تأخذك إلى أعماق الفكر

الدين والعلمانية في سياق تاريخي: قراءة في ثلاثية الدكتور عزمي بشارة- الجزء الثاني

3- الجزء الثاني/المجلد الثاني- “العلمانية ونظريات العلمنة”:

في المجلد الأخير، تابع عزمي بشارة رصد التفاعلات الجدلية بين الدين والعلمانية. وهذه المرة حيث امتدَّ التَّتبع حتى الفترة المعاصرة، بعد أن غطى المجلد الأول من الجزء الثاني تاريخ هذه التفاعلات في حقبة تاريخية امتدت من العصر الوسيط حتى العصر الحديث (من القرن 12- 13م حتى القرن 19م)، ذلك حيث استحضر الباحث عدةَ أحداثٍ اجتماعية وسياسية مفصلية في كل من التاريخ الإنجليزي والفرنسي والبولندي من أجل مقارنة تجارب العلمنة والعلمانية في هذه الدول وتحديد خصوصياتها “24”.

بناءً على ذلك، استنتج عزمي بشارة وجود نوعين من العلمانية، صنفهما حسب شدّة رد فعلهما ضد أشكال حضور الدين في المجتمع، فخلص إلى وجود “علمانية صلبة” و”علمانية رخوة”؛ حيث لاحظ أن العلمانية الصلبة ليست أكثر من إيديولوجية تُفرض على الأفراد وتؤدي حتمًا إلى الديكتاتورية، كنموذج الاتحاد السوفياتي والصين، أو التي لا تفرض أي إيديولوجية على الأفراد مع أنها متشددة ضد مظاهر التعبير الديني في الفضاء العام كاللائكية الفرنسية. ومن جهة أخرى، فإن “العلمانية الرخوة” هي الأكثر انتشارًا في العالم، رغم أن منتقدي العلمانية يتجاهلون ذلك عن قصد؛ إذ أن هذا النوع من العلمانية لا يَفرض على الأفراد أي إيديولوجية رمزية أو مادية، كما أن هذا النوع من العلمانية يساهم في إدارة التنوع الثقافي والديني والحريات الفردية “25”، وتعتبر العلمانية وفق هذا النموذج شرطًا غير قابل للإسقاط من أجل مؤسسة الديموقراطية التي تغيب بل تستحيل في غيابها؛ إذ أن الديموقراطية ظهرت في سياق نشوء العلمانية السياسية، وفي غيابها تغيب.

إضافةً إلى ذلك، فإن العلمانية الرخوة غير متشددة مع مظاهر التعبير الديني في المجال العام “26”، على عكس الصلبة منها، والتي حصرت التدين في المجال الخاص أساسًا، أما نماذج ذلك، فهي معظم دول العالم العلمانية من اليابان والهند وأستراليا، حتى ألمانيا وإنجلترا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا “27”.

وللتدليل على نمودج العلمانية الرخوة، لا يوجد أحسن من تعريف “مالوري ناي” لها إذ يقول:

“إن العلمانية لا تعني توقف الناس عن التدين، لكنها تشير ببساطة إلى إطار مدني للتدين الفردي، أي التدين الذي لا يهم إلا صاحبه ولا يفرض على غيره، وذلك ما يخضع لتغير الأحوال الفردية والظروف الاجتماعية”. “28”

حيث يصبح التدين بهذه الطريقة تجربة روحية تهم صاحبها ولا تفرض على غيره، ومن حقه أن يعيشها في مجاله الخاص والعام، وعلى الدولة العلمانية حراسة هذا التدين دون توظيفه سياسيًّا؛ أي أن يبقيا كلٌّ من الدين والدولة في هذه العلاقة مستقلين عن بعضهما وظيفيًا، حيث تتحدَّد طبيعة العلاقة بينهما وفق هذا المنظور حسب ما هو تنظيمي، وليس حسب ما هو هيمنيّ أو استغلالي.

تاليًا، تطرَّق بشارة إلى”نظرية العلمنة في العلوم الاجتماعية”، والتي بثّ فيها الآباء المؤسسين ككارل ماركس وإميل دوركايهم وأوجيست كونت، ماكس فيبر وسيغموند فرويد، حيث رأوا أن التصنيع والتحديث وتعميم التعليم وانتشار المعرفة العلمية وسواد التمدين وارتفاع الدخل وشيوع الفردانية، بالإضافة إلى تطور سياسية الدولة العلمانية وعدم توقف سيرورة تمايز حقول المجتمع، كلها عوامل ستؤدي بخطوات تدريجية إلى زوال الدين وانقراضه من المجتمعات الإنسانية “29”. وهنا توقف عزمي بشارة مع كل أجيال هذه النظرية، طارحًا سؤال اضمحلال الدين وشيوع العلمانية، وهل الثانية تدفع باتجاه انقراض الأول؟

إعلان

ليخلص إلى أن أصحاب هذه النظرية لم يُوَفقوا في فهم سيرورة كلٍّ من الدين والعلمانية “30”، حيث يؤكد التاريخ ويشهد الواقع أن ثمّة رابطة وثيقة بين العلمانية والانعاش الديني، فالأخير ليس رد فعل ضد العلمانية، بل هو ثمرتها؛ فالعلمانية تصنع الدين وتسمح له بالانتعاش “حسب أوليفييه روا” “31”، وذات الشيء ما تلاحظه “جوديث بتلر”، إذ تؤكد أن العلمانية لا تتسبّب في زوال الدين، بل هي منفذ يتيح له البقاء “32”.

وهذا ما تجسده على وجه الخصوص حالة المجتمع الأمريكي الذي يعرف تنامي الممارسة الدينية بإزاء تنامي موجات العلمنة، ما يوضِّح تعايش وعدم تحارب العلمنة والدين. وأكثر من ذلك، أصدر مؤخرًا أكثر من عشرة علماء اجتماع وسياسة بحثًا ضخمًا بعنوان “العلمانية وصناعة الدين” “33”، حيث يُبيّنون فيه أن العلمانية ليست فقط تساهم في انتعاش الدين، بل تصنعه، انطلاقًا من إيمانها بأن بانتفائه تنتفي وظيفتها هي أيضًا؛ ففي اليوم الذي ينقرض فيه الدين تنقرض فيه العلمانية السياسية كذلك (العلمنة خارج هذا الاعتبار طبعًا، لأنها غير مرتبطة بالدين فقط، وإنما بحقول المجتمع ككل)، لأن وجود الدين هو ما يبرر وجود ووظيفة العلمانية، وهذا ما لم يفهمه الآباء المؤسِّسون لنظرية العلمنة في علم الاجتماع، وهو ما أصلحه علماء الاجتماع المعاصرين؛ فلم يعد في ساحة العلوم الاجتماعية الآن من يتبنى منظور “كلما تقدمت العلمانية تأخر الدين أو العكس”، إذ لا يوجد هذا الموقف الآن إلا مع الحركات الدينية الأصولية المتخلفة في العالم الثالث كحركات الإسلام السياسي، وبعض الحركات الدينية اليهودية المتطرفة كـ”الحريديم“.

بالإضافة إلى ما سبق، خصص عزمي بشارة آخر جزء من الفصل الرابع في هذا المجلد لمناقشة مفهومٍ مهمٍ جدًّا، وهو مفهوم التمايز الاجتماعي “Social differentiation”، الذي من دونه لا يمكن فهم العلمانية والعلمنة والعلم والدولة الحديثة ولا أي شيءٍ له علاقة بعصرنا الراهن، وقد عرضنا أحد وجوهِه في الفقرات السابقة، وهو المفهوم الذي ينتشر استعماله كثيرًا في أعمال علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، إذ استعمله إميل دوركيهم وماكس فيبر من المتقدمين، وكليفورد غيرتز “34” وبيير بورديو “35” وبرنارد لاهير “36” من المحدثين، ويقصد به مخاض اجتماعي يحدث توازيًا مع تمايز/انفصال/استقلال حقل الدين عن حقل الاقتصاد، وحقل السياسة عن حقل التعليم، وحقل الفن عن التقاليد، وغيره من حقول المجتمع (تمايز حقول المجتمع). بإزاء هذه السيرورة الاجتماعية، تتمايز النظرة الأسطورية للعالم عن النظرة العلمية، فتُكَون ثقافة واتجاهات فكرية جديدة، أي تأسيس مفاهيم وتصورات جديدة عن العالم (تمايز في بنية الثقافة)؛ توازيًا مع ذلك، تتمايز الدولة عن المجتمع، حيث تكون الأولى مؤسسةً سياديةً، والثاني مجتمعًا مواطنًا أو مدنيًّا (تمايز في النسق السياسي)، لذلك قلت بدون هذا المفهوم لا نستطيع أن نفهم الدين والعلمانية والدولة الحديثة، حيث تعتبر هذه الأخيرة نتيجة التمايز/الانفصال عن المجتمع، ذلك ما خصص له عزمي بشارة كتابًا بحياله “37”.

بناءً على ذلك، يظهر أن المجتمع في تطوره ينتقل من مجتمع متكثف البنى والحقول إلى مجتمعٍ حقوله متمايزة ومستقلة بنفسها. بذلك، فإذا كان في مجتمع القرون الوسطى مرجعية حقل العلم والفن والسياسة هو حقل الدين، فإن هذه الحقول جميعًا تمايزت عن بعضها فكونت لنفسها مرجعيةً خاصةً بها تتشكل داخلها، وهذا ما أدى إلى استقلال باقي الحقول، فانحسرت مرجعية الدين في حقله فقط، كما انحسرت مرجعية السياسة في حقلها حصرًا، ما يعني أن كل حقل استقل ولم يعد في حاجة إلى شرعنة أفكاره وممارساته من خارج حدوده؛ وبذلك يتضح أن العلمنة والعلمانية في سياق سيرورة التمايز الاجتماعي هي وجهة حتمية لا مناص من وقوعها في كل المجتمعات، وهذا ما تثبته التجربة التاريخية “38”.

امتدادًا لذلك، يعتبر المجتمع ذو البنيات والحقول المتكثفة غير المتمايزة مجتمعًا متخلفًا بالضرورة (كنموذج مجتمعات العالم الثالث، وخصوصًا المجتمعات العربية الإسلامية)، عكس المجتمعات التي خضعت لسيرورة تمايز في حقولها وأنساقها وبناها، الشيء الذي يساهم في مواكبتها بل خلقها للمستجدات الضرورية للتغير والتطور والتقدم، وهذا الصنف من المجتمعات تجسده المجتمعات الغربية الأوربية والأمريكية وبعض المجتمعات الشرقية كاليابان وأستراليا ونيوزيلاندا.
يختم عزمي بشارة هذا المجلد، بل هذه الدراسة بشكلٍ عام، بصياغة نموذجٍ نظريٍّ مستحدثٍ مقترحٍ لدراسة شبكة العلاقات بين الدين والعلمانية في المجتمعات المعاصرة وفقًا للتغيرات والمستجدات الراهنة.

وفي نهاية هذا القسم نعرض الاستنتاجات التالية:

– العلمنة هي عملية تمايز للمجالات المعرفية والاجتماعية، تتغلب فيها أنماط المعرفة العلمية في فهم الظواهر في تجاوز أنماط المعرفة الدينية، ويعلو فيها منطق الدولة على الدين في المجتمع الحديث؛ ولا يعني ذلك اندثار الدين والتدين، كما لا يعني بالتأكيد غياب المقدس عن الحياة، وإنما رسم حدودٍ له ولغيره من حقول المجتمع.

– في المجال المعرفي، تَعني العلمنة التطور المتواصل في تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية والسياسية (الدولة) بقوانينها ذاتها، وذلك بتمايز العلوم عن بقية أنماط المعرفة (خصوصًا الدينية والأسطورية)، واكتساح التفكير العلمي لمجال بعد آخر، وهذا لا يعني انسحاب الدين أو التدين بالضرورة، بل التغير يحدث في وظيفته، في انتقال موضع المقدس والغيب؛ ما ينحسر هو الإيمان المعرفي وليس الروحي، ويفسح المجال بذلك إلى تأكيد البعد الأخلاقي والعرفاني في الأديان.

– لم يكن فعل العلمنة مناهضًا للدين، بل غالبًا ما قام به وقاده رجال دين من مشارب مختلفة.

– في الواقع الاجتماعي، تعني العلمنة تمايز الفعل الاجتماعي ومنطقه بتفاعله مع تطور أنماط الوعي العلمي. ومن ضمن ذلك، تمايز المؤسسات الدينية عن غير الدينية، وتمايز الفنون والمهن عن ما هو تقليدي وقديم.

– ينحسر خلال هذه العملية البعد المعرفي للدين، وقد يتعمق البعد الإيماني عند القطاعات الاجتماعية التي تجري علمنتها، وقد يرافق ذلك انحسار الدين، كما قد ترافقه صحوة دينية على حد سواء.

– ترتفع سطوة الدولة فوق المؤسسة الدينية وفكرها، فتخضعها لها؛ وبه ظهرت العلمانية الدينية التي تدعوا إلى تحييد الدولة من مجال الدين، من أجل المحافظة على الحرية الدينية وضد الإكراه الديني واللاديني الذي يتضرر منه المتدين أو غير المتدين على حد سواء “39”.

يمكن أن نضيف استنتاجًا إجماليًّا يتحدد في أن:

العلمنة تبدأ بحقل الثقافة (في نظرة الأفراد إلى الواقع خصوصًا) وقد يحدث بإزاءها أو بعدها تمايز حقول المجتمع، إلى أن تصل هذه السيرورة إلى آخر حقل، وهو السياسة، فيستقل ويطور مرجعيته داخل حقله الخاص، على غرار باقي الحقول والأنساق الاجتماعية. بناءً عليه، لا توجد علمنة تبدأ من السياسة، بل من الثقافة ثم المجتمع، وفق مفهوم العلمنة والعلمانية الذي حدده بشارة في هذه الموسوعة.

4- ماذا عن العلمنة والعلمانية في العالم العربي؟

في إثر الأفكار والنماذج النظرية التي اقترحتها هذه الموسوعة، نستطيع أن نقرأ طبيعة حضور العلمانية في العالم العربي، أو الإسلامي الناطق بالعربية حصرًا. ولنبدأ بالتأكيد بأن العلمنة (كسيرورة تاريخية) لم تستثنِ العالم العربي من مدار شغلها ونفوذها، خصوصًا في الفترة المعاصرة المعولمة، ونحن في ذلك نميل إلى قول القائل بـ: “إن مسيرة التاريخ الكوني آيلة إلى العلمانية بشكلً حتمي (خصوصًا مع العولمة ووسائط الاتصال الرقمية الحديثة)، وإن مسيرة التاريخ الاجتماعي والثقافي العربي محكومةٌ بهذا المسار، على الرغم من الصراعات الطبيعية التي تستثيرها هذه المسيرة مع القوى المحافظة” “40”؛ وبذلك، فإن إنكار ومعارضة العلمانية لا ينفي وجودها أو عملها في المجتمع العربي الإسلامي، بل فقط يعيق سيرورتها وتطورها لا غير، وهي مع ذلك حتميٌّ تحققها على المدى الطويل في سياق القرائن السوسيولوجية والسياسية والعلمية والتكنولوجية الحديثة، التي لا يمكن أن تؤوب إلى وجهةٍ غير تمايز حقول المجتمع وانتشار الفكر العلمي واستقلال السياسة والاقتصاد والفن عن الدين والأساطير والثقافات الشعبية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

تدقيق علمي: مجد حرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.