تأخذك إلى أعماق الفكر

الباحثون يتوقعون ظهور قضايا لغوية مع بدء السفر في الفضاء

على الرَّغم من أنَّه يَفتقِدُ الدّراما المُصاحبة لمخلوقاتٍ فضائيّةٍ تغيّر هيأتها، إلّا أنّ هناك تهديدًا جديدًا يَلوحُ في الأفق مع زيادة احتمالاتِ السفر في الفضاء بين النُّجومِ وعبرَ الأجيال: فالمُستكشفون الذّين يصلونَ إلى غايتهم الفضائيّةِ “زانادو”، قد يواجهون عثراتٍ في التّواصلِ مع القادمين السّابقين واللّاحقين، مع تطوُّرِ لغتهم المنطوقة أثناءَ عزلتِهم أيضًا.

لذا، يُوصِي بحثٌ جديدٌ شاركَ في كتابتِهِ عالِمُ لغةٍ من جامعة كنساس ونُشِرَ في مجلّةٍ علميّةٍ تابعةٍ لوكالةِ الفضاء الأوروبيّةِ، بأنْ تَضمَّ طواقمُ الرّحلات الفضائيّةِ فردًا – إنْ لم يكن عالمًا لُغويًا – لديه المعرفةُ الضّروريّة للتنبّؤ بما قد يحدث وكيفيّة التّأقلم مع هذا الطّارئ.

واشتركَ أندرو ماكنزي، وهو أستاذٌ مشاركٌ في علمِ اللّغةِ بجامعة كنساس مع جيفري بونسكي، الأستاذُ المساعدُ بجامعة إلينوي الجنوبيّة، في كتابةِ مقالٍ بعنوان “تطوّر اللّغةِ خلال السّفرِ بينَ النُّجومِ“،والذّي نُشِرَ في عدد أبريل من مجلّةِ Acta Futura، وهي المجلَّةُ العلميّةُ لفريقِ المفاهيمِ المُتقدّمةِ بوكالةِ الفضاءِ الأوروبيّةِ.

ويُناقِشُ الباحثان في المقالِ مفهومَ التّغيّرِ اللُّغويّ عبر الزّمان، مع ذكرِ أمثلةٍ من كوكبِ الأرض لرحلاتٍ بعيدةِ المسافاتِ، مثل مستكشفِي الجزر البولينيزية، والاستنباطِ من تلكَ الأمثلةِ.

فقد يبدو الأمرُ بعيدًا عن التَّصورِ، إلّا أنّ الباحِثَيْن يستشهدان بتغيّراتٍ لغويَّةٍ حدثت في أثناء حياتِهما مع تطوُّرِ ظاهرةِ إنهاء الجملِ التّقريريّة بنبرةٍ صاعدةٍ وكأنّها سؤالٌ، فيما يُعرَفُ بظاهرةِ uptalk.

إعلان

ويرى الباحثان أنَّه:أمسى شائعًا للمتحدِّثين بأنْ ينهوا جملتهم التَّقريريَة بنبرةٍ صاعدةٍ، وكثيرًا ما تُفهم مثل هذه ِالظّاهرة التّي تُعرَفُ بمصطلحِ uptalk بأنّها نبرةُ تساؤلٍ لدى الأشخاصِ الذّين لم تدخل الظَّاهرة تركيبَهم النَّحويَ بعد، على الرَّغم من أنَّها نبرةٌ متميزةٌ عن غيرها، وتدلُّ في الواقعِ على التّهذيبِ أو التَّضمينِ”.

ولمْ تتم ملاحظةُ هذه الظَّاهرةِ سوى خلال العُقودِ الأربعةِ الماضيةِ، إلَّا أنّها نشأت لدى مجموعاتٍ صغيرةٍ من الشّباب الأمريكيّين والأُستراليّين، لتنتشرَ إلى معظم المُتحدّثين بالإنجليزيَّةِ، بل وانتشرت لدى الكثيرِ من الأجيالِ ممّن لم يستخدموا هذه الظّاهرة في شبابهم“.

مع توفُّرِ الوقت الكافي، يمكنُ للتّركيباتِ النّحويّة الجديدة أنْ تحلّ محلّ التّركيباتِ الحاليّة تمامًا.

فتخيَّل أنّك تحاولُ اليومَ الدّردشة مع الشّاعر الإنجليزي تشوسر، فإنّ حتّى أوجه التّقدُّمِ في تكنولوجيا التّرجمةِ قد لا تُسعِفُك.

ويقول ماكنزي: “إنْ أمضيت عشرة أجيالٍ من الزّمان على ظهر السَّفينة، فسوف تظهرُ مفاهيم جديدة، وتبزغ قضايا اجتماعيَّة جديدة، وسوف يطوّر النّاس أشكالاً جديدةً للحديث عنها، لتصبحَ هذه المُفردات خاصَّةً بالسّفينةِ، وقد لا يعرفُ أهلُ الأرض بهذهِ الكلمات أبدًا، إلَّا عندما يطرأُ سببٌ لاستخدامها. ومع زيادةِ بُعدكَ عن المكان، يقلُّ حديثُك مع النّاس في موطنِكَ وتمرُّ الأجيالُ ولم يعدْ هناك من تتحدَّثُ إليه في الوطن، بل إنّه لايوجد الكثيرُ من الحديث الذّي تودّه معهم، لأنّ الأمرَ لن يصلهم إلّا بعد مرورِ سنواتٍ، ولن يصلَكَ الرّدُّ إلّا بعد سنواتٍ أُخرى؛ أيْ أنّ الصِّلةَ التّي تربط بينك وبين الأرض تتضاءَلُ مع مرورِ الوقتِ، بل وقد يحدث آجلًا أم عاجلًا أنْ نصلَ إلى نقطةٍ ينقطعُ فيها أي اتّصالٍ فعليٍّ مع كوكبِ الأرضِ، باستثناء ذلك التَّقرير العرضيّ.

وطالما أنَّ اللُّغةَ تتغيَّرُ على سطحِ السّفينةِ، وبعد ذلك تتغيّرُ في مُستعمرَةٍ ما، فإنَّ السُّؤال الذّي يَطرحُ نفسَهُ هو: “هل نحافظ على حرصِنا لمعرفةِ كيفيَّةِ التّواصلِ مع أهل الأرض؟”، أيْ أنَّه إذا كان لدينا لهجةٌ إنجليزيةٌ على كوكب الأرض، ولهجةٌ إنجليزية خاصّةٌ بالسّفينةِ، مع تَباعُدِ اللّهجتين بمرورِ السّنوات، فإنّك ستضطّرُ إلى تعلُّمِ بعض إنجليزية كوكب الأرضِ لتتمكَّن من إرسال الرّسائل، أو قراءة كُتيّباتِ التّعليماتِ والمعلوماتِ الخاصّةِ بالسّفينةِ.

“لاحظ أيضًا، أنَّ اللّغة المُستخدمةَ على كوكبِ الأرض ستتغيّرُ هي الأُخرى خلال تلك الفترةِ، لذلك فإنّهم قد يتواصلونَ بلغةٍ أشبهَ باللُّغةِ اللّاتينية لنا – أي التّواصل بلغةٍ لا يستخدمها أحدٌ.”

ويوضِّحُ المؤلّفان أيضًا أنّ هناك ضرورةً لعمليَّةِ تَكيُّفٍ مع شكلِ لغةِ الإشارةِ التيَّ  تُستخدم مع أعضاءِ الطّاقم وفيما بينهم، فعلمُ الوراثةِ يخبرُنا أنّ هؤلاء بلا شكٍّ سيولدون صُمًا.

ويضيفُ المُؤلّفان أنّه على كلّ الأحوال، “فإنّ كلّ سفينةٍ جديدةٍ سوف تُنزِلُ بلا شكٍّ مهاجرين لغويين يصلون إلى أرضٍ غريبةٍ، فهل سيتمُّ التّمييزُ ضدّهم إلى أن يتعلّمَ أبناؤهم وأحفادهم اللُّغة المحليّة؟ هل يمكن لهم فتحُ قنواتِ اتّصالٍ مع المُستعمرَةِ قبل الأوان، حتّى يكتسبوا اللُّغة المحليّةَ قبل وصولهم؟

“وفي ضوء اليقينِ بأنّ مثل هذه القضايا سوف تظهرُ لامحالةَ في سيناريوهاتٍ مشابهةٍ، وفي ظلّ عَدَمِ اليقين بكيفيّةِ تطوُّرها، فإنّنا نرى أنّه من الضّروري أن يتمتّع أيّ طاقمٍ بمستوياتٍ قويّةٍ من التّدريبِ الفوق اللُّغويّ، بالإضافة إلى معرفتهم ببساطة باللُّغاتِ المطلوبة، فسيكون هناك احتياجٌ لوضعِ سياسةٍ لغويَّةٍ سليمةٍ على سطح السّفينةِ، يمكنُ الحفاظُ عليها دونَ الرُّجوع إلى نُظُمِ كوكب الأرضِ وقواعدِهِ”.

ويخلص ماكنزي وبونسكي إلى أنَّه لو أمكنَ دراسة التَّغيّرات اللُّغوية على ظهر السّفينةِ، فإنّ هذا كفيلٌ “بإضافةِ قيمةِ علميَّةٍ”.

نرشح لك: جسم الإنسان عند السفر في الفضاء

المصدر: 
 http://news.ku.edu/2020/06/30/without-care-lost-space-could-mean-lost-translation

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: ليلى أحمد حلمي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.