تأخذك إلى أعماق الفكر

قصة قصيرة: كلاب الطبقة العُليا

كان السّيد إسحاق مالكًا لكوخٍ صغير متفرّعٍ عن ضواحي المدينة.. كان سبب اختياره لهذا المكان هو وزوجته اليافعة، ماريا، عشقهما الرّهيب لتربية الكلاب. يملك إسحاق في هذا الكوخ أحد عشر كلبًا، من أنواعٍ وأحجامٍ مختلفة، كان يقول دومًا لماريا: “أرى الجمال فيها، أرى الكون منطويًا في أعينها، ألمسُ في أرواحها شيء خفيٌّ.. يا ماريا، لو أمكنني تسخير عُمري كله لإسعادها، لفعلت بصدرٍ رحب.”

كانت ماريا كذلك تبادل الكلاب نفس الشعور، فتستيقظ باكرًا هي وزوجها ليمشيّا الكلاب في الأنحاء الخاوية، لم تكن خاويةً تمامًا، فقد لاحظ إسحاق أن شيئًا ما كان يرمقهم كلّ صباح وهم ينزِّهون الكلاب من نافذة القصر المجاور لهم، كان قصرًا لأحد أكابر المدينة، اشتراه كنوعٍ من الملاجئ التي يلجأ لها عندما يقنطُ من الأعمال وتضيق به الأمور..

كان الملفت لنظر إسحاق منذ بداية مجيء الرجل أنه يملك كلبًا عظيم الحجم، من سلالة نادرة جدًا، لكنه كان يتركه دومًا بالقصر.. حتى إن غادر لا يأخذه معه، تاركًا له الخدم ليطعموه في مواقيت محددة ويرعونه أفضل رعاية. في بادئ الأمر، عرض إسحاق على الرّجل أن يتبنّى كلبه لعلّه يجد في غياب صاحبه صحبةً من كلابٍ قد يحبّ الرقود معها، لكنّ صاحب الشأن رفض، ورأى أنّ إسحاق رجلٌ مهووس، لا يجب الإصغاء حتى لهرتلته.

في نهارٍ ما، اقترب إسحاق من النافذة التي لاحظ بها مرارًا من يرمقهم كلّ صباح، وكان كما توقّع، الكلب الحزين ذو الجاه والسلطان، يرمقهم بأسىً حالمًا أن ينال جولةً واحدة معهم..

كان قلب إسحاق يشتعل غضبًا وعصيانًا مما شعره تجاه الكلب المسكين، فراح يكسر الزجاج ويُهرّب الكلب ليشاركهم حياتهم البسيطة الغامرة بالساعدة. وقد كان.

إعلان

كان القلق ينتاب ماريا، وتطلب من زوجها كلّ يوم إعادة الكلب قبل وصول صاحب الشأن والسلطان إلى هنا مرةً أخرى، أو يكتشف أحد رجاله الأمر فيزيد الطين بلّةً في علاقتنا مع الجار، ولعلّه يستغلّ نفوذه ليعاقبنا على سرقة كلبه.. وكان ردّ إسحاق دومًا هو الاطمئنان، فرجال القصر حسبوا أنّ الكلب قد كسر الزجاج وهرب، فلا مشكلة، الأهمّ هو السعادة التي نالها الكلب، والحياة التي وُجد ليحياها مع أُناسٍ تتفهّم ذلك.. وكانت تردّ ماريا بالصمت..

وفي يومٍ سعيد آخر على الزوجين، وعلى الإثني عشر كلبًا التي أخذها الزوجان في نزهة، وكما كان قلب الزوجة يخبرها، عاد الجار، ومعه رِجاله.. يرمقونهم ويرمقون كلابهم.. وكلبهم بالأخص..

لم يتفوّه أحد بأيّ كلمة، إلا إسحاق ظلّ يعيد قوله “أرجوك، تفهّم الأمر، الكلب يعاني، وأنا أحاول إرضاءه ليس إلا!! أرجوك!”..
وبلا ردٍ أو إظهار أدنى اهتمام.. أشار بيدهِ لرجاله، فبكلّ بساطة، رفعوا مسدساتهم نحو الكلاب، وقُضي الأمر..
أما الزوجان، فقد أخذوهما معهم، وحكم عليهما بالعمل كخدمٍ في القصر، ومنعوا منعًا باتًّا من تربية أي حيوانٍ آخر..

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.