تأخذك إلى أعماق الفكر

الحب والرياضيات

نظرة في كتاب إدوارد فرنكل

ادوارد فرنكل
0

“الرياضيات هي مصدر المعرفة العميقة، وهي التي تصل إلى قلب كل العلوم، وتوحّدنا عبر الثقافات والقارات والقرون”.

رأى عالم الرياضيات الفرنسي “هنري بوانكاريه” أن الرياضيات تعبر عن الطريقة التي يعمل بها الإبداع والابتكار. في حين يعتقد دانييل تامت، المتوحد العلمي -حالة نادرة جدًا-، أن الرياضيات توسع دائرة التعاطف لدينا.

إذن، كيف يمكن لعلم متنوع جدًا، من حيث قيمته وفوائده للقيم الإنسانية، أن يظل مكروهًا من قبل العديد من الأشخاص المحبين للثقافة؟ والتي من أجل تقدير جمالها وعظمتها يحتاج المرء إلى نوع خاص من “العقل الرياضي”، وهذا هو بالضبط ما تشتهر به الرياضيات.

نظرة في كتاب إدوارد فرنكل

إدوارد فرنكل

يسعي “إدوارد فرنكل” في كتابه (Love and Math: The Heart of Hidden Reality)، إلى كشف أسرار “الكون الموازي الخفي للجمال والأناقة، والمتشابك بشكل معقد مع عالمنا”، وذلك عن طريق فكرة أن الرياضيات تعتبر جزءًا من التراث الثقافي للعالم، مثل الموسيقى والفن والأدب وبقية العلوم الإنسانية التي نهتم بها.

يقول “إدوارد فرنكل” في كتابه مدافعًا عن الرياضيات:

إعلان

“المعرفة الرياضية لا تشبه أي معرفة أخرى؛ في الوقت الذي يمكن فيه دائمًا تشويه نظرتنا للعالم المادي، فإن إدراكنا للحقائق الرياضية لا يمكن أن يشوه، إذ أنها حقائق موضوعية ومستمرة وضرورية. فالصيغة الرياضية أو النظرية تعني الشيء نفسه لأي شخص في أي مكان -بغض النظر عن الجنس أو الدين أو لون البشرة-، وستعني -أيضًا- نفس الشيء لأي شخص بعد ألف سنةٍ من الآن. وما هو مدهش -أيضًا- أننا جميعًا نمتلك تلك المعرفة؛ لا يمكن لأحد أن يحصل على براءة اختراع لصيغة رياضية، لأنها من حقنا جميعًا ويجب علينا أن نتشاركها. لا يوجد شيء في هذا العالم عميق ورائع ومتاح للجميع بقدر تلك المعرفة، ومن الثمين جدًا أن تُمنَح لقلة من المتخصصين، ولكنها يجب أن تكون ملكًا لنا جميعًا”.

فالرياضيات تعمل على كسر الحواجز التقليدية، وتساعدنا في رفع غماماتنا وكسر أغلال تحيزنا، والتعبير عن خيال غير محدود في البحث عن الحقيقة المطلقة؛ بالإضافة إلى قدرتها على تحليل الحقيقة بدقة، ودراسة الحقائق وتتبعها أينما كانت؛ وتغذي لدينا القدرة على الابتكار.

يقول جورج كانتور، مبتكر نظرية المجموعات:

“إن جوهر الرياضيات يكمن في حريتها”.

السبب فى كره الرياضيات

ولتوضيح أن سبب كرهنا للرياضيات ناتجٌ من تحيز ثقافتنا، بدلًا من إلقاء اللوم على جوهر الرياضيات، يقدم فرنكل تشبيهًا:

ماذا لو كان عليك أن تحضر في المدرسة “حصة رسم”، والتي تدرس فيها كيفية رسم حديقة؟ ماذا لو لم تظهر قطّ لوحات ليوناردو دافينشي وبيكاسو؟ هل سيجعلك هذا تقدر الفن؟ هل كنت ستريد أن تعرف المزيد عن الفن؟ أشك في ذلك. ربما كنت تقول شيئًا مثل: “كان تعلم الفن في المدرسة مضيعةً للوقت. إذا كنت بحاجة إلى رسم حديقة، فسوف أقوم بتوظيف أحد للقيام بذلك من أجلي”، بالطبع هذا يبدو سخيفًا. ولكن هذه هي الطريقة التي تدرس بها الرياضيات، وبذلك تصبح الرياضيات في عيون معظمنا ما يعادل مشاهدة عمليات الطلاء الجافة. في حين أن جوهر الرياضيات الرئيسي متوفر في لوحات، يتم عزلها بعيدًا للسادة الكبار فقط كما يحدث في الفنون.

الحل

ولمواجهة تلك المواقف التقليدية تجاه الرياضيات، يجادل فرنكل بأنه ليس من الضروري أن تقحم نفسك في هذا المجال لسنوات من الدراسة الصعبة من أجل معرفة رونقها وجمالها.

فالرياضيات تعتبر أساس تكوُّن الكون؛ تكمن خلف أشكاله ومنحنياته، وتمسك بزمام كل شيء: من أدق الذرات إلى أكبر النجوم.

وهناك أفكار رياضية يجب على المرء أن يدرسها لسنوات عديدة لكي يعرف قدره، حتى إن البعض يعتقد أن معظم الناس لديهم عجز تعليمي فطري عندما يتعلق الأمر بالرياضيات؛ أنا لا أتفق مع هذا الرأي، إذ أن معظمنا قد سمع ببعض المفاهيم الأساسية مثل النظام الشمسي، والذرات والجسيمات الأولية، والحمض النووي، وأكثر من ذلك بكثير، وهذا كله من دون أن يدرسوا الفيزياء والبيولوجيا، ولا أحد يُفاجأ بأن تلك الأفكار المتطورة هي جزء من ثقافتنا ووعينا الجمعي. وبالمثل، يمكن للجميع فهم المفاهيم والأفكار الرياضية الرئيسية، إذا شُرِحَت بالطريقة الصحيحة.

المشكلة هي أن العالم بأسره يتحدث دائمًا عن الكواكب، والذرات، والحمض النووي، ولكن لم يسبق أن تحدث إليك أحد عن الأفكار الرائعة للرياضيات الحديثة، مثل مجموعات التماثل (symmetry groups)، أو الأنظمة العددية الجديدة التي فيها 2 زائد 2 لا يساوي 4! كذلك لم يحدثك أحد عن أشكال هندسية جميلة مثل هندسة ريمان. يبدو الأمر وكأنهم يظلون يظهرون لك قطة صغيرة ويخبرونك أن هذا هو شكل النمر، بينما -في الواقع- النمر حيوان مختلفٌ تمامًا.

وأخيرًا، إن المغزى من تلك المقالة ليس أن كتاب فرينكل رائع، على الرغم من أنه كذلك، بل الغرض هو إنارة شعلة “حب الرياضيات” في قلوب أولئك المستعدين لتعلمها، إذ يمكنها تحريك القلوب والعقول وتغيير حياة الناس.

ونختم بأن الرياضيات:

مصدر المعرفة العميقة، وهي التي تصل إلى قلب كل العلوم، وتوحّدنا عبر الثقافات والقارات والقرون.

 

 

 

فريق الإعداد

إعداد: محمود أسامة

تدقيق لغوي: محمد ثروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر Source
تعليقات
جاري التحميل...