تأخذك إلى أعماق الفكر

التفكير النقدي وهدم التابوات. الدين، السياسة، الجنس.

يعاني المجتمع المحافظ من تهديد كسر التابوات، ومع أن وصف “المحافظ” هنا قد يصوّر للقارئ أننا نتكلم فقط عن المنحى الديني وما ورِّد للمجتمع من عادات وتقاليد بطريقة مباشرة وغير مباشرة، إضافةً إلى الفكر القبلي وعاداته المفروضة على حياة الفرد، ولكنّنا نشير أيضًا إلى السلطة السياسية التي تتبع النهج ذاته في “المحافظة” ولكن بطرق مختلفة، وهي ما نطلق عليه وصف الأنظمة الشمولية. فإن الاثنين يتبعان الحفاظ على التابوات التي بدورها تحفظ وجودهما في مركز الألوهة، ويعتبران التفكير النقدي مُهدّد وعدوّ لدود لهما، فينتهي هذا الفكر بخانة الكافر، الخائن، المرتد، المهرطق..إلخ، ومجموعة من الكلمات التي ولدت من حالة رعب السلطة من مواجهة التفكير النقدي.

جورج طرابيشي

أقدم المُفكر جورج طرابيشي على إشعال فتيلِ الهرطقة من خلال عُصارة أعماله في كتابيه “هرطقات؛ عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية” وكتاب “هرطقات2؛ عن العلمانية كونها إشكالية إسلامية“، وهذه الهرطقات المتناولة من طرابيشي تحليلاً وتنقيحًا ونقدًا تمثِّل أعسر تابوات المجتمع العربي وفكره المعاصر، إذ أن هذه التابوات هي عُصارة فكر مُحافظ دينيًا ومنغلق أمام الحداثة، كما أنها بقايا عصور حُكم إسلامي مثَّلَ نفسه كسلطة سياسية واجتماعية وفكرية على الفرد المسلم وغير المسلم، وتبعًا لاستهلاك الانغلاق الفكري من قبل السلطة السياسية والتابعة الشعبية، ومنح التابوات سلطة تفوق سلطة العقل؛ قد أنشأ هذا نوع من التسلُّط والتكتّل الشعبوي والأمني الموجَّه ضدّ التفكير النقدي بغية حفظ قدسية التابوت المتمثّلة بالدين وإنتاجاته والسلطة السياسية واستخداماتها للدين، وبالتالي المتمثلة -على مستوى المجتمع- بالجنس وحقوق المرأة وحرية الاعتقاد والتعبير والتوجيه نحو مجتمع يُبنى فوق التابوات المحرّمة دينيًا أو سياسيًّا.

“نحن لا نعني بالعقلانية شيئًا آخر سوى هذا المبدأ البسيط والثوري معًا؛ إنه لا يجوز أن تعلو فوق سلطة العقل أية سلطة أخرى” “1”

التفكير النقدي كحالة تواجه الانسداد الفكري:

اعتبار التفكير النقدي أنه حالة معاصرة، أو أنّنا كعقلانيّين نُطالب بحالة معاصرة، هو بحدّ ذاته مغالطة يغرق بها الفكر المنغلق الذي نشأ تاريخيًا من خلال أطوار متتالية من التفكير النقدي، إذ أن الفكر الديني المعاصر بذاته يُعبِّر عن فكر ناقد لما سبقه من الأديان غير التوحيدية، كما أنه ولِد من رحم هذا الفكر الناقد لسابقه وانتقل من حالة تعدُّد الآلهة إلى حالة التوحيد؛ إضافةً لذلك إن التقلبات السياسية لحُكم الدين هي نتاج هذا التفكير النقدي نفسه. إذ أنه مارس حقّه في النقد الذاتي والانقسام إلى هياكل اعتقادية مختلفة ومتناقضة؛ ولهذا فإنَّ الإشكالية تقع في الانسداد الذي يُمارسه الفكر المنغلق على نفسه أولاً وعلى غيره ثانيًا، وبثّ اعتقاداته على شكل تابوات مُحرّمة ومحمية بواسطة تكتلات دينية مغيّبة وأنظمة أمنية متينة. وبهذا أشير إلى أن هذه الحالة من الانسداد لا تقتصر على الفكر الديني، بل السياسي أيضًا، إذ أن الأنظمة السياسية الشمولية لفكر الفرد تقدّم صورة الرئيس إلى الشعب كما يقدّم الفكر الديني صورة الرسول إلى المتديّنين، والخطّ الفاصل بين التابوات المقدمة كرمز سياسي أو كرمز ديني هو اختلاف طريقة القمع لتفكير الناقد، فإنّ الأول يخوَّن فيُعاقب من خلال الهيكل الأمني الموظّف في خدمة هذا الانسداد. والثاني يُكفَّر دينيًا ويُنبذ اجتماعيًا فيُعاقب من خلال الهرم الديني الموظّف لخدمة هذا الانسداد، وكلاهما يبنيان الجدران أمام تعريف واضح للفكر النقدي:

عملية منضبطة فكريًا تتمثّل في وضع تصوّر وتطبيق أو تحليل أو تقييم للمعلومات التي تم جمعها من خلال البحث في قضية فكرية أو سياسية أو دينية، وهذا من خلال بضع خطوات تعتمد على الوضوح والدقّة والموضوعية والاتساع والإنصاف والعقلانية.

ومع أن هذا التعريف الموجز، والبسيط ظاهريًا، هو معقّد ومتفرّع نحو ارتباطات يصعب الإحاطة بها حاليًا “2” نسبةً للحالة الفكرية الاجتماعية المعاصرة، ولهذا إن تم استثناء الحالات الفردية المقموعة ندرك أن مرحلة تنمية ودراسة هذا الفكر مفقودة تمامًا كحالة عمومية أو تربوية أو تعليمية، بل إن المرء الذي يكسر التابوات هو دائمًا حالة استثنائية يُستهجن لها، كما أن تقديم شرح التفكير النقدي لن يكون فعّال كما يجب حتى لو وجد؛ أي أنّنا حاليًا في مرحلة دفع هذا التعريف لمواجهة الانسداد ولسنا في مرحلة دراسة وتحليل وتنمية تعريف لا يمكن استخدامه دون أن ينال منه عوامل التخوين والتكفير والتحريم، والطرح هنا طرح أولويّات فقط مع الحفاظ على أهمية شرح الفكر النقدي وأهمية نقد الانسداد الفكري المذكور.

حالات الانسداد الفكري المحرّمة

يحصر المُفكر “بوعلي ياسين حالة الانسداد الفكري في كتابه “الثالوث المُحرّم” “3” من خلال البحث في ثلاثة محاور، وسوف أستعين بها كخطوط عريضة انطلق منها:

إعلان

  • الدين كموضوع دراسة علمية.

مع أن هذا التابو على عتبة التحرّر، ولو جزئيًا، من الرقابة والانغلاق، وإضافة إلى ذلك قد أشرق فكر نقدي حدثاويّ يتناول الدين تحليلاً ونقدًا ودراسةً؛ ولكنه لم يتحرّر، ولو قليلاً، من حالة التجييش والأدلجة والاستغلال فيما يصبّ بصالح السلطة السياسية أو العقل الجمعي لطائفة دينية ما. إذ أن الدين اليوم ينتقد ويُحلّل أكاديميًّا كحالة تاريخية ونصّية خام دون أن يتاح انتقاد يطاله كحالة شعبوية وطائفية تُمنهَج من السلطة السياسية مرفقة بالسلطة الدينية الخاضعة لها، وأقصد بذلك؛ انتقد الدين كحالة نصية وتاريخية ولكن لا تنتقد علاقته بالسلطة وخضوعه للتسييس المتمثّل بالجمهرة والحقن الطائفي، فإن كان التابو سابقًا هو الدين كمفهوم عام يحوي كمّ من النصوص والتشريعات والاعتقادات فإن التابو حاليًا حالة تكتّل شعبوي يعامل الفرد فيها الدين كهوية مسيّسة ينطوي عليها وجوده دون أن يعي، أو أن يهتم، أو أن يحلّل نصوصه وسياقه التاريخي وحقيقة الصورة المُطبّعة في عقله. وهذا ما جعل الدين يتبلور في تابو أكثر تعقيدًا وهو الظهور على شكل وسيلة سياسية نسبةً للسلطة إضافةً إلى إحاطته كهوية وحيدة وأولى نسبةً للأفراد، وخاصةً الأقليات الدينية.

فإن تداخل بعض الكلمات الحسّاسة للحقن الممنهج مثل “العلويين، الدروز، السنّة، الشيعة، المسيحيين..إلخ” في أي خطاب من عائلة التفكير النقدي الموضوعي، ومهما كان نوعه وغايته، فإنه قابل للتحوّل لوسيلة جمهرة للمجتمع كحالة مُتفرّقة تكمن بداخلها الطائفية والتطرّف ونبذ الآخر. وبالتالي هي حال تنَصِّب الفرد المثقف “مع التحفظ على تعريف معنى الفرد المثقف هنا” في وضع محامي الدفاع المأجور لهويته الدينية، وتُنَصِّب الفرد التبعي بحالة محاربين العصور الوسطى في الحروب الدينية، أو ما يُطلق عليهم اسم “الشبيحة” في المحور السياسي.

غلاف كتاب الثالوث المحرم

فإن كان الدين من وجهة نظر أكاديمية هو شعور بالارتباط بين المرء ووجوده من خلال الاعتقاد بالألوهية، فإنه في حالة معاصر مازال شعور بالارتباط ذاته ولكن يُضاف على ذلك بأنه ارتباط بين المرء والسلطة، إذ أن هذه “السلطة والتبعية اللاعقلانية لها” غُرزت في عقل المجتمع بمرتبة “الألوهية”، وهذا يعيدنا لطرح هوبز عن العقد الاجتماعي، إذ أن الفرد المنتمي للسلطة ينتمي لها لأنها تحميه من باقي الأفراد “حرب الكل ضد الكل”، وبهذا إن ترجمت، ويمكن القول إن أوّلت السلطة الخطاب النقدي التحليلي على أنه بثّ طائفي -وهي من تحمي هذه الطائفة- وليس فكر نقدي فإنها تمكّن نفسها أكثر بمرتبة الألوهية التي تحافظ على وجود الفرد.

الجنس كمجال للتنوير والتثقيف.

يرافق كلمة “الجنس” سؤال يصيب عمق هذا التابو، ألا وهو: كيف يكون الهوس الأول هو المُحرّم الأول؟. وعند تفكيك السؤال إلى تعريف الهوس: وهو حالة من الانفعال وعدم الاتزان إن فقد المهووس الوصول إلى هوسه. وإلى تعريف التحريم: وهو حالة من الرقابة الإقصائية على المرء يخضع لها تبعا لاعتقاده الذاتي أو لخوفه من المُحرِّم؛ السلطة؛ الألوهية. نستخرج اعتبار يمكن الانطلاق منه نحو وصف أكثر دقّة، وهو أن المجتمع المُحَرِّم لأفكار مهووس بها يمثّل حالة مرضية من الانفعال وعدم الاتزان في عقله الجمعي.

 

لكن الجنس في هذا المحور يتجاوز كونه حالة “هوس جمعي” فقط، بل يمتدّ نحو الثقافة الاجتماعية السائدة، إذ أنه بنفس الوقت يمثّل تلك الرؤية القاصرة لوظيفة المرأة في المجتمع كأداة جنسية تُغطى وتُهمّش وتعاني من تعريف قاصر لمفهوم الـ “شرف”، وأضيف لذلك الرؤية المتطرفة لتقبُّل وجود المثليين جنسيًا، كما أن هذا الانغلاق الفكري نحو مفهوم الجنس يمثّل أيضًا رؤية قاصرة للفن والأدب، إذ أن نشر لوحة تقدم الجسد البشري كحالة فنية، أو نشر قصيدة تمثّل العلاقة الجنسية كحالة أدبية؛ فإنها كفيلة بهزّ أركان المجتمع المنغلق نبذًا واستنكارًا.

وبذلك يكون الجسد، وبالتالي الجنس والجنسانية، ظاهرة تُحلِّل ثقافة المجتمع، وهذا وصف مستعار من الفيلسوف ميشيل فوكو؛

غلاف كتاب معجم ميشيل فوكو

في كتاب “معجم ميشيل فوكو” “4” تطرّقت الكاتبة جوديت ريڤات، إلى مصطلح “الجسد؛ الاستثمار السياسي” كما قدّمه فوكو، فوصف ذلك بأن هناك تيار سياسي يراقب الجسد على المستوى الفردي، فيكون الجسد تحت يد السلطة عن طريق التعذيب، والتمثيل، والتقييم، والرمزية، والترويض، بدءًا من المدرسة ونهايةً بالمصنع، وهم من أطلق عليهم اسم “المتعاقدين”، وهذا عندما شُرِحَ مصطلح السّياسة الحيوية كما قدمها ميشيل فوكو، وهي تشير إلى ممارسات وصلاحيات شبكة السلطة التي تدير تخصصات الجسد والسكان، أيّ الأفراد، إنها منطقة لقاء بين السلطة ومجالات الحياة القائمة على الاستهلاك الفردي، والمؤثرة في سلوكياته، وقِيَمه، وثقافته، كما أن فوكو يرى عُمق المشكلة يكمن في أن العامل والتلميذ والجندي “الأفراد” مهمّشون عن كشف حقيقة السلطة، بل هم جزء منها ومن مسيرتها في التحكم في البيئة الاجتماعية، وهذا بشكلٍ مُمنهج، إذ إن السياسة الحيوية كما ذُكر سابقًا، تشير إلى السياسة التي تمارس سلطتها على كائنات بيولوجية يعيشون في وسط بيئي معين.

وبذلك يكون تابو “الجنس” أكثر من هوس وتحريم، بل سلطة أولى، أو أداة في يد السلطة الأولى، لتقليم فكر المجتمع ومكانة الفرد به، وبكسر التابو من خلال فكر نقدي يطال هذا الامتداد يتعافى الفرد من الانغلاق الفكري وتمثيل ألوهية منطلقة من الذات وخاضعة للتفكير النقدي. ولا تكمن الفكرة بإقتناع الفرد بأهمية الجنس كمجال للتنوير والتثقيف، بل بتعافيه من الانغلاق الفكري وإخراج الجنس من التابو؛ وبعدها إن التفكير النقدي يحل تلك القضايا.

وأخيرًا، عند التفكير بقضايانا ومدى حكم التابوات للمارسات الفكرية، يجب أن نطرح السؤال التالي: ما بذور الانسداد الفكري؟ ومن ذلك نشرع نحو حالة المنهجة التي يعانيها المجتمع من النظام التربوي والهرم الإعلامي وسياسات السلطة لتأطير الشعب ليُحكم وليس ليتحرّر.

 قد يهمك أيضًا، رواية تتحدث عن الأنظمة الشمولية تحت مقصّ الرقابة،مراجعة رواية قصة حب ايرانية

 

المراجع:

"1" جورج طرابيشي. هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، بيروت، لبنان، طـ1، 2006. صـ 61

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مجد حرب

تحرير/تنسيق: دعاء أبو عصبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.