تأخذك إلى أعماق الفكر

الفيزياء في حاجة للفلسفة والعكس صحيح

لقد قامت الفلسفة دائمًا بدور أساسي في تطوير العلوم و خصوصا الفيزياء، ومن المرجّح أن تستمرّ في القيام بذلك.

لقد كان دائمًا للفلسفة، ولا زال،  تأثيرٌ كبيرٌ على الفيزياء أكبرُ ممّا كان يُفترَض وجودُه عمومًا، على عكس الادّعاءات المتعلّقة بعدم صلة الفلسفة بالعلوم. لقد ترتّبت عن إيديولوجيّة حاليّة معيّنة معادية للفلسفة تأثيراتٌ مدمّرة على خصوبة العلم.

إنّ الخطوات الهائلة الأخيرة التي اتّخذتها الفيزياء التجريبيّة كلّها تُفنّد الاتّجاهاتِ المتضاربة دون قيود في الفيزياء النظريّة في الوقت الرّاهن. إذ تُشكِّك النتائجُ التجريبيّة نحو اكتشاف جُسيمات هيغز وموجات الجاذبيّة، والفشل في اكتشاف التّناظر الفائق الذي توقّعه الكثيرون، في جدوى الافتراضات الفلسفيّة الشّائعة بين علماء الفيزياء النّظريّة، وتدعونا إلى الانخراط في تفكيرٍ فلسفيٍّ أوضحَ في الطريقة العلميّة.

“ضدّ الفلسفة” هو عنوان فصل من كتاب لأحد كبار علماء الفيزياء في الجيل السّابق: ستيفن وينبرغ. يجادل وينبرغ بوضوح أنّ الفلسفة أكثر ضررًا من كونها مفيدة للفيزياء – إذ غالبًا ما تكون عبارةً عن قيدٍ يجب على الفيزيائيين التحرّرُ منه. وكتب ستيفن هوكينغ مقولته الشّهيرة بأنّ “الفلسفة قد ماتت” لأنّ الأسئلة الهامّة التي كان يناقشها الفلاسفةُ أصبحت الآن في أيدي علماء الفيزياء. صرّح نيل دو غراس تايسون علنًا: “… نحن ندرس الكون المتمدّد، … و ندرس الفيزياء الكميّة، كلّ منها لا يزال بعيدًا عن ما يمكنكم استنتاجه من كرسي مزوّد بذراعين إذ أصبح مجتمع الفلاسفة جوهريًّا قديمًا بأكمله.” لا أتّفق مع ذلك.

دور الفلسفة بين سقراط وأفلاطون

قامت الفلسفة دائمًا بدور أساسيٍّ في تطوير العلوم وخاصةً الفيزياء، ومن المرجَّح أن تستمرّ في القيام بذلك الدور. هذا نقاشٌ طويُل الأمد. فقد عُرِضَ فصلٌ أوّليٌّ ممتعٌ من النقاش في أثينا خلال الفترة الكلاسيكية. في ذلك الوقت، تعلّم شبابُ العصر الذهبيّ في المدينة في المدارس الشّهيرة. وتميّز اثنان: مدرسة سقراط، والأكاديميّة، التي أسّسها المدعو أفلاطون. لم يكن التنافُّس بين الاثنين يتعلّق فقط بالجودة: كان نهجُهم التّعليميّ مختلفًا. إذ قدّم سقراطُ تعليمًا عمليًّا رفيعَ المستوى، ذلك أنّه علّم شباب أثينا المهارات والمعرفة المطلوبة مباشرةً ليصبحوا سياسيين ومحامين وقضاة ومهندسين معماريين وما إلى ذلك. أمّا الأكاديمية فقد ركّزت على مناقشة التّساؤلات العامّة حول الأسس: ما العدالة؟ ماذا سيكون أفضلُ القوانين؟ ما الجمال؟ ممّا صُنِعت المادة؟ وقد ابتكر أفلاطون اسمًا جيّدًا لهذه الطريقة لطرح الإشكاليّات: “الفلسفة”

كانت انتقادات سقراط لنهج أفلاطون في التعليم والمعرفة مباشرة وملحوظةً مثل ادّعاء هؤلاء العلماء المعاصرين الذين يقولون أنّ الفلسفة لا تقوم بأيّ دورٍ في العلوم: “أولئك الذين يمارسون الفلسفة والذين يحدّدون البراهين والحجج … وهم معتادون على الاستفسار، ولكن لا يشاركون في أيٍّ من وظائفهم العمليّة، … حتّى لو كانوا قادرين على التعامُّل مع شيءٍ ما، فإنّهم يفعلون ذلك تلقائيًّا بشكلٍ أسوأ، بينما أولئك الذين ليس لديهم معرفةً بالحجج [الفلسفة]، إذا دُرِّبوا [في العلوم الملموسة] وامتلكوا آراء صائبة، متفوّقة تمامًا لجميع الأغراض العمليّة. وبالتالي بالنسبة للعلوم، فإنّ الفلسفة عديمةُ الفائدة تمامًا.”

إعلان

كما حدث، كتب طالبٌ يافعٌ ذكيٌّ من مدرسة أفلاطون عملاً قصيرًا ردًّا على انتقادات سقراط: البروتربتيكس، وهو نص أصبح مشهورًا في العصور القديمة. غادر الزميل الشاب الذكيّ الذي قام بتأليف الكُتيّب في وقتٍ لاحقٍ أثينا، إلاّ أنّه عاد في نهاية المطاف لافتتاح مدرسته الخاصّة، وكانت لديه مسيرة مهنيّة جيدة. كان اسمه أرسطو.

لقد أثبتت ألفي سنة من تطور العلوم والفلسفة صحّة ذلك، وإن كان هناك شيء، فقد عزّزت دفاعات أرسطو عن الفلسفة ضدّ اتّهامات سقراط بأنّها عقيمة. ولا تزال حججه ذات صلة ويمكننا أن نستلهم منها للردّ على الادّعاءات الحاليّة بأنّ الفلسفة عديمة الفائدة بالنسبة للفيزياء.

تتمثّل أوّل حجج أرسطو في حقيقة أنّ النّظرية العامّة تدعم ويحدث أن تكون مفيدة لتطوير الممارسة. في الوقت الرّاهن، بعد ألفي سنة تطوّرت خلالها الفلسفة والعلوم بشكل كبير، أصبح الدليل التّاريخيّ بشأن تأثير الفلسفة على العلم هائلًا. فيما يلي بعض الأمثلة حول هذا التأثير، من علم الفلك والفيزياء. علم الفلك القديم – أي كلّ ما نعرفه عن كون الأرض كرويّة وحجمها وحجم الشّمس والقمر والمسافات نحو الشّمس والقمر وحركة الكواكب في السّماء والأساس الذي يظهر منه علم الفلك والفيزياء الحديثة، هو سليلٌ مباشرٌ للفلسفة.

طُرِحت الأسئلة التي حفّزت هذه التطوُّرات في الأكاديميّة ومدرسة ليسيوم، بدافعٍ من الاهتمامات النظريّة، بدلًا من العمليّة. وبعد قرون، اتّخذ كلٌّ من غاليليو ونيوتن خطوات كبيرة إلى الأمام، لكنّهما اعتمدا بشدّة على ما حدث من قبل. ووسّعوا المعرفة السابقة، وقاموا بإعادة تفسيرها، وإعادة صياغتها، والبناء عليها. كان عملُ غاليليو لا يمكن تصوّرُه دون الفيزياء الأرسطية. كان نيوتن صريحًا بشأن امتنانه للفلسفة القديمة، وخاصّة ديموقريطوس، للأفكار التي نشأت في الأصل عن الدّوافع الفلسفيّة، مثل مفاهيم الفضاء الخالي، والمذهب الذرّي وحركة الاستقامة الطبيعيّة. تستند مناقشة حاسمة له حول طبيعة الفضاء والوقت على مناقشاته مع (وضدّ) ديكارت. تأثّرت كلّ التطوّرات الكبيرة في الفيزياء بقوةٍ بالفلسفة في القرن العشرين. إذ ينبع ميكانيكا الكمّ من حدس هايزنبرغ، المرتكز على الجوّ الفلسفيّ الوضعيّ القويّ الذي وجد فيه نفسَه: يحصلُ المرءُ على المعرفة عن طريق الاقتصار على ما يمكن ملاحظته.

إنّ مُلخَّص دراسة هاينزبرغ لعام 1925 حول نظرية الكمّ صريحةٌ بهذا الشّأن: “الهدف من هذا العمل هو وضع الأساس لنظرية ميكانيكا الكمّ على أساسٍ حصريٍّ على العلاقات بين الكميّات التي يمكن ملاحظتُها من الناحية المبدئية. غذّى الموقف الفلسفيّ الواضح نفسه اكتشاف أينشتاين للنسبيّة الخاصّة: من خلال اقتصاره على ما يمكن ملاحظته، فإنّنا ندرك أن مفهوم التّزامن مُضلِّل. أدرك أينشتاين صراحةً امتنانه للكتابات الفلسفية لماخ وبوانكاريه. كانت التأثيرات الفلسفيّة على التصوّر الخاصّ بالنسبيّة العامّة أكثر قوّة. ولمرّة أخرى، كان صريحًا في إدراكه للحجج الفلسفيّة في لايبنز وبيركلي وماخ. وأكّد آينشتاين أنّه كان لشوبنهاور تأثيرٌ واسعُ النّطاق عليه حتّى.

ربّما لم تكن أفكارُ شوبنهاور بشأن الوقت والتمثيل صعبةً للغاية لإدراك أفكار أينشتاين المُفضية إلى النسبيّة العامّة. هل يمكن أن يكون من قبيل الصدفة حقًا، في أيّام شبابه، أن يكون الفيزيائيُّ الأعظم في القرن العشرين قد نصب جُلَّ هذا التركيز الواضح على الفلسفة، كقراءة كتاب لكانط “ثلاثة من النُقّاد” عندما كان عمره 15؟

لماذا هذا التأثير؟ لأنّ الفلسفة تُوفِّر الأساليب التي تُفضي إلى وجهات نظر جديدة وإلى التفكير النقدي. لدى الفلاسفة الأدوات والمهارات التي تحتاجها الفيزياء، ولكن لا ينتمون إلى تدريب الفيزيائيين: التحليل المفاهيميّ، الانتباه إلى الالتباس، دقّة التعبير، القدرة على اكتشاف الثغرات في الحجج القياسيّة، ابتكار وجهات نظر جديدة جذريًا؛ لتحديد نقاط الضعف المفاهيميّة، والبحث عن تفسيرات مفاهيميّة بديلة.

لا أحد يعرض هذا أفضل من آينشتاين نفسه: “إنّ الإحاطة علمًا بالخلفيّة التاريخيّة والفلسفيّة تمنحُ هذا النوع من الاستقلال عن الأحكام المُسبَّقة من جيله التي يعاني منها معظم العلماء. إنّ هذا الاستقلال الناشئ عن البصيرة الفلسفيّة – في رأيي – هو علامةٌ للتمييز بين مجرد حرفيّ أو مختصّ وبحث حقيقيّ عن الحقيقة. “يُقال أحيانًا أنّ العلماء لا يفعلون شيئًا ما لم يحصلوا أوّلاً على إذن من الفلسفة. إذا قرأنا ما قاله أعظم العلماء حول فائدة الفلسفة، علماء الفيزياء مثل هايزنبرغ، شرودنجر، بور وآينشتاين، نجد آراء معاكسة لآراء هوكينج ووينبرج. هذه حجة ثانية ترجع إلى أرسطو: أولئك الذين ينكرون فائدة الفلسفة، يمارسون الفلسفة. النقطة أقلّ سطحيّة ممّا قد تبدو عليه في البداية. لقد حصل كلٌّ من وينبرغ وهوكينغ على نتائج علميّة هامّة. في القيام بذلك، كانوا يمارسون العلم. في الواقع، لم يكونوا يمارسون الفيزياء من خلال كتابة أشياء مثل “الفلسفة عديمة الفائدة للفيزياء”، أو “الفلسفة ميتة”، بل كانوا يفكرون بشأنِ أفضلِ طريقةٍ لتطوير العلوم.

المسألة هي منهجية العلوم: من الشّواغل المركزيّة في فلسفة العلوم أن نسأل كيف يتمّ العلم وكيف يمكن دراسته ليكون أكثر فعاليّة. يُفكِّر العلماء الجيّدون في المنهجيّة الخاصّة بهم، ومن المناسب أن يفعل وينبرغ وهوكينغ ذلك أيضًا. ولكن كيف يُعبِّرون عن فكرة معيّنة حول منهجيّة العلم؟ هل هذه هي الحقيقة الأبديّة حول كيفيّة دراسة العلم دائمًا؟ وهل ينبغي أن تعمل؟ هل هو أفضلُ فَهْمٍ للعلوم لدينا في الوقت الحاضر؟ إنّه ليس كذلك. في الواقع، ليس من الصعب تتبُّع أصول أفكارهم. إذ تنشأ عن خلفيّة الفلسفة الوضعيّة المنطقيّة، تصحيح بوبر وكون. تعتمد الأيديولوجيّة المنهجيّة السائدة الحاليّة في الفيزياء النظريّة على مفاهيمهم حول قابليّة الدحض والثورة العلميّة، والتي تحظى بشعبيّة بين علماء الفيزياء النظريّة؛ وغالبًا ما يُشار إليهم، ويُوظَّفوا لتوجيه البحث وتقييم العمل العلمي.

علاوةٌ على ذلك، في إعلان عدم نفعيّة الفلسفة، فإنّ فاينبرج وهوكينغ وغيرهم من العلماء “المناهضين للفلسفة” يُشيدون في الحقيقة بفلاسفة العلوم التي قرأوها، أو الذين استوعبوا أفكارهم من بيئتهم. وهي بصمةٌ لا لبسَ فيها. عندما يُنظَر إليها على أنّها مجموعةٌ من البيانات الزائفة، وهي كلمات تشبه العبارات ولكن ليس لها معنى مناسب، من النوع المتكرّر. على سبيل المثال، الطريقة التي يسخر فيها نيل ديغراس تايسون من الفلسفة فإنّ هذه الانتقادات يمكن تتبُّعها بسهولة إلى موقف تجريبييّ فيينا المناهض للميتافيزيقيا.

أمام كلّ هذه اللعنات المُوجَّهة ضدّ “الفلسفة”، يمكن للمرء أن يسمع تقريبًا شعار تجريبييّ فيينا “لا للميتافيزيقيا”. وهكذا، عندما صرَّح وينبرج وهوكينج بأنّ الفلسفة غير نفعيّة، فإنّهم يعلنون، في الواقع، تمسُّكهم بفلسفة علميّة معيّنة. من حيث المبدأ، لا حرج في ذلك، ولكنَّ المشكلة تكمن في كونها ليست فلسفة جيّدة جدًّا للعلوم. فمن ناحية، عَمَلَ نيوتن وماكسويل وبولتزمان وداروين ولافوازييه والعديد من العلماء الرئيسيين الآخرين ضمن منظورٍ منهجيٍّ مختلفٍ، وقاموا بعملٍ جيّدٍ أيضًا. من ناحية أخرى، تقدّمت فلسفة العلوم منذ كارناب وبوبر وكوهن ، حيث أُدرِك أنّ الطريقة التي يُعمَل بها العلم بفعاليةٍ هي أغنى وأكثرُ دقّةٍ من الطريقة التي صُوّرت بها في تحليل هؤلاء المفكّرين. يكمن خطأ وينبرغ وهوكينج في فهم معيّن مقيّد ومحدود تاريخيًا للعلم بسبب المنطق الأبديّ للعلوم نفسها. يتمثّل ضعف موقفهم في قلّة الوعي بالطوارئ التاريخيّة الهشّة.

هم يقدّمون العلم كفرع من المعرفة له منهجيّة واضحة وغير مثيرة للجدل، كما لو كان هذا هو نفسه من عهد بيكون إلى اكتشاف موجات الجاذبيّة، أو كما لو كان من الواضح تمامًا ما يجب أن نفعله وكيف يجب أن نفعل ذلك عندما نمارس العلم، إلاّ أنّ الواقعَ مختلفٌ. أعاد العلم تحديد فهمه لنفسه مرارًا وتكرارًا، إلى جانب أهدافه وأساليبه وأدواته. وقد لعبت هذه المرونة دورًا رئيسيًّا في نجاحه. دعونا نفكّر في بعض الأمثلة من الفيزياء وعلم الفلك. في ضوء نظريّات هيبارخوس وبطليموس التنبؤيّة النّاجحة بشكل خارق للعادة، كان هدف علم الفلك هو إيجاد التركيبة الصحيحة من الدوائر لوصف حركة الأجرام السماوية حول الأرض..

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: درة شقمة

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.