تأخذك إلى أعماق الفكر

الخسارة المحررة: التحليل النفسي والرأسمالية

كان الخيال ولا زال مصدرًا للإلهام والإبداع، ومجاوزة المعطيات الواقعية وما يتم اعتباره على أنه طبيعي والحالة الراهنة بشكل عام، وذلك يرجع إلى قدرة الخيال على تقديم واقع بديل أو تجاوز ذلك الواقع مما يتبعه عقد مقارنة مع الواقع الراهن، في الأغلب يكسب الواقع المتخيل ثم يبدأ التفكير في وسائل للوصول إلى ما قد تم تخيله، وبالطبع أنا لا أريد القول أن الخيال هو سبب التحول أو التغيير ولكنه وسيلة أو طريقة أو بنية فوقية، تتبع تغيرات بنائية أعمق.

ولكن نلاحظ أن الخيال في ظل الرأسمالية هو خيال فردي تطلعي، يتحرك ويتناول ما يريده في حرية ولكنها حرية مقيدة، أو محدودة بسياق أو ببنيات محددة، نشأت وتطورت ويتم الحفاظ على استمراريتها عن طريق خطابات ثقافية واجتماعية ومعتقدات متحيزة في الباطن ولكنها بالطبع تكتسب مرونة ظاهرية تتوافق مع روح الرأسمالية المتأخرة.

والمحطة التي نحن بصدد الوصول إليها، هي وجوب الحديث عن نوع الخيال أو بمعنى أدق زاوية النظر إلى هذا الخيال، وستكون زاوية نظرنا هي التحليل النفسي ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:

1- للتحليل النفسي منهج دقيق يجدد نفسه دائمًا ويحاول الوصول إلى كونه علمًا، وفي نفس الوقت لا ينفصل التحليل النفسي عن الواقع الاجتماعي والحياة اليومية، والأهم أنه لا ينفصل عن اللغة وما يتعلق بها من تأويل، وهو بذلك يتجنب العلموية والوضعية التي يقع فيها العلاج المعرفي السلوكي CBT على سبيل المثال.

2- أما إذا تحدثنا من منظور أيديولوجي أو سوسيولوجي، فعلاقة التحليل النفسي بالرأسمالية (وأيديولوجياتها) هي علاقة ذات حدين، لأن مكتشفات التحليل النفسي تحتوي على وعود تحررية غير مباشرة للتخلص من الاغتراب والتشيؤ، ولكن كانت لتلك المكتشفات نتيجة مضادة ألا وهي زيادة الاغتراب عن طريق المزيد من الاستثمار في خيال الإنسان وبالتالي الترويج الفعال للسلع (التقنيات المستخدمة في التسويق على سبيل المثال)، وما سبق كان ملمح مباشر أو غير مباشر لمدرسة فرانكفورت ونظرتها للتحليل النفسي.

إعلان

وهدفنا في هذا المقال هو الحديث عن تلك النقطة الأخيرة (رقم2) بشيء من التفصيل.

الولادة الثانية

ولنفهم أهمية الخيال في التحليل النفسي سنتناول الجنس كموضوع رئيسي في ذلك الاتجاه، فالخيال هنا يساهم في وضع تعريف وفهم جديد للجنس، وبسبب عدم إدراك العديد من الناس لدور الخيال، يسيئون فهم الفهم السيكواناليتيكي للجنس.

لا نستطيع إنكار أن للجنس دورٌ كبير للغاية في حياة الأفراد، ولو تناولنا الأمر من وجهة نظر فعلية أو مادية لن نجد أن للجنس ذلك الوقت والممارسة الفعلية التي يجب أن تكرس للجنس (لو قارنا الممارسة الفعلية بالاهتمام)، ويمكننا بعد ذلك إدراك أن الجنس -أو بمعنى أدق إدراك الإنسان ووصوله إلى المتعة- غير محدد فقط بالعملية الفعلية، ولكن بالخيال الذي هو في ذاته يمكن أن نعتبره محققًا لمتعة، فالخيال قادر على أن يعطي حياة جنسية للفرد بدون وجود جنسانية فعلية (Lear ,2015:74)، وفي الكلمات الأخيرة كانت أعظم اكتشافات الخيال، فالنظرة التقليدية للخيال تعتبره معبرًا أو طريقة للحصول على موضوع الخيال (كما ذكرنا في الفقرة الأولي من المقال)، و أي متعة متولدة في الطريق هي متعة ناقصة ستكتمل عند بلوغ الموضوع المنشود، ولكن الخيال نفسه له متعة ويحقق رغبة، وبالتالي فالمتعة المتولدة من الخيال هي ذات طبيعة مختلفة عن متعة اختبار المُتَخيَل بصورة واقعية.

وبالطبع لا يدرك الفرد ذلك والدليل هو أنه يكمل طريقه نحو موضوع الرغبة، والسؤال هنا: ماذا سيحدث عند الوصول؟ والإجابة ستكمل إدراكنا لمفهوم الخيال الذي لن يحدث أو لن يستمر إلا عند وجود نقص معين، وبالتالي تصبح الحاجة للمتعة ملحة، وهنا يبدأ دور الخيال، وبالتالي عند الوصول لموضوع الرغبة ستبدأ رغبة جديدة في الظهور، وهذا لأن الخيال كما أشرنا متعة في ذاته لكنه يتولد عن النقص، فللحصول على المتعة يجب أن يتوفر النقص، وبهذا سنجد أنفسنا مغتربين دائمًا عما بين أيادينا، وهذه هي علاقة الإنسان بالسلعة في ظل الرأسمالية، ونلاحظ هنا أن مبادئ التحليل النفسي قد تمت صياغتها في مناخ الطبقة البرجوازية الصغيرة، فمعظم مريدي عيادات التحليل النفسي في القرنين ١٩ و ٢٠  كانوا من أعضاء تلك الطبقة.

وسعي الإنسان الحثيث نحو المتعة المتولدة من الخيال (الذي يظهر عن طريق بزوغ موضوعات رغبة بشكل مستمر) تجعلنا نتساءل: لماذا ذلك النوع من الرغبة بالذات؟ سنجد أن بالإضافة لوجود النقص كشرط للخيال والرغبة، يجب أن يكون هناك موضوع للرغبة أيضًا، كشرط آخر للخيال، ويمكننا القول أن تجدد الموضوع سيفي بالإجابة والمهمة، ولكن تجدد الخيال يجعلنا نفرض وجود موضوع رغبة نهائي ومطلق (تمثل موضوعات الرغبة الأخرى، موضوعات انتقالية تؤدي إليه)، ولكن يجب أن نفهم أن ذلك الموضوع المتعالي لم ولن يتم الوصول إليه، لأن نضوج الإنسان الفكري والجسدي قد حال بين الإنسان وذلك الموضوع الذي هو الأم، أو بمعنى أدق السياق الذي كانت تقدمه الأم للرضيع سواء بداخلها أو خارجها، ذلك السياق يتمثل في الشعور بالكمال أو التكامل والشعور بالوحدة مع الأم، والأهم من ذلك يمثل السياق المرحلة ما قبل اللغوية، أي قبل تعلم الإنسان اللغة التي بدون مبالغة تمثل الولادة الثانية بالنسبة للإنسان، فتعلم اللغة يقضي على حالة الوحدة والتكامل النفسي ويؤدي إلى التشظي، فمعظمنا يمتلك شعورًا إيجابيًا عندما يرى طفلاً ما يتحدث لأول مرة وكأننا نقول: “ها هو الآن يستطيع أن يعبر عما بداخله”، ولكن العكس هو الصحيح، وهو أن التحدث أو التلفظ يمثل لحظة احتياج ونقص شديدين، فقبل اللغة لن يعبر الطفل عما بنفسه لأنه لا يحتاج إلى ذلك التعبير من الأساس، والأهم من ذلك أن ما بداخله ليس بالشيء الذي يحتاج إلى التعبير عنه للآخر، فحتى الآن هو لا يدرك وجود الآخر إدراكًا كاملاً، فإدراك وجود آخر يعتمد بشكل كبير على النظام اللغوي.

الفردوس المفقود

والآن لنتعمق أكثر في العمليات النفسية التي تحدث للفرد، فعندما يدخل الطفل في النظام اللغوي يحدث ما يمكن وصفه بالخصاء أو الانفصال، ويرجع ذلك إلى عقدة الخصاء أو عقدة أوديب، وبدون الولوج في تفاصيل كثيرة، بالنسبة لـ “لاكان” تمر عقدة أوديب بثلاث مراحل أساسية:

(Lacan: seminar V, nosubject.com)

1- المرحلة ما قبل الأوديبية: وفيها يتم التأهيل لما سيحدث فيما بعد، فيدرك الطفل أن لديه قضيبًا ويظن أيضًا أن الأم كانت تمتلك قضيبًا ولكن تم إزالته، وبالتالي يريد الطفل أن يكمل ما ينقص أمه عن طريق إدراك إمكانية كونه قضيبًا لها. (الطفلة تدرك أنها تنقص شيئًا مثل أمها وترى في أبيها المكمل لذلك النقص).

2- المرحلة الثانية: يظهر فيها الأب المتخيل أنه المذنب في عملية الخصاء.

3- يشعر الطفل بتهديد من الأب المتخيل، فيخشى الإخصاء، ويقبل سلطة الأب.

وهنا يفقد الطفل ما يسميه لاكان بالـ jouissance، وهو مصطلح لديه معانٍ كثيرة ولكنه هنا يعبر عن الفقد وخسارة الأمل في الاتحاد مع الأم (بأن يصبح الطفل جزءًا من الأم)، وتلك الخسارة تؤهل الفرد إن جاز التعبير للحياة، لأن الجويسانس في الأصل تقبع وراء مبدأ السعادة الفرويدي؛ حيث الألم والفناء (الذي كان سيصيب الطفل إذا لم يتنازل عن رغبته الأولى)، فالجويسانس هو حياة أكثر من اللازم.

وهنا يدخل الطفل في النظام الرمزي، أو حسب فرويد: الأنا العليا، التي تضبط وتحدد الرغبات وتكافئ أو تعاقب عن طريق الإحساس بالذنب.

والنظام الرمزي بالطبع هو اللغة، والكائن المتكلم هو بالطبع مفتقد للجويسانس.

وما سبق يعتبر وصف نفسي لمرحلة الانتقال إلى اللغة، ولكن ماذا بداخل اللغة نفسها يجعلها موطن الاغتراب؟ مما لا شك فيه أن الفرد لا يبتلع اللغة أو يستبطنها بل هي التي تبتلعه، فالفرد هو الذي يدخل عالم اللغة، وهو بالطبع لا يدخل بصورته الأولية بل يتم تشفيره أو تحويله إلى بيانات تقبل استعمالها اللغة، ومن الأمثلة على ذلك كلمة “أنا”، التي نظن أنها تعبر عن الذات أو تعبر عني أو عنك بالخصوص (وهذا بالطبع مستحيل)، لكن لو تناولنا الأمر من وجهة نظر بنيوية للغة، سنرى أن كلمة “أنا” ما هي إلا علامة والعلامة كما نعلم اعتباطية.

فقد درس البنيويون الأوائل اللغة من ذلك المنظور، فوجدوا أن الكلمات ليس لها معنى خارج اللغة (Sturrock, 2003: 35) وأن العلاقة بين الدال والمدلول يجب أن تدرس في حالتها الثابتة، وذلك في سبيل الكشف عن البنيات الأعمق التي تتحكم في صياغة اللغة بشكل عام.

ومن هنا يمكننا أن نشير إلى ما أسماه “لاكان” بمنطق الدال، حيث يتحكم الدال في المعادلة ويعد الدال بالوصول إلى المدلول، ولكن لا يلبث المدلول أن يتحول إلى دال وهكذا…

فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز، والسؤال هنا: مع كل تلك العوامل التي تطغى على الوحدة النفسية وبناء الذات، هل توجد عوامل معاكسة؟

وللإجابة عل ذلك نصل إلى ما يسمى بمرحلة المرآة، وهي تلك اللحظة التي يلاحظ فيها الطفل صورته specular image في المرآة ويلاحظ حركاته المختلفة، وبالتالي يتعرف على الصورة identification، وتلك الممارسة تعطي الطفل شعورًا بالوحدة والكمال gestalt وتماسك الذات، وهي في الواقع تبني الأنا لدى الطفل (Lacan, 2006: 75-81)، ولكن لاكان لا ينهي الحديث هنا، فرؤية الطفل لنفسه تعزز خيالاته أو أفكاره عن الانفصال أو إمكانية ذلك الانفصال، أو بمعنى أدق: الخصاء (Murray, 2016: 100)، وتعاكس المرآة الفكرة التي كانت تؤيدها في البداية، فعندما يرى الطفل صورته يسهل ذلك عليه إدراك نفسه كموضوع، وتلك العملية تؤيدها اللغة أيضًا كما أوضحنا، مما سيؤدي إلي اغتراب أو تشظي الأنا، فإدراك الفرد لذاته يستوجب ابتعاد تلك الذات عنه أو تحولها إلى موضوع، وتحول الذات إلى موضوع يمنع دائمًا تكوّن تلك الذات من الأساس.

وبهذا ينتقد لاكان الكوجيتو الديكارتي ويستبدله قائلاً: “أنا أفكر حيثما لا أوجد، إذًا أنا موجود حيثما لا أفكر”.

ومرحلة المرآة هي مرحلة تشكل الأنا المتشظية، ومرحلة تكون الخيالي imaginary، فالطفل يتخيل صورته في المرآة، بالطبع هي صورته، ولكنه يتخيل تلك الصورة أو بمعنى أدق يتخيل الوحدة والانسجام، وكما ذكرنا فإن إدراك الانفصال الذي يتبع الانسجام يحتم علينا فهم الصورة على أنها خيال، وبالتالي يصبح مجال الخيالي هو مجال الصورة والخداع الذي يرتبط بالنسبة للتحليل النفسي بالحقيقة، فالأكاذيب تنطوي على الحقائق.

إذًا فالتخيل هو محاولة لإعادة الجويسانس المفقود.

ماركس ولاكان

والآن هل الإنسان يفقد الجويسانس إلى الأبد؟ أو هل لا يعاود الجويسانس في الظهور مرة أخرى؟ بالطبع لا يعود بأكمله لأنه كما ذكرنا انتهى مع بداية اللغة، ولكن يعاود الحضور في صورة ومضات ضعيفة، ولكن كما أن الجويسانس سيعود في صورة غير معتادة فبالطبع سيكون موضوع الرغبة غير معتاد (أي لن يكون الموضوع الأصلي ألا وهو الأم)، يسمي لاكان الموضوع objet petit a، وهو موضوع رغبة لا يمكن الحصول عليه unattainable object of desire، فهو يحاكي الموضوع الأصلي، ويسمح بإعادة جزء من الجويسانس، يسمي ذلك الجزء بالمتعة الفائضة plus de jouir، والعملية كلها عبارة عن تضحية، فالفرد يضحي بذلك الموضوع (الذي لا يقبل الوصول إليه) في سبيل الحصول على تلك المتعة الصغيرة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يوسف شوقي مجدي

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.