تأخذك إلى أعماق الفكر

إشكالية التوزيع العادل للأمن داخل الدولة

الشعور بالأمن شيء لا غنى عنه داخل أي جماعة اجتماعية، فمن منا لا يريد الشعور بالأمن داخل المجتمع الذي هو جزء منه! “الأسرة، الدولة..” يحتمي به وفيه، وعند الحديث عن الخدمة الأمنية، بوصفها سلعة حالها حال كل شيء داخل النظام الرأسمالي، نجد أنفسنا أمام العديد من الظواهر التي تفرض بالضرورة العديد من الأسئلة والتأملات، لنجد لها تفسيرًا. 

من هذه الأسئلة مثلاً:
لماذا يقل أو ينعدم الأمن في المناطق الفقيرة العشوائية منها والشعبية والمهجورة؟ ولماذا يظهر فجأة عندما يحتد الصراع؟ ولماذا الفقراء لا يُنظر في مظلمياتهم؟

من الممكن الإجابة على هذه الأسئلة بسؤال آخر: من هي الأجهزة المنوط بها الحماية داخل الدولة؟ وحماية من؟ وفي يد من؟ إنها في يد الدولة! وما هي الدولة وما هي أيديولوجيتها ومن أين وُجدت؟ ومن أنشأها؟

يقول إنجلز في مؤلفه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: إن الدولة ليست بحال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه.

والدولة ليست كذلك واقع الفكرة الأخلاقية، صورة وواقع العقل كما يدعي هيغل، الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاتها لا يمكن حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجزٌ عن الخلاص منها، ولكي تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضًا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود النظام، إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة.

إعلان

إذًا لمّا كانت الدولة رأسمالية فإن أجهزة ووسائل الحماية الخاصة بها هي وسائل حماية الرأسمالية، وطبقاتها البرجوازية، وأيديولوجيتها الليبرالية، لأن هذا هو الدور التاريخي المحدد لها من البداية، وتلك هي الواجبات التي يمليها عليها الواقع الموضوعي.

ولمّا كانت المناطق الشعبية لا يوجد بها بطبيعة الحال طبقة برجوازية، ولمّا كان طبيعيًا انفصال المناطق الشعبية عن الأحياء الراقية تجنبًا لاحتدام الصراع الطبقي، فهم لا يريدون أن تكتشف الطبقات الشعبية جنتهم المفقودة أو “المسلوبة”، ولأن البرجوازية تخاف على نفسها، كان من غير الضروري موضوعيًا وجود أمن بتلك المناطق.

فهو من ناحية؛ ليس هناك داعيًا لتدخل الأجهزة الأمنية التي أوجدتها البرجوازية لحماية نفسها، في مناطق هي لا توجد بها، وإهمال تلك المناطق أيضًا يساعد على تمركز الحماية أكثر فأكثر حيثما يتمركز الرأسمال، ومن ناحية أخرى إشغال الطبقات الشعبية بالصراع مع بعضها البعض عن الصراع مع أعدائها الحقيقيين، فإن المهام المنوط بها لهذه الأجهزة حماية البرجوازية، التي أوجدتها وتنفق عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى حماية أملاك هذه الطبقة، أي حماية رأس المال في شكل استثمارات كان أو مدخرات، وهذا يفسر عدم وجود الأمن في المناطق التي لا يوجد بها رأس المال، فعندما تغيب الشروط الموضوعية التي أوجدت الشيء فإنه يختفي.

ولكن عندما يشتد الصراع داخل هذه المناطق المهمشة، إلى درجة تدرك فيها الطبقة البرجوازية أنها وصلت إلى الحد الذي ممكن أن يمثل خطرًا عليها، يصبح التدخل من جانبين في غاية الأهمية.

الأول: هي تريد أن تحفظ الصراع داخل هذه المناطق عند نقطة محددة مسبقًا، لأنه إذا خرج عن هذة النقطة ربما تفقد سيطرتها عليها بالطريقة التي تصبح معها المناطق الراقية المجاورة لها مهددة وفي خطر، فسرعان ما تشير إلى وسائل الحماية الخاصة بها، لتتدخل لتخمد هذا الصراع، ولمزيد من رفاهية الأمن لأصحاب رؤوس الأموال نجد ظاهرة أصبحت منتشرة إلى حد كبير وهي مجتمع الكومباوند، فهم لم يعد يكفيهم ما يحصلون عليه من خدمات أمنية مقدمة لهم من الدولة، ولم تعد تسعهم المدينة الواحدة المقسمة إلى أحياء متجاورة على أساس طبقي، بل يريدون أن يقيموا الكثير والكثير من الأسوار والحواجز الطبقية تفصلهم عمّا يخافون منه، وتحفظ ما يمتلكونه، لذلك كان ما كان، ولكنها لا تكتفي بذلك بل وربما تجد قيمة كبيرة أصبحت تتمتع بها تلك المناطق “الشعبية” بحيث أن استثمارها أصبح يدر عائدًا مجديًا، فسرعان ما تجرد ما بها من سكان مقابل توفير مكان آخر لهم أو حتى بدون مقابل في بعض الأحوال.

أما الجانب الآخر: إن هذه الطبقات الشعبية -بالنسبة للرأسمالية- تمثل البروليتاريا التي تُقام عليها عملية الإنتاج الاجتماعي، لذلك هي تريد أن تحفظهم عند درجة معينه من التطور، بالقدر الذي لا ينحدرون به لمرتبة الأقنان في النظام الإقطاعي، حتى يتسنى لهم القدرة على التعامل مع الآلة الحديثة من جانب، ومن جانب آخر حتى يضمنون إنتاج وإعادة إنتاج البروليتاريا حتى يستأصلوا منها قوة عملها.

ويقول إنجلز بهذا الصدد: تتقوى السلطة العامة بمقدار ما تتفاقم التناقضات الطبقية في داخل الدولة وبمقدار ما تزداد الدولة المتلاصقة مساحةً وسكانًا.

والآن يكون قد اتضح أتم الوضوح لماذا لا يتم توزيع الأمن بشكل عادل في مجتمع قائم على السلعة، فإن إنسان تلك المناطق بوصفه سلعة غير غالية الثمن لا خوف عليه، أو بمعنى آخر لا يجب أن نخاف على السلع قليلة التكلفة، فإن إعادة إنتاج تلك السلعة تكون أرخص بكثير من تكاليف حمايتها، إن الإنسان في المجتمع الرأسمالي لا يكفي تعريفه بوصفه إنسان وفقط، بل يجب أن يوضع بجانبه ما يمتلكه من ملكية خاصة، لكي يتضح أتم الوضوح في المجتمع الذي يعيش فيه.

فإن التوزيع غير العادل للأمن، هو النتيجة الحتمية للتوزيع غير العادل للثروات.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد عبد الفتاح

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.