تأخذك إلى أعماق الفكر

مترجم| التجربة الدينية في ضوء ألعاب فتغنشتاين اللغوية

في هذا المقال، أحاول فهم وجهة نظر فتغنشتاين الدينيّة في سياق ألعابه اللغوية وارتباطاتها بأشكال الحياة، وبلا شك أن سوء الفهم حاضر فيما يتعلق بالمقاربة الصحيحة لألعاب اللغة واشتباكها بأشكال الحياة، والتي تم نقاشها من قبل العديد من الفلاسفة البارزين الذين أدين لخوضهم البحثي في مجال اللغة عند فتغنشتاين وتداعياتها وتجلياتها الخاصة في فلسفة الدين.

سأهتم في مقالي هذا بأمرين، الأمر الأول هو معرفة كيف يجب فهم العلاقة المترابطة بين الألعاب اللغوية والدين في مقامها الصحيح، والأمر الثاني هو إدراك معنى وأهمية أن يكون للحياة بعد ديني في ضوء تأملات فتغنشتاين العميقة في مغزى أشكال الخطابات المختلفة وكيف تعمل اللغة في الخطاب العادي وكذلك في كيفية عملها في الحقل الدينيّ. بأي طريقة يمكن لنا فهم أهمية الفكرة التي تقول بأن ما هو صوفي وأخلاقي وروحي وديني تجارب تنتهي عندها مهمة اللغة، فلا يمكن وصفها بالكلمات، فهي تجارب تظهر نفسها.

كيف نفهم ارتباط اللغة الدينية بحياة الإنسان وسلوكه؟ أي ضَرب من الارتباطات المنطقية يمكن جعلها اعتقادات دينية؟ إنني أحاول فهم اللغة البشرية كشكل من أشكال الحياة بوصفها نشاطًا مرتبطًا بحياتنا وثقافتنا، والذي بدوره سيساعدني في فهم الدين في ضوء فلسفة فتغنشتاين اللغوية.

أواجه نوعًا من الصعوبة في ربط “اللغات” بـ”الألعاب” بطريقة مبسطة توحي انطباعًا مفاده أن الطريقة التي يتعلم المرء فيها ما هو الكلام وما هي الألعاب طريقة متشابه، لذلك أريد توضيح القواعد المختلفة التي تحكم اللعبة اللغوية وتلك التي تحكم نوعًا معينًا من الخطاب المتجسد في أفعال. لا يمكننا الذهاب في التشابه إلى أبعد من ذلك، لأن كلًا من الألعاب وأفعال الكلام عبارة عن أنشطة محكومة بقواعد، مع أن المزاج العام يميل إلى كونها أنشطة معزولة عن ممارساتنا الحياتية.

ما ذكرناه يقودنا بطريقة غير مباشرة إلى القول بنسبية من نوع ما فيما يخص المسائل والقضايا الأخلاقية والدينية، ولكن من الأهمية أن نكون حذرين عندما نستخدم مفاهيم فتغنشتاين عن الألعاب اللغوية، ويعبر راش ريز عن هذا بقوله: “عندما يقول فتجنشتاين أنه عندما نوضح ماذا تعنيه “لغة” فإننا نوضح ما تعنيه “لعبة”، وهو لا يفكر في توضيح تعطيه لشخص بطريقة عادية، بل توضيح تقدمه بطريقة فلسفية”، ومن ثم فإن المسكلة هي معرفة أي نوع من التفسير يمكننا طرحه هنا.

إعلان

يعطي فتغنشتاين تشابهًا وتشابكًا عندما يوضح ما هي اللعبة، وهو ليس أكثر من تشابه، وفي بعض الأحيان نكون غير قادرين على تمييز هذا التشابه والتعامل معه، فالارتباط موجود بين التحدث واللعب، ولكن أفكر في فكرة الارتباط في التوضيح الذي يظهر ما تعنيه اللغة واللعبة. يوضح راش ريز الاختلافات بين تعلم ما تعنيه “اللعبة” وتعلم وسائل “التحدث”، والنقطة التي يطرحها هنا هي الحاجة إلى تعلم ما هو أكثر من تكلم لغة، إنه تعلم السياق والنسق الذي يتم استخدام اللغة فيه، فاللغة أوسع وأخصب من اللفظ، حينما يتعلم الطفل اللغة يتعلمها كسياقات واستخدامات وعلاقات وليس كمفردات، عندما نتعلم العديد من الألعاب اللغوية فإننا نتعلم أسلوبًا وشكل حياة، ولفهم تعبيرات مثل “الشتم” أو “التحية” علينا أن نتعلمها في سياق، لنعبر عنها كنشاطات بطريقة مرتبطة بأشكال الحياة وغير معزولة عنها.

يمكن للمرء لعب الكريكيت إذا عرف قواعدها، وكذلك الأمر في لعبة تقديم الشكر أو التحية، فالمرء يستطيع لعبها إذا تعلم القواعد الناظمة لها، فيحسن كيف يستخدمها ومتى. ولكن في سياقات أخرى هناك فرق بين الألعاب وأفعال الكلام، فقد نتخيل مجتمعًا به مفردات محدودة تمثل التواصل من خلال فعل الكلام، وهو أسلوب تعلموه بطريقة مبنية ومتشابكة في نشاطهم الحياتي، ولكن لا يظهر هذا البعد الإنساني للغة، وهذا البعد هو جزء من البناء الإنساني. إن تعلم طريقة الخطاب هو أكثر من مجرد تعلم آلي للاستجابة للإشارات.

في المثال المشهور الذي أورده فتغنشتاين في كتاب التحقيقات، يملك عاملو البناء في هذا المثال منظومة مفرداتية وشكلًا من أشكال الكلام محدودًا للغاية، أحد العاملين يصرخ بأمر ما، فيستجيب له العامل الآخر، وربما لا يملكون لغة أخرى باستثناء هذه، وفي هذا الشأن يقول ريز:”ولكني أشعر بأن هناك شيء ناقص هنا”، المشكلة هي أنه لا يمكننا تخيل أنهم يتحدثون اللغة لإعطاء الأوامر فقط في هذا السياق، وإلا لن يتكلموا أبدًا، ولا أعتقد أنه يمكننا التحدث عن لغة هنا، وسيكون على العاملين على سبيل المثال إعطاء الأوامر إلى أطفالهم في مناسبات مختلفة وكيف سيرد عليهم الأطفال أو يمكنه الاسترخاء ومناقشة أمور البناء معهم بطريقة هادئة، وبالتالي هذا يتطلب استخدامات أخرى لتلك التعبيرات التي لا تتعلق بقواعد ومنظومة البناء. تعلم القواعد هي معرفة القوانين المشتركة لكل هذه القواعد، وإلا كيف يفهم الأطفال اللغة غير المرتبطة بتقنيات البناء، إن فهم “بلاطة!” ليس مجرد رد فعل تلقائي، ولكن يجب أن يكون هناك قواعد وعلاقات لاستخدام هذه التعبيرات. إذا كانت اللغة نوعًا من الاستجابة لهذا الفعل الخاص بالكلام، فإن اللغة هي نوع من أنواع اللعبة، وما لم تكن هناك مرونة وفضفضة في استخدام التعابير في مناسبات مختلفة، فإننا لن نفهم هذه التعابير والإحساس الذي ينقله في تلك المناسبات. التعبيرات ليست جزء من روتين معين، بل يمكن استحضارها في عدة مواقف وسياقاتها وهي التي تتحكم بطريقة استخدامها.

والنقطة التي يطرحها ريز بكل وضوح هي أن المرء لا يتعلم ببساطة كيفية ترتيب الجمل ونطقها بشكل مجرد، ولكن عندما يتكلم المرء فهو يتعلم أن يقول شيئًا، وهو اكتسب الحسّ بمدى اختلاف السياقات وما التعابير التي تناسبها، وهذا هو السبب الذي يجعله يستطيع الإجابة أو سؤالك والاستطراد في المحادثات أو التوقف وإلى آخره من النشاطات، ففي سؤاله لك في المحادثة وانتظاره للإجابة نوع من امتلاك للحسّ العام وإمكانية التنبؤ بكيفية فهم الشخص المقابل ومعالجته للسؤال لأنهم يخضعون لنفس المناخ العام، وفتغنشتاين يقول:”في محادثة: شخص يرمي الكرة، والآخر لا يعرف، هل يعيدها له أم يتركها أو يلتقطها ويضعها في جيبه”، فالذي يجعل الحديث مثيرًا وحيويًا هو ارتباطه بخلفية معينة متجذرة في الحياة وفي أشكالها المختلفة، وإذا كان البناة ليسوا دمى متحركة ولكنهم بشر حقيقيون لديهم آمال وطموحات، فإن نشاط البناء لديهم يجب أن يكون له علاقة بحياتهم والتي تشمل على أنشطة واستخدامات أخرى للكلمات.

عندما يتعلق الأمر بالبناء فأنهم يستخدمون الكلمات المتعلقة بآليات وتقنيات البناء المنقطعة عن أنشطتهم الحياتية الأخرى، ولكن هذه صورة ليست مكتملة، فالبناة لديهم عادات وأغاني ورقصات وأساطير وقصص يؤمنون بها لا يمكن وصفها بلغة البناء. يمكننا القول أن البناة لديهم حياة وأن خطابهم في مناحي الحياة سيكون مختلف عن خطابهم البنائي.

ومن المثير للاهتمام أن الفهم السطحي لألعاب اللغة أدى ببعض الفلاسفة إلى إظهار أشكال الحياة على أنها معزولة ومنفردة عن اللغة، ويلاحظ فيرغس كير: “أن من الغريب أن مالكولم يتبنى إلى حد كبير الحديث عن الدين كشكل من أشكال الحياة، وهي لغة مغروسة في أفعال، وهو ما يسميه فتغنشتاين لعبة اللغة. العلم هو الآخر، لا يقف أي منهما في حاجة إلى مبرر، ولا يوجد مبرر لهما أكثر من ذلك”، لكن إذا كان شخص يؤمن بالدين المسيحي، لا يمكنه الدخول في نقاش عقلاني حول دينه أو دين آخر، وهذا شكل من أشكال الإيمان، ويضيف روجر تريغ:”علينا فقط أن نسأل إذا كان دين ما، المسيحية أو طائفة مسيحية معينة كالكاثوليكية تعد شكلاً من أشكال الحياة”، ولا يوجد طريقة واضحة للإجابة عن هذا السؤال، وبالتالي هذا يقودنا إلى فكرة لعبة لغة دينية مستقلة لها قواعدها الخاصة التي لا يعرفها إلا من يلعبون اللعبة الدينية ويخوضون تجربتهم الخاصة.

هذا يستبعد أي نقاش له معنى بين المؤمنين الذين لهم تجربتهم ولغتهم الدينية الخاصة وبين غير المؤمنين، ولكن هناك كلمات تستخدم من قبل الطرفين وتملك معنى مشترك بينهم. يقول فتغنشتاين:”بمعنى واحد، أنا أفهم كل ما يقوله- الكلمات الإنجليزية “إله”، “مستقل”..إلخ. أنا أفهم. أقول فقط “أنا لا أؤمن بهذا”،وهذا سيكون معنى حقيقيًا”، فقد أكون لا أملك الحس والشعور والشغف للإيمان بهذه التجربة. كثيرًا ما كان فتغنشتاين يتحدث عن المسائل الدينية بطريقة متصلة مع الكلام العادي، فتلك المسائل ليست منعزلة عن الحياة العادية، بل هي توسع مفاهيمي للمعاني المألوفة، وتلك المعاني المألوفة يُضاف إليها معنى ومغزى ديني مع توسع واستمرارية في الخطابين، بالإضافة إلى أن هنالك كلمات تستخدم في الكلام العادي وفي التجربة الدينية، ولكن الأثر يكون مختلف بين الحقلين.

أريد ذكر هذه القصة الملفتة في حياة فتغنشتاين والتي من المهم ذكرها لدلالاتها:”في عام 1933، قرر دروري أن لا يخضع للتأهيل ليصبح قسيسًا، وبدلاً من ذلك قام فتغنشتاين بدعمه ماليًا ومعنويًا ليخضع للتدريب الطبي. وفي أحد الأيام في العام نفسه أخبر دروري فتغنشتاين أنه طُلب منه أن يعمّد ابن أخيه قائلاً: يجب على الوالدين أن يعدوا باسم الطفل للتخلص من الشيطان وجميع الأعمال الخاطئة، وللتخلص من الغرور والشر في هذا العالم، وكل الحالات الخاطئة للجسد” ويضيف:”كيف سأقول كلمات لا اؤمن بها، هذا غير معقول، هذا شيء لم أفعله بنفسي”، ليرد عليه فتغنشتاين ويقول:”أن يتخلى عن مضامير هذا العالم الشرير ومغامراته. فكر فقط بما يتضمنه ذلك. من منا يفكر في مثل هذا الشيء؟”.

ربما يمكن للمرء أن يحدد البعد الإنساني في فلسفة فتغنشتاين التي ترتبط إلى حد كبير بفلسفة الحياة على عكس الفلسفة التي تعتمد التجريد والإطلاق، فلسفته للشارع والرجل العادي، الذي يلجأ للطريقة الأسطورية والرمزية للتعبير عن الغرابة والعمق في نفسه وفي العالم من حوله. تنفر فلسفته من الصلابة والجمود، أي شيء لا حياة له، ويواصل كفاحه ضد التيار الشائع للفلسفة لحماية هذا البعد العميق للحياة، ويستمر في ذلك الكفاح للفلسفات التي لا حياة لها، ولا تكشف عن البعد العميق للإنسان ولا تهتم به. لطالما أثار نفوره المحاضرون والصحفيون وأساتذة الجامعات الموتى، بمعنى أنهم ضد شغف الحياة للرجل العادي. يرى فتغنشتاين الفرق بين العلم والدين، بين اللاشغف والشغف، بين الحكمة الجافة وما أطلق عليه كيركيجارد “الإيمان العاطفي”.

يرى نيتشه انقسامًا بين (Apollonian) و(Dionysian) والتي جعلته يكتشف ويستطلع تنوع وثراء الحياة، ضد النظرة العقلية المجردة، ولكن بالنسبة لفتغنشتاين كان البحث عن البعد الأعمق، بحث عن البعد البارز والمتعالي للحياة الذي يمكن أن ينسق بين الحكمة والعاطفة والفلسفة مع ارتباطات دينية، لأنه يفهم الفلسفة كونها حكمة بالرموز.

إن الحكمة المجردة تحجب عنّا الحياة وأسرارها، هي مثل “الرماد الرمادي الذي يغطي الجمر القاتم”، فهي حكمة تتظاهر بالذكاء، ومن ناحية أخرى، فإن الفلسفة يمكنها أن تقدم شيئًا فيما يخص البحث والسعي للسؤال العميق الذي يجعل الرجل البسيط يسأل عنه بتواضع، وهو السؤال عن “الله”. يستطيع فتغنشتاين بحساسيته العالية التحدث مع المؤمن بأي معنى ومتى يمكن للإنسان الشعور بالله وبوجود هذا العالم، وبأي معنى يشعر بوجود هذا العالم، طالما أن الفلسفة عند فتغنشتاين هي نوع من “الحكمة العاطفية”. بحثه عن الوضوح والمعنى يرتبط بحياته وتجاربه الشخصية، التي لا تستوعب أو تحتمل أي شيء لا يقال بوضوح، وبحسه الشاعري، اعترف أيضًا بالغيب والبعد الصوفي في حياة الإنسان، والذي لا يمكن للفلسفة الحديث عنه أو رفضه كونه هراء. ما لا يمكن أن يقال يُظهر نفسه بوضوح، تلك السمتان في شخصيته تعطيان نظرة فريدة من نوعها للعالم لدى فتغنشتاين، وهو ليس فقط مجرد فيلسوف عبقري ناقد، بل لديه ذلك الجانب الفنّي والعاطفي الواضح.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: مروان محمود

تدقيق لغوي: مروان محمود

تعليقات
جاري التحميل...