تأخذك إلى أعماق الفكر

الشخصية الإسرائيلية

اليهود من أكثر -إن لم يكن أكثر- الجماعات التي أثارت اهتمامات الشعوب حول العالم، لدرجة أن أصبحت كراهيتهم جُزءًا من تراث بعض الشعوب، وأصبحت العديد من الشعوب تورث لأبنائها أناشيدًا تتغنى بها في معاداة الشخصية اليهودية، فمنذ العصور الوسطى وزمن المناظرات وإلى أن أصبحت القُدس عاصمةً لإسرائيل، مرورًا بطرد اليهود من أوروبا وخصوصًا فرنسا في الفترات السابقة، تشرد اليهود مئات المرات، فقد طُردوا من ألمانيا والاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) والعديد من الدول الأخرى، سواء أكان هذا بسبب الاختلاف العرقي أو الديني أو السياسي.

اليهود وكم يتكرر هذا الاسم في المناصب السياسية العالية، وفي أسماء العلماء الكبار، أليس من الغريب أن هذا الاسم يترك يدًا تتلاعب في كل مكانٍ ومجال؟ يدًا تتلاعب وبقوة، فهي ليست في أي منصب، بل يجب أن تكون في أعلى المناصب في أي تخصص نريد أن نتكلم عنه. أذكر في فترات ما قبل ثورة 25 يناير، كان يذكر لي أحد الكهول، أن حسني مبارك (الرئيس المصري المخلوع) تزوج من سوزان، وهي تنتمي لعائلة يهودية، وأن المشاريع التي تمولها تأتي بها من أموال اليهود ومن الواجب مقاطعتها لأنها تدُس السم في العسل.

وأعتقد كذلك أننا جميعنا نتذكر “بروتكولات حكام صهيون” الكتاب الشهير الذي يتناول اتفاقياتهم على خراب وتدمير العالم، والذي ظهر عام 1897 في بازل، والتي قد تلاها تيودور هرتزل على المؤتمر، كما قال مؤلف الكتاب على الأقل، وقد ثبت في النهاية أن الكتاب ليس سوى تزوير إحدى مقالات كاتب صحفي فرنسي يسمى موريس جولي، كان يسخر فيه من نابليون الثالث تحت عنوان “حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو”، أو سياسية في القرن التاسع عشر، وقد نُشر في بروكسل عام 1864، لكن رغم كل هذا، يدعنا تزوير الكتاب، ونسبته لحكام صهيون، والإيمان التام بأنهم هم من وراء المؤامرة التاريخية ضد العالم أجمع، كل هذا يجعلنا نقف أمامهم عدة وقفات، فلمَ هم بالذات مصدر جميع الشرور؟

من يقول الكلام عن اليهود لا يشترط على الإطلاق أن يقوله عن النصارى، وفي الواقع رأيت بعيني مسيحية ومسلمة تسبان وتلعنان في اليهود بسبب قصة قرأتها إحداهما على الفيسبوك؛ أن يهوديًا قتل طفلاً فلسطينيًا قام بتقبيل ابنته قبلة حبٍ ومودةٍ.

فالكراهية لليهود ليست كراهية طائفية تنبع من أحد المتعصبين، بل هي كراهية خاصة تمامًا، وقد تبين هذا مراتٍ عديدة منذ قيام دولة إسرائيل في مواقف كثيرة، وأعتقد أن أشهرها حادثة سليمان خاطر، والتي لم تصل الجيل الجديد بشكلٍ كامل، بل يتغنى بها الجيل القديم ويتمجد بحضوره للثورات في وقتها، وكيف دافع عن سليمان الذي قتل عددًاً -وهو سبعة يهود- عندما تسللوا إلى نقطة حراسته يوم الخامس من أكتوبر عام 1985.

إعلان

فرغم أن السلام قد حل -سياسيًا على الأقل- إلا أن الناس تغنوا فرحًا بما فعله سليمان، وكأنه انتقم لسخط قلوبهم.

والأحداث في تراث الشعوب الأخرى متشابهة، ففرانسا على الأقل قامت بعشرات المذابح والمطاردات والتشريد لليهود في عهودها السابقة، وغالبًا ما كان يأتي الحاكم الأمرُ من شخصيات دينية مسيحية، وسُمي هذا فيما بعد بعداء السامية، أو ضد السامية anti-semitism.

لذا فنحن نستنتج أن أغلب الذي حدث ليس نابعًا من طائفية عرقية أو طبقية، بل من الدين أولاً، والذي قد يرتبط بالاثنين، فنحن نجد مُلحدًا يهوديًا ولكن لن نجد مُلحدًا مسلمًا أو ملحدًا مسيحيًا؛ لأن اليهودية أصبحت تشمل العرقية كذلك وليس الدين وحسب، أما ضد السامية، فأول مرةٍ ظهر هذا المصطلح كان في عام 1879 على يد الصحفي الألماني فيلهلم مار، كي يصف كره اليهود والعداء تجاههم.

وكما قد شملت اليهودية التأثر بالنسل، فقد شهدت المعاداة لها كذلك هذا التأثير، فمعاداة السامية ترجع للتاريخ المبكر لليهود، من بابل وإلى روما، مرورًا باليونان، حيث كان اليهود الذين وُلدوا في مملكتي إسرائيل ويهوذا القديمتين غالبًا ما يتعرضون للاضطهاد والانتقاد بسبب رغبتهم في الانفصال عن الغير وبناء مجتمع ثقافي منفصل عن كل المجتمعات الأخرى تمامًا.

ثم عند ظهور المسيحيين الأوائل، بدأت العداوة ضد اليهود تكثر أكثر فأكثر، فظهرت الحكايات المتداولة بينهم، مثل أن اليهود يقومون بخطف الأولاد الصغار النصارى، ويقتلونهم كي يصنعوا الخبز لعيد الفصح، ويمكن قول أن مثل هذه الأفكار كانت الأب الروحي لـ معاداة اليهود في أوروبا.

– اليهود في أوروبا الوسطى

العديد مما حصل في ألمانيا النازية كان له جذور أصلية في العصور الوسطى السابقة، فكلمة “غيتو” والتي تعني المعزل، كان يُشار إليها بالمنطقة التي يعيش فيها مجموعة من الناس يعتبرهم أغلبية السكان أنهم خلفية لعرقية معينة أو لدين معين تخصهم هم وحدهم، وأصل الكلمة يعود إلى الإشارة لحي اليهود في المُدن، وقد ظهرت “حارات اليهود” لأول مرة في 1941 في بولندا، في الأراضي السوفيتية المحتلة بغرض عزل السكان اليهود وتسهيل عملية نهب ممتلكاتهم واستغلالهم في العمل القسري، وأُحيطت كل هذه الغيتوات بسياجات وأسوار لتقطع اتصالهم بالعالم الخارجي تمامًا.

ومحاولات الفصل هذه جرت سابقًا في أوروبا الوسطى، وأعتقد أن مُصطلح “الجودنوت Judenhut” والتي تعني القبعة اليهودية وهي قُبعة تطلبت بعض الدول أن يرتديها اليهود كي يتم التمييز بينهم وبين المسيحيين، أو أن يضعوا إشارة صفراء فوق ملابسهم، فكل هذه تعتبر جذور واضحة لعملية تفرقة اليهود عن المسيحيين.

لم تكن المسيحية المبكرة تسمح بالفائدة المالية، لهذا تميز اليهود بشكل واضح وأصبحوا بارزين في الأعمال المصرفية، وأدى هذا لجعلهم من كبار المُستوليين الاقتصاديين، مما أدى لطردهم من عدة دول ونهب أموالهم في دول مثل فرنسا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

يمكننا القول أن اليهود قد حُرموا من المواطنة والحريات المدنية -فقد أُمر بإحراق التلمود عدة مرات وإحراق العديد من الكتب الدينية، كما كان يخشى المناظرون من الخوض في مناظرات خوفًا على أهلهم وأنفسهم، وإن خاضوا لم يتكلموا فيها بما قد يُثير المسيحيين تجاههم- بما في ذلك الحرية الدينية في معظم أوروبا في العصور الوسطى.

وكي نكون عادلين في قولنا، يجب أن نذكر الأمير البولندي التقي بوليسلاف Bolesław the Pious والذي أصدر قرارًا يسمح فيه لليهود بالحرية الشخصية والسياسية والدينية، أما غير ذلك فلم يحصل اليهود على الجنسية أو كسب حقوقهم في معظم أنحاء أوروبا الغربية، حتى أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

– الشخصية اليهودية
تحليل فرويد للشخصية اليهودية

أما فرويد الملحد، وتحديدًا المُلحد اليهودي، وبعد هذا التحديد قد يتبين لنا اهتمام خاص لفرويد في التحليل النفسي للشخصية اليهودية؛ فقد نشر مقالته الأولى تحت عنوان “موسى ومايكل أنجلو” في عام 1914، ثم نشر كتابه “موسى والتوحيد” الجزء الأول والثاني في عام 1937، وكان الجزء الثالث في عام 1939، وكان هذا الكتاب هو التحليل الفرويدي الكامل للشخصية اليهودية.

أما عن آراء فرويد تجاههم، فيمكننا تلخيصها في نقاط بسيطة؛ فالرواية اليهودية لقصة موسى غير منطقية؛ فالأصح أن يكون الفرعون قد حلم أن ابن ابنته سيكون خطرًا عليه، لذلك أمر بإلقائه في النيل فوجده اليهود وقاموا بتربيته، وليس العكس كما تقول الرواية اليهودية، وهنا نرى أن فرويد كان من أول المشككين في الرواية التوراتية، ودعمه لباحثين جدد في الميثولوجي وتاريخ الأديان مثل جيمس هنري برستد وجيرهارد ماير.

إن صحت الرواية السابقة، فهذا يؤكد أن موسى مصري، ليس عبراني، ومن يسمع هذا الكلام يحل عليه محل من يقول أن ترامب ليس أمريكيًا، فهذا النفي الفرويدي ليس فقط لمجرد النفي، وإنما هو يريد أن ينفي أسطورة الشعب المختار بسبب أنه يهودي.

يرى فرويد أن موسى قد قُتل على يد اليهود، وهذا لأنهم لم يستطيعوا الارتقاء إلى المستوى الروحاني اللازم عليهم كما يريد منهم الله، وكان يستدل بأقوال مؤرخين يهوديين مبكرين.

فرويد لا يشكك وحسب في التراث اليهودي، بل في التوراة كذلك، فيرى أن التوراة تحتوي على معلومات مفيدة ولا تقدر بثمن لكنها حُرفت وجُملت بشكل شعري، ويدعم رأيه بتباعد الفترات الزمنية لتدوين التوراة، والذي لم يكتمل إلا بعد ظهور موسى بتسعة قرون.

والاهتمام النفسي الواضح بالشخصية اليهودية لم يأتِ من فراغ على الإطلاق، فها هي الدراسات الحديثة تُثبت وجود المشاكل النفسية في الحياة اليومية لليهود، فعلى سبيل المثال أثبت الباحث كينيون أن اليهود من أكثر الناس عرضة للإصابة بتوهم المرض (الهايبو كونديرا)، كما أن الانغلاق الذي رغب فيه اليهود على “حارة اليهود” يُعد نوعًا واضحًا جدًا من البارانويا، والعديد من المشاكل النفسية التي تظهر في الشعوب اليهودية، مثل احتكار الشعوب الأخرى، وعدم تواجد الإحساس بالوطنية الذاتية، فنجد حقًا أن العديد من اليهود قدموا نفسهم لخيانة وطنهم، فهم هنا يفقدون كل حس اجتماعي.

– المجتمع الإسرائيلي واليهودي

أما الشخصية الإسرائيلية فهي غير موجودة، لأنها لا تسيطر عليها أغلبية معينه كي نحدد شخصية “إسرائيلية”، فقد جاءت إسرائيل باليهود من كل العالم، حتى إننا لنذكر أنها ضغطت على أمريكا كي تكف عن استقبال يهود الإتحاد السوفيتي، كي تستقبلهم هي، فالرغبة من الواضح جدًا أنها تمثلت في قيام دولة دينية في الأساس تكون عاصمتها القُدس.

صورت إسرائيل نفسها كواحة للديموقراطية في الوطن العربي، رغم أنها حتى الآن لم تضع لنفسها دستورًا واضحًا، بسبب رغباتها العدائية في زيادة مساحة أرضها، والذي لن تستطع وضعه في الدستور، فالوضع الإسرائيلي يرى أنه مُضطهد، وأنهُ لم يأخذ حقه في أرضه كاملةً حتى يومنا هذا، وكذلك ساعد الكثير من العرب في تصوير إسرائيل أنها واحة الديموقراطية، وعلى الرغم أنه ادعاء غريب إلا أنهُ ليوقفنا للنظر في أسبابه، والتي قد تعددت من تمويلٍ خارجي، إلى أنه خُدع بالإعلانات التي روجتها إسرائيل عن نفسها.

أما الحقيقة التي نراها فتُثبت لنا عكس الادعاء الديموقراطي تمامًا، فإسرائيل هي دولة ثيوقراطية بامتياز، وإذا كان هذا من المحكمة القضائية الدينية، أو الشوارع اليهودية المنفصلة والتي يُمنع فيها العديد من الأشياء التي نهت عنها الديانة، والتي يمنع من دخولها الكاميرات، أو المُتبرجات، ويمنع التصوير فيها نهائيًا، وبالطبع أغلب الأجهزة الإلكترونية ممنوعة في تلك الشوارع، وتحاكم الدولة من يقوم بعمل أي انتهاك بعد تحذيره، فإسرائيل تمنح كل حقوقها لليهود أولاً، وخاصةً الأصوليين منهم، ثم بعض الحقوق الجُزئية للعرب في إسرائيل، أما محاولاتهم لبث الديموقراطية، فمن الواضح أنها مجرد مشروع استثماري، يرتدون فيه ثوب الديموقراطية أمام العالم ليس إلا، وأضف إلى هذا الوهم رغبة الإسرائيليين أنفسهم، فالإسرائيليون هم أكثر من يعادون الدولة الديموقراطية، ففي 1995 أُجري استفتاء أوضح أن أغلبية ساحقة وهي 91.1% من الإسرائيليين لم يوافقوا على قيام دولة ديموقراطية على الإطلاق، فاليهود راضون جدًا عن الدولة الإثنية وسياستها مع العرب.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: صالح محمد

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.