تأخذك إلى أعماق الفكر

البنى الاستعارية لمحمد بازي: مفاهيم جديدة وتصورات بديلة

يواصل الباحث والناقد المغربي الدكتور محمد بازي مشروعه الفكري في مجال التأويل التقابلي بإصدار جديد حمل عنوان “البُنى الاستعارية -نحو بلاغة موسعة-“(1)، يقع الكتاب الصادر حديثًا في مائتين وعشرين صفحة من القطع الكبير، تتوزعه ثمانية فصول متساوية الحجم تقريبًا، زاوج الناقد فيها بين التنظير والإنجاز، ومقدمة ضافية تناولت الأهداف المتوخاة من الدراسة، وتوضيحًا لاختياراته النظرية، وإشارة إلى أعمال باحثين غربيين وعرب، اعتبرها موجهة لإكمال ما اعتراها من نقائص، وخاتمة عبارة عن رؤية استشرافية لآفاق البحث في التأويل التقابلي الذي ارتضاه منهجًا لمساءلة النصوص والخطابات، والكشف عن مقاصدها ودلالاتها الثاوية خلف كل ما هو ظاهر وبيّن، وذلك من خلال ابتكار مفاهيم جديدة، وتقديم تصورات بديلة، يمكن أن تسعف في توسيع الإرث البلاغي العربي القديم، وتطويره ليساير الطفرة الرقمية لكن دون تقويضه أو تبخيسه(2).

التأويل التقابلي مشروع متكامل

لا يزيغ هذا السِّفر الثمين عن الإطار النظري الذي رسمه صاحبه في مؤلفاته الأخرى، لاسيما كتابه البكر المعنون بـ”التأويلية العربية”، وما تلاه من كتب أخرى تغيا الباحث منها تعميق البحث في التقابلية بتجريب مفاهيمها وأدواتها على خطابات شتى تراوحت بين الشعر والنثر، والنص القرآني الذي يحظى بأهمية كبيرة في أعماله على نحو ما نجده في “البنى التقابلية”(3).

فبعدما ابتكر مجموعة من المفاهيم في كتابه الأول “التأويلية العربية” من مثل: بلاغة الامتداد، وبلاغة الارتداد، وغيرها من المفاهيم الأخرى، انتقل فيما بعد إلى الإعلان عن أن الأمر يتعلق بنظرية لها جهازها المفهومي الخاص بها، وأسسها المتينة التي تقوم عليها، ويظهر ذلك بشكل جلي في كتابه الدسم “نظرية التأويل التقابلي: مقدمات لمعرفة بديلة بالنص والخطاب”(4) الذي وسّع فيه المشروع ليشمل مختلف مجالات المعرفة.

فبعدما خصص آخر مؤلفاته لمبحث الاستعارة التي درسها في الجملة والنص أو ما سمّاه الاستعارة النصية بدل الاقتصار على دراسة الاستعارة بالتركيز على الكلمة المفردة مثلما فعل القدماء؛ ها هو ينتقل في هذا الكتاب إلى تقديم تصور موسّع لمفهوم الاستعارة في إطار ما سمّاه الاستعارة المنوالية التي تشمل اللفظي والمرئي، مما يعني أن الأمر يتعلق بمشروع متكامل، يشق طريقه بنجاح، لاستنبات مفاهيمَ جديدة قمينة بتطوير الدرس البلاغي وإخراجه من إطاره اللغوي الضيق، ولعل هذا ما سيلاحظه قارئ هذا الكتاب عندما سيجد مؤلِّفه ينبه إلى أن الأمر يتعلق بتوسيعٍ لمفاهيمَ أُثيرت في مؤلفات سابقة.

لذلك فإن القبض على مقاصد هذا الكتاب، والقبض على معانية، لا يمكن أن يتحقق إلا باستحضار سلسلة مؤلفاته الأخرى ليقابل القارئ بينها وفق ما يقتضيه المنوال الاستعاري.

إعلان

الاستعارة المنوالية الجوّالة

يقسم الاستعارة إلى ثلاثة أضرب: استعارة لغوية تعنى بطرائق اشتغال اللغة في الخطاب، اعتنى بها القدماء كثيرًا، واستعارة تصورية تمكننا من تصور المفاهيم المجردة وفهمها انطلاقًا من المحسوسات، شكّلت موضِع بحث لدى فلاسفة اللغة، ثم استعارة منوالية تنهل من البنى الثقافية، تقوم على منوالين: الأول جاهز يُستعار من حقلٍ ما، والثاني في طور التشكل ينطلق من الأول.

إذا كان النوعان الأولان قد تم الاشتغال بهما قديمًا وحديثًا، فإن محمد بازي يقترح النوع الثالث ويراه عامًّا وشاملًا؛ فالاستعارة المنوالية هي “مجموع أفعال الكتابة الصناعية من تخيل، وتخير، ومحاكاة، واقتباس، وأخذ، وتطالب، وتجاذب، بين الخطاب قيد الإنجاز، وبين مجموع المرجعيات الممكنة التي يستعين بها منتجوه”(5).

معنى هذا أن الاستعارة حاضرة في مختلف مناحي الحياة، ولا تقتصر على مجال اللغة فحسب، لذلك انبرى إلى دراستها في النصوص الأدبية وغير الأدبية، في العالم الواقعي والافتراضي، في المرئي وفي الملفوظ؛ لقد غدا الإنسان حسب هذا التصور كائنًا استعاريًا(6) يستعير أنوالًا عديدة ليبدع ويطور انطلاقًا منها؛ أي وفق طراز أو نسق سابق، مع مراعاة عناصر أساسية تقوم عليها الاستعارة المنوالية، وهي: المزج، والتناسب، والتعارف بين الأصل المستعار منه والفرع المستعار له.

وللكشف عن الفعالية الإجرائية لهذا التصور الجديد للاستعارة، توقف بنوع من الإسهاب عند دراسة الاستعارة في البنايات والأشكال الهندسية، وفي عناوين المؤلفات، وفي العالم الافتراضي الرقمي أو ما سمّاه الاستعارة الافتراضية، وفي الشعر، إذ أفرد الفصل ما قبل الأخير لدراسة إحدى القصائد الشعرية الرائعة “تذللت في البلدان” للعارف بالله أبي مدين، محللًا إياها تحليلًا عميقًا، مبرزًا كيف استعار الشاعر منوال الشعر الغزلي للشعر الصوفي؛ فالاستعارة ليست سوى أنوالٍ جوّالة تتم استعارتها للتعبير أو التواصل أو الإقناع أو ما شابه ذلك.

3.الاستعارة في المنظومة التربوية                                              

تقتضي الخطابات الجديدة المتصلة بالعالم الرقمي تحديدًا تطوير الجهاز المفهومي الذي اشتغل به القدماء، وتقتضي كذلك تحرير الاستعارة من سطوة اللغة لتشمل مجالات أخرى أرحب وأوسع، وتبعًا لذلك، يرى الباحث أن طرائق تدريسها في المنظومة التربوية خاصةً في السلك الثانوي التأهيلي تظل تقليدية لا تُسعف في فهم مقاصد الاستعارة، لأنها لا تساير روح العصر، والثورتين الرقمية والتكنولوجية، مما يؤدي إلى عجز في تقديم مفاهيم جديدة لفهم بلاغة الرقميات الحديثة.

فالمتعلمون يمثلون “جيلًا استعاريًا يواكب الأنوال الرقمية المتطورة تلقائيًا”(7)، في المقابل ما زالت المدرسة تخاطبهم بمفاهيم قديمة، وشواهد بعيدة كل البعد عن حياتهم، وتختبر قدراتهم بطرائق كلاسيكية جدًا، ولعل هذا ما جعل “المدرسة اليوم تصيب كثيرًا من المتعلمين بالإحباط، والصدمات والارتكاسات”(8).

ومع ذلك، فإن دعوته هذه إلى تطوير الخطاب الاستعاري لا تعني البتة القطع مع الظواهر البلاغية القديمة بقدر ما يدعو إلى تحيينها، وابتكار طرائق جديدة لتدريسها حتى لا تبقى علوم العربية متوقفةً عند ما أبدعه السكاكي والجرجاني وغيرهما.

الحاجة إلى معاجم جديدة للاستعارة

إن تحديث الاستعارة العربية، وتطوير مفاهيمها للخروج من تفريعاتها القديمة: الاستعارة المكنية، والتصريحية، والأصلية، والتبعية… التي لا تُمَكِّنُ المتعلمين في المدارس من تذوق الاستعارة واستيعابها، لا يمكن أن يتحقق إلا باستعارة أنوال جديدة مناسبة لعصر التقنيات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اللغة العربية تغيرت معانيها مراتٍ عديدة، بل الكثير من الكلمات لم تعد لها القوة الدلالية نفسها التي كانت لها فيما مضى، وربما لم تعد مجديةً في تمثيل الاستعارة.

لذا صار ملحًا تأليف معاجم استعارية جديدة من شأنها أن تقدم خدمة للاستعارة العربية لنقلها من الإطار اللغوي الضيق إلى الإطار المرئي الأوسع، نظرًا للأهمية البالغة التي غدت تحظى بها الصورة في مختلف مناحي الحياة اليومية.

لقد دعا باحثون أكثر من مرة إلى تجديد معاجم اللغة العربية، يأتي في طليعة هؤلاء المفكر المغربي عبد الله العروي، حيث ذهب إلى أن “لسان العرب” ليس قاموسًا تاريخيًا لأنه لا يراعي التسلسل الزمني للمعاني(9).

لكن هنا وجب التنبيه، فبازي يدعو إلى تطوير الاستعارة انطلاقًا من منوال القدماء أنفسهم دون التقليل من مجهوداتهم، رافضًا بذلك التبعية العمياء للغرب، في حين يدعو العروي إلى الأمر نفسه لكن بمبرر القطع مع التراث الذي لا تجدي دراسته في شيء.

بناء المفاهيم

في قراءتنا لمؤلفات الدكتور محمد بازي نلاحظ أنه ليس من الباحثين المنبهرين بالمفاهيم الحداثية البراقة، وليس من المنتصرين للتصورات الغربية التي يعلي من شأنها البعض، دون أن يضعوا ذلك على محك النقد والتمحيص لمعرفة ما يناسب منها بنياتنا الثقافية، فهو يتساءل: لماذا نصدق أن ما يبدعه الغرب يستحق أن نسميه نظرية؟ ولماذا نتجرأ على إخراج ما شيّده العرب القدماء من دائرة النظرية؟

إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تقليدٍ أعمى يجعل حداثتنا تتصف بالكسيحة(10)؛ لأنها مبتورة من سياقها الأصلي، ويظهر هذا عند صاحب نظرية التأويل التقابلي من خلال أمرين اثنين، أولهما: نحته لمفاهيم تنهل من النسق اللغوي العربي الأصلي مثلما فعل في “البنى الاستعارية” لمّا ابتكر مفهوم الاستعارة المنوالية الجوّالة، ونجد هذا الأمر في كتب أخرى مثل كتابه الأول الذي قدّم فيه مفهوم التأويلية بديلًا للهرمينوطيقا، وثانيهما يتجلى في انتصاره لتصور الناقد المصري الراحل عبد العزيز حمودة الذي بيّن في كتابه القيّم “المرايا المحدّبة” كيف تعسّف العديد من الباحثين على نصوص عربية تراثية عندما يستعيرون تصورات، ونظريات، ومناهج أفرزتها سياقات غربية لم يمر بها العرب، مما يجعل دراساتهم تسهم في تشويه تلك النصوص وتضليل معانيها بدل إضاءتها حسب زعمهم.

لقد توقف الباحث عند عنوان”المرايا المحدّبة” الذي رأى أن استعارته كانت موفقة لبيان صورة النقد العربي، فالتحدّب أظهر مدى فشل التبعيين في نماذجهم التي استعاروها، وبعد استعراضه لأهم تصورات “حمودة”  التي انتقد فيها انتقادًا شديدًا المفاهيم المستعارة، وما أحدثته من فوضى وتسيب، خلص إلى أن هذا التهافت على مفاهيم الغرب يعزى إلى “العجز البيّن عن بناء أدواتنا النقدية؛ لافتقاد استراتيجية تنطلق من الأصل القوي الذي تحفل به بلاغة التأويل العامة”(11).

هكذا يرى القارئ لهذا المشروع المتكامل أن صاحبه يستعير من الغرب روح الاجتهاد، إذ ينبغي علينا تطوير بلاغتنا مثلما طوروا بلاغتهم دون أن نجد حرجًا في ذلك، لكن شرط أن ننطلق من الأصل دون تحريفه، حفاظًا على الخصوصية، ودفاعًا عن الأصالة بدل الاستلاب.

هوامش وإحالات:
(1) بازي(محمد): البنى الاستعارية -نحو بلاغة موسعة-، منشورات ضفاف/بيروت، ومنشورات الاختلاف/الجزائر،  ودار الأمان/الرباط، ط، 1، 2017.
(2) نفسه، ص: 14.
(3) بازي(محمد): البنى التقابلية -خرائط جديدة لتحليل الخطاب-، دار كنوز المعرفة العلمية، عمان، الأردن، ط1، 2015.
(4) بازي(محمد): نظرية التأويل التقابلي: مقدمات لمعرفة بديلة بالنص والخطاب، منشورات ضفاف/بيروت، ومنشورات الاختلاف/الجزائر، ودار الأمان/الرباط، ط،1، 2013.
(5) البنى الاستعارية، ص: 27.
(6) نفسه، ص: 17.
(7) نفسه، ص: 98.
(8)نفسه، ص: 98.
(9)انظر: العروي(عبد الله): المنهجية بين الإبداع والاتباع، ضمن كتاب: المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، ط، 3، ص: 11.
(10) بنكراد(سعيد): وهج المعاني (سميائيات الأنساق الثقافية)، المركز الثقافي العربي، ط، 1،2013 ص: 230
(11) البنى الاستعارية، ص: 137.

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حُســين أوعــســري

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.