تأخذك إلى أعماق الفكر

الشخصية الإسرائيلية

0

اليهود من أكثر -إن لم يكن أكثر- الجماعات التي أثارت اهتمامات الشعوب حول العالم، لدرجة أن أصبحت كراهيتهم جُزءًا من تراث بعض الشعوب، وأصبحت العديد من الشعوب تورث لأبنائها أناشيدًا تتغنى بها في معاداة الشخصية اليهودية، فمنذ العصور الوسطى وزمن المناظرات وإلى أن أصبحت القُدس عاصمةً لإسرائيل، مرورًا بطرد اليهود من أوروبا وخصوصًا فرنسا في الفترات السابقة، تشرد اليهود مئات المرات، فقد طُردوا من ألمانيا والاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) والعديد من الدول الأخرى، سواء أكان هذا بسبب الاختلاف العرقي أو الديني أو السياسي.

اليهود وكم يتكرر هذا الاسم في المناصب السياسية العالية، وفي أسماء العلماء الكبار، أليس من الغريب أن هذا الاسم يترك يدًا تتلاعب في كل مكانٍ ومجال؟ يدًا تتلاعب وبقوة، فهي ليست في أي منصب، بل يجب أن تكون في أعلى المناصب في أي تخصص نريد أن نتكلم عنه. أذكر في فترات ما قبل ثورة 25 يناير، كان يذكر لي أحد الكهول، أن حسني مبارك (الرئيس المصري المخلوع) تزوج من سوزان، وهي تنتمي لعائلة يهودية، وأن المشاريع التي تمولها تأتي بها من أموال اليهود ومن الواجب مقاطعتها لأنها تدُس السم في العسل.

وأعتقد كذلك أننا جميعنا نتذكر “بروتكولات حكام صهيون” الكتاب الشهير الذي يتناول اتفاقياتهم على خراب وتدمير العالم، والذي ظهر عام 1897 في بازل، والتي قد تلاها تيودور هرتزل على المؤتمر، كما قال مؤلف الكتاب على الأقل، وقد ثبت في النهاية أن الكتاب ليس سوى تزوير إحدى مقالات كاتب صحفي فرنسي يسمى موريس جولي، كان يسخر فيه من نابليون الثالث تحت عنوان “حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو”، أو سياسية في القرن التاسع عشر، وقد نُشر في بروكسل عام 1864، لكن رغم كل هذا، يدعنا تزوير الكتاب، ونسبته لحكام صهيون، والإيمان التام بأنهم هم من وراء المؤامرة التاريخية ضد العالم أجمع، كل هذا يجعلنا نقف أمامهم عدة وقفات، فلمَ هم بالذات مصدر جميع الشرور؟

من يقول الكلام عن اليهود لا يشترط على الإطلاق أن يقوله عن النصارى، وفي الواقع رأيت بعيني مسيحية ومسلمة تسبان وتلعنان في اليهود بسبب قصة قرأتها إحداهما على الفيسبوك؛ أن يهوديًا قتل طفلاً فلسطينيًا قام بتقبيل ابنته قبلة حبٍ ومودةٍ.

إعلان

فالكراهية لليهود ليست كراهية طائفية تنبع من أحد المتعصبين، بل هي كراهية خاصة تمامًا، وقد تبين هذا مراتٍ عديدة منذ قيام دولة إسرائيل في مواقف كثيرة، وأعتقد أن أشهرها حادثة سليمان خاطر، والتي لم تصل الجيل الجديد بشكلٍ كامل، بل يتغنى بها الجيل القديم ويتمجد بحضوره للثورات في وقتها، وكيف دافع عن سليمان الذي قتل عددًاً -وهو سبعة يهود- عندما تسللوا إلى نقطة حراسته يوم الخامس من أكتوبر عام 1985.

فرغم أن السلام قد حل -سياسيًا على الأقل- إلا أن الناس تغنوا فرحًا بما فعله سليمان، وكأنه انتقم لسخط قلوبهم.

والأحداث في تراث الشعوب الأخرى متشابهة، ففرانسا على الأقل قامت بعشرات المذابح والمطاردات والتشريد لليهود في عهودها السابقة، وغالبًا ما كان يأتي الحاكم الأمرُ من شخصيات دينية مسيحية، وسُمي هذا فيما بعد بعداء السامية، أو ضد السامية anti-semitism.

لذا فنحن نستنتج أن أغلب الذي حدث ليس نابعًا من طائفية عرقية أو طبقية، بل من الدين أولاً، والذي قد يرتبط بالاثنين، فنحن نجد مُلحدًا يهوديًا ولكن لن نجد مُلحدًا مسلمًا أو ملحدًا مسيحيًا؛ لأن اليهودية أصبحت تشمل العرقية كذلك وليس الدين وحسب، أما ضد السامية، فأول مرةٍ ظهر هذا المصطلح كان في عام 1879 على يد الصحفي الألماني فيلهلم مار، كي يصف كره اليهود والعداء تجاههم.

وكما قد شملت اليهودية التأثر بالنسل، فقد شهدت المعاداة لها كذلك هذا التأثير، فمعاداة السامية ترجع للتاريخ المبكر لليهود، من بابل وإلى روما، مرورًا باليونان، حيث كان اليهود الذين وُلدوا في مملكتي إسرائيل ويهوذا القديمتين غالبًا ما يتعرضون للاضطهاد والانتقاد بسبب رغبتهم في الانفصال عن الغير وبناء مجتمع ثقافي منفصل عن كل المجتمعات الأخرى تمامًا.

ثم عند ظهور المسيحيين الأوائل، بدأت العداوة ضد اليهود تكثر أكثر فأكثر، فظهرت الحكايات المتداولة بينهم، مثل أن اليهود يقومون بخطف الأولاد الصغار النصارى، ويقتلونهم كي يصنعوا الخبز لعيد الفصح، ويمكن قول أن مثل هذه الأفكار كانت الأب الروحي لـ معاداة اليهود في أوروبا.

– اليهود في أوروبا الوسطى

العديد مما حصل في ألمانيا النازية كان له جذور أصلية في العصور الوسطى السابقة، فكلمة “غيتو” والتي تعني المعزل، كان يُشار إليها بالمنطقة التي يعيش فيها مجموعة من الناس يعتبرهم أغلبية السكان أنهم خلفية لعرقية معينة أو لدين معين تخصهم هم وحدهم، وأصل الكلمة يعود إلى الإشارة لحي اليهود في المُدن، وقد ظهرت “حارات اليهود” لأول مرة في 1941 في بولندا، في الأراضي السوفيتية المحتلة بغرض عزل السكان اليهود وتسهيل عملية نهب ممتلكاتهم واستغلالهم في العمل القسري، وأُحيطت كل هذه الغيتوات بسياجات وأسوار لتقطع اتصالهم بالعالم الخارجي تمامًا.

ومحاولات الفصل هذه جرت سابقًا في أوروبا الوسطى، وأعتقد أن مُصطلح “الجودنوت Judenhut” والتي تعني القبعة اليهودية وهي قُبعة تطلبت بعض الدول أن يرتديها اليهود كي يتم التمييز بينهم وبين المسيحيين، أو أن يضعوا إشارة صفراء فوق ملابسهم، فكل هذه تعتبر جذور واضحة لعملية تفرقة اليهود عن المسيحيين.

لم تكن المسيحية المبكرة تسمح بالفائدة المالية، لهذا تميز اليهود بشكل واضح وأصبحوا بارزين في الأعمال المصرفية، وأدى هذا لجعلهم من كبار المُستوليين الاقتصاديين، مما أدى لطردهم من عدة دول ونهب أموالهم في دول مثل فرنسا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

يمكننا القول أن اليهود قد حُرموا من المواطنة والحريات المدنية -فقد أُمر بإحراق التلمود عدة مرات وإحراق العديد من الكتب الدينية، كما كان يخشى المناظرون من الخوض في مناظرات خوفًا على أهلهم وأنفسهم، وإن خاضوا لم يتكلموا فيها بما قد يُثير المسيحيين تجاههم- بما في ذلك الحرية الدينية في معظم أوروبا في العصور الوسطى.

وكي نكون عادلين في قولنا، يجب أن نذكر الأمير البولندي التقي بوليسلاف Bolesław the Pious والذي أصدر قرارًا يسمح فيه لليهود بالحرية الشخصية والسياسية والدينية، أما غير ذلك فلم يحصل اليهود على الجنسية أو كسب حقوقهم في معظم أنحاء أوروبا الغربية، حتى أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

– الشخصية اليهودية
تحليل فرويد للشخصية اليهودية

أما فرويد الملحد، وتحديدًا المُلحد اليهودي، وبعد هذا التحديد قد يتبين لنا اهتمام خاص لفرويد في التحليل النفسي للشخصية اليهودية؛ فقد نشر مقالته الأولى تحت عنوان “موسى ومايكل أنجلو” في عام 1914، ثم نشر كتابه “موسى والتوحيد” الجزء الأول والثاني في عام 1937، وكان الجزء الثالث في عام 1939، وكان هذا الكتاب هو التحليل الفرويدي الكامل للشخصية اليهودية.

أما عن آراء فرويد تجاههم، فيمكننا تلخيصها في نقاط بسيطة؛ فالرواية اليهودية لقصة موسى غير منطقية؛ فالأصح أن يكون الفرعون قد حلم أن ابن ابنته سيكون خطرًا عليه، لذلك أمر بإلقائه في النيل فوجده اليهود وقاموا بتربيته، وليس العكس كما تقول الرواية اليهودية، وهنا نرى أن فرويد كان من أول المشككين في الرواية التوراتية، ودعمه لباحثين جدد في الميثولوجي وتاريخ الأديان مثل جيمس هنري برستد وجيرهارد ماير.

إن صحت الرواية السابقة، فهذا يؤكد أن موسى مصري، ليس عبراني، ومن يسمع هذا الكلام يحل عليه محل من يقول أن ترامب ليس أمريكيًا، فهذا النفي الفرويدي ليس فقط لمجرد النفي، وإنما هو يريد أن ينفي أسطورة الشعب المختار بسبب أنه يهودي.

يرى فرويد أن موسى قد قُتل على يد اليهود، وهذا لأنهم لم يستطيعوا الارتقاء إلى المستوى الروحاني اللازم عليهم كما يريد منهم الله، وكان يستدل بأقوال مؤرخين يهوديين مبكرين.

فرويد لا يشكك وحسب في التراث اليهودي، بل في التوراة كذلك، فيرى أن التوراة تحتوي على معلومات مفيدة ولا تقدر بثمن لكنها حُرفت وجُملت بشكل شعري، ويدعم رأيه بتباعد الفترات الزمنية لتدوين التوراة، والذي لم يكتمل إلا بعد ظهور موسى بتسعة قرون.

والاهتمام النفسي الواضح بالشخصية اليهودية لم يأتِ من فراغ على الإطلاق، فها هي الدراسات الحديثة تُثبت وجود المشاكل النفسية في الحياة اليومية لليهود، فعلى سبيل المثال أثبت الباحث كينيون أن اليهود من أكثر الناس عرضة للإصابة بتوهم المرض (الهايبو كونديرا)، كما أن الانغلاق الذي رغب فيه اليهود على “حارة اليهود” يُعد نوعًا واضحًا جدًا من البارانويا، والعديد من المشاكل النفسية التي تظهر في الشعوب اليهودية، مثل احتكار الشعوب الأخرى، وعدم تواجد الإحساس بالوطنية الذاتية، فنجد حقًا أن العديد من اليهود قدموا نفسهم لخيانة وطنهم، فهم هنا يفقدون كل حس اجتماعي.

– المجتمع الإسرائيلي واليهودي

أما الشخصية الإسرائيلية فهي غير موجودة، لأنها لا تسيطر عليها أغلبية معينه كي نحدد شخصية “إسرائيلية”، فقد جاءت إسرائيل باليهود من كل العالم، حتى إننا لنذكر أنها ضغطت على أمريكا كي تكف عن استقبال يهود الإتحاد السوفيتي، كي تستقبلهم هي، فالرغبة من الواضح جدًا أنها تمثلت في قيام دولة دينية في الأساس تكون عاصمتها القُدس.

صورت إسرائيل نفسها كواحة للديموقراطية في الوطن العربي، رغم أنها حتى الآن لم تضع لنفسها دستورًا واضحًا، بسبب رغباتها العدائية في زيادة مساحة أرضها، والذي لن تستطع وضعه في الدستور، فالوضع الإسرائيلي يرى أنه مُضطهد، وأنهُ لم يأخذ حقه في أرضه كاملةً حتى يومنا هذا، وكذلك ساعد الكثير من العرب في تصوير إسرائيل أنها واحة الديموقراطية، وعلى الرغم أنه ادعاء غريب إلا أنهُ ليوقفنا للنظر في أسبابه، والتي قد تعددت من تمويلٍ خارجي، إلى أنه خُدع بالإعلانات التي روجتها إسرائيل عن نفسها.

أما الحقيقة التي نراها فتُثبت لنا عكس الادعاء الديموقراطي تمامًا، فإسرائيل هي دولة ثيوقراطية بامتياز، وإذا كان هذا من المحكمة القضائية الدينية، أو الشوارع اليهودية المنفصلة والتي يُمنع فيها العديد من الأشياء التي نهت عنها الديانة، والتي يمنع من دخولها الكاميرات، أو المُتبرجات، ويمنع التصوير فيها نهائيًا، وبالطبع أغلب الأجهزة الإلكترونية ممنوعة في تلك الشوارع، وتحاكم الدولة من يقوم بعمل أي انتهاك بعد تحذيره، فإسرائيل تمنح كل حقوقها لليهود أولاً، وخاصةً الأصوليين منهم، ثم بعض الحقوق الجُزئية للعرب في إسرائيل، أما محاولاتهم لبث الديموقراطية، فمن الواضح أنها مجرد مشروع استثماري، يرتدون فيه ثوب الديموقراطية أمام العالم ليس إلا، وأضف إلى هذا الوهم رغبة الإسرائيليين أنفسهم، فالإسرائيليون هم أكثر من يعادون الدولة الديموقراطية، ففي 1995 أُجري استفتاء أوضح أن أغلبية ساحقة وهي 91.1% من الإسرائيليين لم يوافقوا على قيام دولة ديموقراطية على الإطلاق، فاليهود راضون جدًا عن الدولة الإثنية وسياستها مع العرب.

لعل أفضل تعبير عن الوضع الإسرائيلي هو ما وصفه أورن بيجال المحاضر في كلية الجغرافيا بجامعة بن جوريون في مقالته “وهم الديموقراطية الإسرائيلية” عندما أكد أنه لا يوجد في إسرائيل -حتى الآن- بنية تحتية سياسية مكانية وقانونية.

ويمكننا تلخيص المشاكل التي تعانيها الديموقراطية الإسرائيلية في ثلاث نقاطٍ فقط:
الأولى: غياب أي جذور للديموقراطية في الأحزاب السياسية.
الثانية: وجود فجوة اجتماعية كبرى بين اليهود المتدينين والعلمانيين.
الثالثة: عدم وجود حل لمشكلة الأقلية العربية.

ونقف وقفةً عند النقطة الثانية التي ستقودنا للمجتمع الإسرائيلي، فهم ينقسمون لقسمين، الإشكناز، والسفارديم، والمستضعفون في الأرض، أما الإشكناز فهم المسيطرون على الحياة السياسية والفكرية والتعليمية وعلى الحركات الأدبية والفنية، وعلى الحياة الفعلية في إسرائيل بسبب عجز الفئة الأخرى، وأما اليهود السفارديم فهم أغلب اليهود الشرقيون، وهم يمثلون فئة البطالة والتخلف والرجعية الأصولية في إسرائيل، وعلى الرغم من المحاولات التي حدثت لفك هذا التباعد بينهما، فإن التمايز لا يزال ملحوظًا للغاية، فمستوى السفاريدم تعليميًا مُنعدم مقارنةً بـ الإشكناز، وبالرغم من أنهم يمثلون 60% من المجتمع الإسرائيلي إلا أن السفارديم يتمتعون بضعف امتيازاتهم.

فلقد أقر المؤسسون الأوائل بأنهُ “يجب بناء دولة ذات طابع أوروبي يختلف كليًا عن الطابع السائد في المنطقة العربية، ومنذ اللحظة الأولى ارتكزت عملية الاستيعاب على إعلاء شأن الثقافة الغربية، وفي الوقت نفسه اتجهت أساليب عدة لتهميش الثقافة الشرقية التي انحدر منها اليهود الشرقيون”، وكل هذه المحاولات الفاشلة في التهميش قد ساهمت وبشكلٍ كبير في جعل اليهود السفارديم أكثر بغضاءً وحبًا للانقسام عمن يحتقرهم، ففي 1971 تم تأسيس حركة سياسية واجتماعية تسمى الفهود السود، وفي عام 1981 تم تأسيس حركة تامي، وتامي تعني حركة تقاليد إسرائيل، بزعامة أهارون أبو حتسيرة، ويعكس هذا المشاكل السياسية، فقد عُرف أن حزب الليكود هو الحزب اليهودي الممثل لليهود الشرقيون، وحزب العمل هو حزب اليهود الإشكناز.

تقول النكتة: في إحدى المرات سأل أجنبيٌ إشكينازيًا: ما هو سر كراهيتكم العميقة للعرب؟ أجاب الإشكينازي: لأنهم يشبهون اليهود العرب! توضح هذه النكتة الانفعال النفسي كذلك من السفارديم، والذين يصبون كل كرههم على العرب، فهم -من وجهة نظرهم- منبع التخلف الذي أصابهم وجعلهم غير منسجمين مع المجتمعات المُتحضرة، ولهذا السبب بالضبط قد تحول اليهود الشرقيون لليمين السياسي، فلقد رغبو ومن كل قلبهم بالانتقام من الأحزاب اليسارية، وخصوصًا حزب العمل الذي سد مصالحهم في البلاد وجعلهم فئة متخلفة، وكذلك من أهم أسباب الانشقاق أن اليهود الشرقيون يميلون للقومية والرموز الدينية، حتى أنه حصلت خلافات بينهم على أسماء مُدنٍ وشوارع، فالإشكناز ذوي طابعٍ علماني نوعًا ما، فلم يرغبوا بأسماء من الكتاب المُقدس للمدن والشوارع.

وتقول لنا إحدى الدراسات التي أجراها معهد جوتمان، أن معظم اليهود محافظون على التقاليد، وأن القليل منهم ذوي ميول علمانية، ووضحت الدراسة أن نسبة العلمانيين في إسرائيل تصل إلى 20% معظمهم من اليهود الغربيون، وتقدر نسبة التقليديين بـ 55% من معظم اليهود الشرقيين، وتبلغ نسبة اليهود المتدينين والصهيونيين نحو 17%، والحريديم الأصوليين بلغت نسبتهم 8%، وكالعادة تمثل الحريديم فئة اليمين المتطرف في أي عملية تسوية سلمية.

أما الحياة اليهودية فهي عادية نوعيًا بالنسبة للإشكنازي، أما الشرقي والحريديم الأصوليين، فالأمر مُعقدٌ تمامًا، فهم يعيشون في شوارع محددة منفصلون عن باقي المجتمع، ولا يستطيعون فعل أي شيء قبل أخذ رأي “الحاخام”، وهي تعني الرباني في العبرية، فيُمنع عليك شراء هاتف إن لم يوافق على ذلك الحاخام، والحاخام يعلم ما لا نعلمه، ويرى الوقت المناسب لأن يستعمل هذا هاتفًا وأن يُعاشر ذاك زوجته.

ويمكننا فهم المشكلة السفارديامية، أو مشكلة اليهود الشرقية في البطالة، فهي تتمثل في أن الرجال لا يجب عليهم أن يعملوا، بل عبء العمل كله محمل على النساء، والرجل يجب عليه فقط الدراسة الدينية والصلاة وممارسة باقي الشعائر وقراءة التوراة مراتٍ ومراتٍ ومرات، وبالطبع لا تلفاز، لا ألعاب الكترونية، لا هواتف حتى إلا بإذنٍ من الحاخام، وحتى الهاتف عليه رقابه مشددة للغاية، فيجب على الحاخام أن يتصل بموزع الهواتف كي يسمح للفرد الذي يمتلك هاتفًا بامتلاكه، وبدون هذه الرخصة لا هاتف، وكل تطبيقٍ على الإنترنت يجب أن يجيز الحاخام استخدامه قبل أن يستخدمه الفرد.

والحاخاميون يشكلون الفئة الأكثر تأثيرُا على السلطة والقضاء، فعلى سبيل المثال لا يحق لليهودية أن تتطلق من زوجها إلا بعد أن يُهديها كتاب الطلاق، وهذا واجبٌ عليه، دينيًا وقضائيًا، وقد استغل هذه المعاملة الدينية العديد من اليهود في التأثير على زوجاتهم، بطرق مثل استبدادهم وابتزازهم كي يدفعوا مقابل حصولهم على حق الطلاق، وقد راعى الحاخاميون هذا في دولتهم، فرأوا أنهُ من الواجب إقامة قانون لحل هذه المشكلة، وهو عمل حكم قضائي بالسجن والغرامة، حيث تعلوا يد الحاخاميين على الرئيس نفسه، فقد يغيرونه بكل بساطة، وهذا ما حدث لإسحاق رابين والذي تم اغتياله واغتيال آخر فرصة للسلام مع الفلسطينيين في 1995.

وقد بدأ التخطيط لهذا الاغتيال بعدما بدأ رابين في مشروعه للمفاوضات السلمية، وكان هذا غريبًا عنه، فهو -كما اشتهر بين الإسرائيليين- ساحق أجساد الفلسطينيين، فهو من أمر بسحق عظامهم في الانتفاضة الأولى، لكن عند وصوله للحكم في عام 1992 رأى شعبه المنطق، وهو أن الاحتلال لا يمكنه أن يستر أكثر من ذلك، لأنه سيؤدي لمشاكل ومنازعات لا تنتهي بين الطرفين المتشددين، فرأى الحل في التسوية السلمية، فهو الذي قام مع ياسر عرفات باتفاق أوسلو في سبتمبر 1993، ووقع عليه كليهما في البيت الأبيض، وكذلك فاز كليهما بنوبل للسلام، ثم قام بتوقيع اتفاق وادي عربة، مع المملكة الأردنية الهاشمية، بما يعرف باتفاقية وادي عربة في أكتوبر 1994.

وللأسف جاء اغتياله وتسبب في قتل فرصة السلام والأمل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى أن توجه الشعب لليمين مجددًا بقيادة نتنياهو عام 1996 كرئيس للوزراء، وحتى يومنا هذا يرى نسبة ليست بالقليلة من الإسرائيليين (20%) بأن اغتيال رابين كان واجبًا وطنيًا، بل ويرغبون بالعفو عن من قام به.

تعكس هذه الأحداث سلطة الحاخاميين، ولن يفاجئ أحد من أنهم من الأسباب الرئيسية لمشكلة المرأة في إسرائيل، وهي مشكلة لم يتطرق لها أحد إلا القليل من النسويات اليهوديات، فاليهودي يستفتح يومه بقوله “الحمد لك يا رب يا خالق الكون لأنك لم تخلقني امرأة”، فهذه الافتتاحية تدل وبشكل واضح على العداء للمرأة في المجتمع اليهودي المتشدد، وأضف على ذلك العادات الشرقية العربية الموجودة عند السفارديم، لذا فما مكانة المرأة في إسرائيل؟

تعكس إحصائيات الرأي العام الإسرائيلي وجود تأثر ملحوظ للغاية عند المواطنين الإسرائيليين بأي حدث خارجي، فعلى سبيل المثال كان مقدار تأييد اتفاقية أوسلو عام 2000 -أي قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى- يبلغ 41% مؤيد، و29% معارض، و14% وسطي، و17% لم يصوت، بينما في عام 2001 -أي بعد الانتفاضة- كان هناك 56% معارض، و26% مؤيد، و9% وسطي، و9% لم يبدِ رأيه.

فالانتفاضات الفلسطينية هي دافع رئيسي في التغيير السياسي لدى الإسرائيليين، فعلى سبيل المثال: قبل الانتفاضة عام 2000 كان تأييد اليسار يصل إلى 42% بينما تأييد اليمين 30% وتأييد الوسط 30%، بينما في عام 2001 -أي بعد الانتفاضة- كان التأييد لليسار 30% والتأييد لليمين 52% والتأييد للوسط 18%.

ومن يتعجب من هذا الانقلاب السريع في الرأي لم يقرأ عن الآراء الإسرائيلية قبلاً؛ فهي من أكثر الإحصائيات انقلابًا، ففي شهر سبتمبر 1993 قد انقلبت هذه الآراء أكثر من مرتين، حيث أنه في يوم 2 سبتمبر كانت اتفاقية أوسلو تبلغ 40%، بينما انخفضت في يوم 15 سبتمبر إلى 29%، وتقل النسبة لتصل إلى 11% فقط في أقل من خمسة عشر يومًا.

ويمكننا أن نجد في كل مواطن يهودي ميوله الدينية الواضحة، حتى ولو كان علمانيًا، فهو يميل لدعم احتلال بلاده للأراضي الفلسطينية، فمثلاً في إحصائية عامة سنة 1994 كان 71% من الإسرائيليين لا يوافقون على إعادة جزء واحد من الأراضي السورية في الجولان، بينما يرى 22% إعادة جزء كبير فقط، ويرى 7% فقط إعادتها كلها.

وأخيرًا فنحن نستنتج وجود الازدواج في الشخصية الإسرائيلية، سواء إذا كان هذا في يهوديتها وتصوير نفسها بواحة الديموقراطية والعلمانية، أو في علمانية بعض مواطنيها وموافقتهم على عدم إقامة دولة ديموقراطية أو عدم الانسحاب من الأراضي السورية وتسليمها، ونرى كذلك تأثرها الواضح جدًا بالانتفاضات الفلسطينية، وهذا يؤثر جدًا على عملية التسوية السلمية، ويجعل الطرف الإسرائيلي يتحول لليمين.

مراجع لقراءة أكثر تعمقًا:
بيروت: باحثون: سيكولوجية الهيستيريا والوساوس المرضية (دار النهضة العربية ط1 س1990).
القاهرة: د. أسعد غانم: الصهيونية (دار المعارف ط1 س2000).
Ancient Israel: Israel and Judah: The Period of Two Kingdoms
What Makes a Jew "Jewish"?
الغيتوات
القاهرة: د. علي الصاوي: التعددية السياسية في إسرائيل: أي ديموقراطية؟! في: د. نادية محمود مصطفى، وهبه رءوف عزت: إسرائيل من الداخل: خريطة الواقع وسناريوهات المستقبل، (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ط1 س2003).
بيروت: أورن يبتحال، "وهم الديموقراطية الإسرائيلية"، مجلة الانتقاد (15/11/2002)
Nissim Rajwani, Israel's place in The Middle East; A Pluralist Perspective, (Florida: Board Of Regents of the state of Florida, 1998)
القاهرة: د. عبدالوهاب المسيري: اليد الخفية دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ط1 س2000.
القاهرة: د. خليل الشقاقي: مسيرة مترددة نحو الاعتدال: موقف الرأي العام الإسرائيلي من السلام الفلسطينية 1980 - 2001 (القاهرة: مركز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية ط1 س2002)

أبوظبي: جلال عز الدين علي، الصراع الداخلي في إسرائيل: دراسة استكشافية أولية (مركز الامارات العربية المتحدة لأبحاث الاستراتيجية والسياسية) ط1 س1999
الكويت: د. رشاد عبدالله الشامي، إشكالية الهوية في إسرائيل. عالم المعرفة. ع244 س1997
محمد خليفة: الشخصية الإسرائيلية: دراسة في توجهات المجتمع الإسرائيلي نحو السلام. (جامعة القاهرة: مركز الدراسات الشرقية).
القاهرة: صبحي عسيلة: الرأي العام والسياسة المصرية تجاه إسرائيل: اتجاهات ما بعد الثورة. (سلسلة كراسات إستراتيجية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، 2013).
مختارات إسرائيلية ع26 فبراير 1997.
القاهرة: التقرير الإستراتيجي العربي (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية س1993).
القاهرة: د. جمال عبد الجواد ومحمد منير لطفي: سوريا تفاوض إسرائيل (كراسات استراتيجية ع45 س1996).
فريق الإعداد

إعداد: صالح محمد

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...