعية كثيرة عن أسباب جمود أوضاع النساء في مجتمعاتنا.

الأسرةُ ملاذ في عالمٍ لا قلب له

في كتابه “النضال الطبقي وتحرُّر المرأة” يرى توني كليف أنّه في ظلّ الرأسمالية يتخذ اضطهاد النساء طابعًا فريدًا، من حيث أنّه يجد جذورَه في الأسرة التي تتمُّ فيها تربية الأطفال وإعداد الطعام وإعادة إنتاج النوع من عامٍ إلى خاص، مفصولًا عن الإنتاج الاجتماعي. والأسرة تشكل جزءًا من البنية الفوقية للمجتمع، فتصوغ أفكارَ وعواطفَ الرجالِ والنّساء والأطفال، وشكل الأسرة يختلفُ من حيث وضعها الطبقي، حيث يحدّد حدودَ المساحات والإمكانات والقدرات في التعامل بين الزوجين، ونمط حياتهم المعيشية، وانعكاسها على حياتهم العاطفية والنفسية.

إنّ تحوُّلات الثورة الصناعية أدت إلى خروج النساء للعمل، ومنها أدّت إلى أشكالٍ جديدة من الاستغلال. حيث أدى الأثرُ المزدوج للتحوُّلات البنيوية الرأسمالية، وخروج النساء للعمل، وآثاره على تحطيم الأدوار التقليديّة للتمييز الجنسي في الأسرة -إلى تضييق الخيارات أمام النساء وجعلهن أكثر عرضةً للإساءة الجنسيّة، خاصةً نساء الطبقة العاملة والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى. ونجدها في ظلّ هذه الضغوط تحاول الاحتماء في أقلّ الضمانات، فتهتم عامةً بفرض التزامات الزواج لا بإلغائها، حيث أصبح الهدف هو العلاقات الآمنة وليست العلاقات الحرة؛ وهذا بسبب ضيق مساحة الخيارات المتاحة أمامهنّ من الأمن الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، على عكس الدرجة المُتاحة من المساحات الآمِنة الواسعة بالنسبة لنساء الطبقة البرجوازية والطبقة الوسطى العليا. وبالتالي فإن درجةَ التهديد التي تواجهها المرأة تصبح أكبر كلّما نزلت طبقيًا؛ وهذا بسبب إمكانيات الحماية والأمان الاقتصادي والسياسي والقانوني، والتي تُعتَبَر أقلّ القليل عند المرأة من الطبقة العاملة.

في المجتمع الرأسمالي، يصبح نموذج الأسرة في ظلّ التحديات ضد استمرار وجوده، ويشكِّل مصدرًا أصيلًا لاضطهاد النساء، بجانب الاضطهاد الذي تواجهنه في العمل، ولكن بالرّغم من ذلك، يصبحُ ملاذًا آمِنًا بسبب انعدام الأمن الاقتصادي والعمل غير الإنسانيّ الذي يواجهه الأفراد العاملين في بيئة المجتمع الرأسمالي. بالنسبة للنساء، كان للعمل بالأجر دورٌ مزدوج؛ حيث كان مفتاح اكتساب النساء للقوة والثقة، ومنه نواة البداية لحركات الدفاع عن حقوق النّساء. الأسرة بالنسبة للنساء والرجال في ذات الوقت لعبت دورًا مزدوجًا من الحماية والقهر معًا، ملاذ من عالم يدفع إلى الاغتراب وتفتيت العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وسجن في آنٍ واحدٍ، خاصةً تجاه النساء. وأسرة الطبقة العاملة بطابعها القهريّ تأخذ درجةً أكثر قهرية عن الطبقات الأخرى، فمع الأسف أنّ معظم الدراسات المتعلقة بالأسرة تركِّز على نموذج أسر الطبقة المتوسطة، والتي تختلف عن نموذج أسر الطبقة العاملة، بالرغم من أوجه الشبه بينهم. مثالٌ على ذلك، نجد نساء الطبقة الوسطى من المتعلمات (خرّيجات الجامعات) ومن ثم المهنيات، تكون لديهن تطلعاتٍ أوليّة، مثل: تفتُّح فرص النجاح العملي، وتحقيق الإشباع الشخصي، والتنافس على الفرص المتاحة أمامهن مع زملائهن من الرجال والنساء. بينما نجد نساء الطبقة العاملة أكثر تقبُلًا للدور الأنثوي التقليدي مقارنةً بنساء الطبقة الوسطى، وعندما يتطلّب الأمرُ العناية بالأطفال، فإنهن يعتمدن كليًا على أزواجهن ماليًا، وبالتالي ينظرن لأنفسهن كمجرد ربات بيوت؛ ولذلك تُصاغُ رؤيتهن عن أنفسهم من هذا المُنطَلَق بطريقةٍ أقل تهديديّة من نساء الطبقة الوسطى المتعلمات المهنيات من حيث هذا الجانب. والزواج بالنسبة لفتاةٍ من الطبقة العاملة الفقيرة يمثل سبيلًا للتحرر والهروب من التسلُّط الأسري، لكن مع الحقائق الاقتصادية المؤلمة يتكشّف لها أن هذا السبيل للتحرُّر ما هو إلا وهم؛ حيث تقع من تسلُّطٍ إلى تسلطٍ أكثر تهديدًا، خاصةً مع ولادة الأطفال. الرجال من الطبقة العاملة معرّضون دائمًا للاضطهاد والشعور بالتهديد؛ وذلك بسبب وضع العمل وطبيعته، وتهديده دائمًا بأن يُلفَظ من عمله، خاصةً في المجتمع الرأسمالي الذي يُجبِر الرجالَ على ترجمة وضعهم الاجتماعيّ إلى أمورٍ تخصُّ القيمة الشخصية، فكلما امتلكت أكثر، كلما زاد إحساس القيمة بذاتك، والإحساس بقلة الحيلة في العمل وعدم سد النفقات الأسرية يقع على كاهل الرجل، بالإضافة إلى أنّ أداءه لدورِ الأب والزوج في واقعٍ اقتصاديّ مرير يحدّ من القيام بهذا الدور، فيؤدي إلى الإحساس بالذنب وعدم الثقة بالنفس، وكلّ هذا ينعكس على المشاكل الأسرية التي تأخذ مساحاتٍ أكبر في أسر الطبقة العاملة الفقيرة. اللامساواة في الأسرة بالنسبة للطبقة العاملة ليس فيها الكثير من المساواة الشكلية كما هو الحال في أسر الطبقة الوسطى، فالرجل المهني يتمتّع بقدرٍ أعلى من الأمان والمكانة الاجتماعية، وهي عوامل تجعل الرجل هنا يلعب دورًا كسلطةٍ أقلّ نفورًا من رجل الطبقة العاملة. وبسبب درجة التهميش الكبيرة التي يتعرض لها رجل الطبقة العاملة، تصبح الأسرة المكان الوحيد الذي يستطيع الرجل فيه ممارسة سلطته وسطوته، وبالتالي يكون أقل تقبُّلًا للأيديولوجية التي تنادي بالمساواة، وعادةً تتعاطف زوجة العامل مع زوجها، خاصةً إذا كانت معتمدة عليه ماليًا. أسر الطبقة الوسطى حياتها الاجتماعية أنشط بكثير، ووعي النساء -بسبب أنّ أغلبهن خريجات جامعيّات ومهيّئات للخروج للوظيفة كعاملات من ذوي الياقات البيضاء- يجعلها تتطلع للأولوية الوظيفية، وتتطلع إلى لعب دور متساوٍ بجانب شريكها في الحياة الزوجية. ممّا لا شكّ فيه، نجد آثار تلك الأوضاع بالنسبة لنساء الطبقة الوسطى -بسبب درجة التعليم ودرجة الوعي لديهن- مقارنةً بنساء الطبقة العاملة، تجعلهن أكثر إمكانية لدراسة أوضاعهن وأشكال التمييز التي تُمارس ضد النساء، وبالتالي لا يُستغرَب أن الخلفية الطبقية للحركات النسوية هي من نساء الطبقة الوسطى؛ فعلاقات الرجل والمرأة داخل تلك الطبقة الوسطى تجد اهتماماتٍ مشتركة، وبالتالي فإن العامل النفسي والذهني وطريقة التفكير من العوامل الأساسية عند اختيار شريك الحياة، عكس الطبقة العاملة؛ وذلك بسبب قلة الإمكانات وضغوط العمل التي لا تسمح بتلك الرفاهية العقلية، وبالتالي لا تكون تلك الأشياء من أولوياتهن، حيث أنّ المهم هو اختيار شريك حياة يتحمّل ظروفَ الحياة المعيشية الصعبة. رجال ونساء الطبقة العاملة يقبلون بالفصل التقليدي بين دورَي الجنسين، وبالتالي فإنّ الزوجات لا يتوقعن عادةً مساعدة أزواجهن في العمل المنزلي؛ وهذا بسبب حدود إمكانات واقعهم المعيشي كواقعٍ لا مهرب له، ومنها فإن الشعور بالإحباط والاكتئاب من متطلبات العمل المنزلي خاصةً مع الخروج للعمل يجعل هذه المتطلبات أكثر تكلفة على صحتهم النفسية والبدنية، مقارنةً بأزواج نساء الطبقة الوسطى، الذين يكونون أكثر استعدادًا للمساعدة في العمل المنزلي، لأن زيجاتهم أكثر دفئًا وسعادةً، وأكثر نشاطًا مع أطفالهم. الواقع الأسري غير حصين ومعزول عن عالم العمل والسياق العام الذي يتواجد فيه؛ فالتطورات التاريخية أوجدت هذا الشكل من العلاقات الاجتماعية كملاذٍ وجدانيّ، ولكن هو ذاته أُخضع للسيطرة الخارجية للواقع الاقتصادي والسياسي والقانوني، وبالتالي فقَدَ أهم خواص الحماية والأمن الوجداني والمادي لكلٍّ من الرجال والنساء.

 المرأة بين مرآة الحاضر والمستقبل

كل ما ذُكِر كان محاولة لفهم أسباب معوقات وجمود واقع النساء في بنيةِ مجتمعنا تاريخيًا؛ وذلك لمحاولة فهم الأسباب البنيوية في مستوياتِ التكوين الاجتماعي المختلفة، التي ساهمت في صياغة مصادر التمييز والإجحاف الاجتماعي تجاه النساء. الواقع المادي الاقتصادي هو نواة لفهم انعكاساته البنيوية على المستويات الأخرى (السياسية والقانونية والأيديولوجية) للتكوين الاجتماعي. وحجمُ المساهمة المادية في النشاط الاقتصادي كقوّة عملٍ للنساء، خيرُ دليلٍ على توضيح أسباب جمود واقعهن الاجتماعي؛ فالنساء تواجهن فجواتٍ كبيرة في نسب مشاركتهن في سوق العمل مقارنةً مع الذكور، حيث تعتبر المعدل الأدنى في العالم مقارنةً بالمتوسط العالمي، وتحقق معدلات البطالة عند الإناث ضعفي معدلات البطالة عند الذكور، ومن سنوات الانفتاح الاقتصادي بلغت نسب النساء من قوة العمل من ٦٪ إلى ١١٪ ومنها إلى عام ٢٠١٦م حيث سُجِّلت أكبر نسبة مشاركة لهن  تُقدّر بـ٢٤.٢٪ في السنوات الأخيرة. إنّ هذه النسب تدل على مدى العراقيل الاجتماعية والمؤسساتية التي تواجه النساء من حيث المشاركة في سوق العمل، والتي تعيق النساء في طريقهن إلى الاستقلال الاقتصادي الذي يُعد أرضية للتحرر والاستقلال القانوني والسياسي. هذه التبعية الاقتصادية التي يتّسم بها أغلب واقع النساء، تنعكس هي الأخرى على التبعية القانونية، حيث تُعامَل النساءُ كمواطناتٍ فاقداتٍ للأهلية أمام هيمنة أولياء أمورهن من الذكور. ومما لا شكّ فيه، أن الأيديولوجية الدينية السلفية -كما وضّحنا سابقًا- مع طبيعة القيم والأعراف والثقافة السائدة التمييزيّة تجاه النساء -كان فعلها فعل القانون في تحديد الاتجاهات والمواقف المنعكسة في السنين السابقة، من تحريم عمل المرأة، وتقصير فترة عملهن، وإحالتهن للتقاعد المبكر، وتحديد مجالات العمل المسموحة لهن، أو تزويجهن مبكرًا حتى تُخفّف التبعية الاقتصادية من الأب ونقلها إلى الزوج.

الأرقام توضِّح لنا طبيعة الأعمال التي تتمركز فيها النساء، فنجد أغلبهن في القطاع غير المنظم، وهذا ناتج عن أنّ أغلب النساء العاملة تكون من الأيدي العاملة غير الماهرة، ومنخفضة التدريب المهني ومستوى التعليم، والمؤقّتة، وبالتالي تنحصر أدوارهن في الأعمال ذات الأجور المنخفضة، ومنها تواجهن فجواتٍ كبيرة في جودة المهن التي تمارسها أغلب النساء، حيث لا تزال نسبة العاملات في الأعمال العائلية الموجّهة نحو السوق تفوق ضعف نسبة الرجال. تتسم طبيعة تلك القطاعات غير المنظمة بالحماية القانونية الضعيفة الهشة، وبالتالي فإن التعرُّض للاستغلال والتعسُّف يأخذ درجاتٍ كبيرة في طبيعة هذا القطاع من الاقتصاد، ومنها الفجوات الكبيرة بين الجنسين في الأجور والحماية الاجتماعية، وتنعكس هشاشة أوضاع النساء على أنهن الأكثر عرضةً لمساوئ الأزمات الاقتصادية، حيث تعد النسبة الأكبر من جيوش العاطلين من العمل منهن، وتتميّز أغلب المجتمعات العربية عامةً بالعمالة الكثيفة منخفضة الإنتاجية، وبالتّالي تتشكّل حلقةً مفرغةً من الإنتاجية المنخفضة، والمهارات والأجور المنخفضة، ورأس المال البشري الضعيف. ويساهم ضعف نسبة مشاركة النساء في انعكاس ضعف مستوياته، حيث أن المفارقة هنا في أن القطاع العام هو الأكثر توظيفًا للمرأة من القطاع الخاص، والقطاع العام (الصحة-التعليم) يعد أكثر تفضيلًا للنساء، وذلك بسبب الحماية القانونية من تأميناتٍ اجتماعية وإجازاتِ أمومة وعدد ساعات العمل، وهذا بسبب اعتبار عمل المرأة مكلّف لدى كثير من أصحاب العمل، وذلك بسبب قوانين العمل التي تمنح إجازات مدفوعة الأجر للإناث، وهو ما يجعل الكثير من أصحاب الأعمال يفضلون الرجل عن المرأة. إن المعوقات الاجتماعية التي تساهم في عدم انسيابيّة حركة المرأة بالمقارنة مع الرجل، هي التي تساهم في انخفاض مشاركتهن في النشاط الاقتصادي بالرغم من مستويات التعليم، وحيث أن الفجوة بين الذكور والإناث قد رُئبت، إلا أنه لا تزال هناك حواجز قانونية واجتماعية تحدّ من مشاركة النساء في سوق العمل، والذي يعاني أصلًا من فجوةٍ جندرية تؤدي إلى مزيدٍ من تقليص مدى مشاركة النساء في تكوين رأس المال البشري المجتمعي، وتؤثر على مدى العدالة بين الجنسين، وهذا يجعلنا أمام حقيقة أن الواقع الاقتصادي المادي في درجة تقدمه أو رجوعه يؤثر طرديًا على درجة تقدم الواقع السياسي والقانوني في المجتمعات عامةً، ومنها المستويات المعيشية لأفرادها؛ فهو المنظار لفهم طبيعة وتطور المستويات الأخرى للتكوين الاجتماعي.

بعد حركات الربيع العربي وتبعاتها التي ساهمت في زعزعة البنية الأيديولوجية المهيمنة، وزيادة الوعي لشرائح كبيرة من النساء، خاصةً الخريجات المتعلّمات من الجامعات من الطبقة الوسطى، وانتشار وسائل الشبكات المعلوماتية ووسائل التواصل التي ساهمت في نشر العديد من أفكار التنظير النسوي الأوروبي والأمريكي، وبالرغم من إيجابيّاتها في زيادة الوعي ضد أشكال التمييز التي تُمارَس ضد النساء، إلا أنّها تتعامل مع هذه التنظيرات بشكلٍ منفصلٍ عن سياقها المجتمعيّ الذي تطورت فيه تلك الحركات النسوية وأفكارها التنظيرية عديدة الاتجاهات، ومنها التقليد الأعمى بدون التعامل مع مدى تعقيدات الواقع المجتمعي لدينا، والذي ما زال لديه مشاكل بنيوية فى مستوياته للتكوين الاجتماعي كما وضحنا سابقًا، وفي انعكاساته على واقع النساء في مجتمعاتنا. وكما قال “جرامشي”: “لا يُتصوَّر تاريخيًا أن تكون القوى المادية بلا شكل، وأن تصبح الأيديولوجيات بدون القوى الماديّة مجرد أوهام فردية”.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: نرمين موسى

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

الصورة: مصدر الصورة

اترك تعليقا