تأخذك إلى أعماق الفكر

الإلحاد الغربي المعاصر وموقف الفكر العربي منه- رمسيس عوض نموذجًا

المقدمة

يمرّ الكثيرون أثناء مسيرتهم الروحيّة بمرحلة يفحصون فيها معتقداتهم، ليتأكّدوا من مدى صحّتها. ونحن إذ نواجه اليوم في عالمنا العربي موجة التشكيك في حقيقة وجود الله -والتي من أحد أسبابها الرئيسية الأفكار الإلحادية الغربية المستوردةـ كان من المُحتّم تسليط الضوء على هذه الظاهرة، وأسبابها في الفكر الغربي المعاصر، ومن ثمّ، توضيح موقف الفكر العربي منها.
إنّ الإلحاد ظاهرة إنسانية، شأنها في ذلك شأن الإيمان، ومن ثمّ يجب دراستها بموضوعية بعيدًا عن الانفعال والتعصب؛ لأجل فهم العالم الذي نعيش فيه.. ونحاول في هذا البحث تسليط الضوء على تلك الظاهرة، وموقف الفكر العربي منها- الدكتور رمسيس عوض كنموذج.

ولتغطية جوانب الموضوع، قسّمنا البحث إلى ثلاثة محاور، هي: التأصيل الدلالي لمفهوم الإلحاد. (المبحث الأول)

أشكال وأسباب الإلحاد في الفكر الغربي المعاصر. (المبحث الثاني)

موقف الفكر العربي من الإلحاد الغربي المعاصر. (المبحث الثالث)

المبحث الأول: التأصيل الدلالي لمفهوم الإلحاد

إعلان

أولًا: الإلحاد لغةً:

الإلحاد في اللغة العربيّة من الفعل لَحَدَ. وَأَلْحَدَ: مَالَ وعَدَلَ، وقيل: مَالَ وجَارَ.(1) وأَلْحَدَ في دين الله، أي حَادَ عنه وعَدَلَ.(2) ويرى ابن السكيت أنّ المُلْحِدُ هو العادِلُ عن الحقّ المُدْخِلُ فيه ما ليس فيه، يُقال قد ألْحَدَ في الدّين ولَحَدَ: أيْ حَادَ عنه. ورُوِيَ عن الأحْمَرِ: لَحدْتُ جُرْتُ ومِلْتُ، وألْحَدْتُ مارَيْتُ وجادلْتُ. وقال ابنُ برِّي: معنى الإلحاد في اللغة المَيْلُ عَنِ القَصْدِ.(3)

وفي قوله تعالى: “لِسَانُ الَّذي يُلْحِدُون إليه”(النحل: 103)، قال ابن السِّكِّيت: أيْ يحيدون، وقال الفرَّاء: فمَن قرأ يُلْحِدُون أراد يَعْتَرِضون. وقال الزَّجَّاج في قوله تعالى: “ومَن يُرِدْ فيه بإلحادٍ”(الحج: 26)؛ قيل: الإلحادُ فيه الشَّكُّ في الله.(4)

والإلحاد في اللغات الأجنبية Athéisime Atheism، مأخوذ من اليونانية، ويحتوي على مقطعين: (ẚ) وتعني سلب ونفي، و(oÇέθ) وتعني إله. ومن هنا، كان معناه الاشتقاقي: نفي الله.(5) وذلك خلافًا لدلالة اللفظ في اللغة العربية، والتي تعني انحرف أو حاد عن. ومن هنا، فليس ثمّة تطابق دقيق بين دلالة اللفظ عربيًّا وغربيًّا. وخلال هذا البحث، سنقتصر على الدلالة الغربية للمصطلح.

ثانيًا: الإلحاد اصطلاحًا:

الإلحاديّة في ظاهرها تعليم يُقرّ عدم وجود الله. وثمّة ملاحدة يدعمون هذا الزعم بالبراهين، بيد أنّ براهينهم عادةً ما تكون مُوجّهة ضدّ المفهوم المسيحي لله، وتكاد لا تتعلّق بأيّة آلهة ممكنة أخرى، لذا يُفضّل فهم قطاع كبير من الإلحادية الغربية بوصفه تعليمًا يُقرّ أنّ إله المسيحية لا وجود له.(6)

ولكن الناس يُطلقون الإلحاد تارة على إنكار وجود الله، وتارة على إنكار علمه وعنايته، أو قدرته وإرادته، ويكفي أن يُنكر المرء أصلًا من أصول الدين، أو اعتقادًا من الاعتقادات المألوفة، أو رأيًا من الآراء الشائعة حتى يُتّهم بالإلحاد.(7)

وفي التاريخ أمثلة كثيرة تدلُّ على أنّ العلماء، الذين يأتون بالغريب وغير المألوف من الآراء، يُمتهنون، ويُتّهمون بالكفر والإلحاد والزندقة، ويكاد يكون تطوّر معنى الإلحاد مُوازيًا لتطوّر فكرة التعصّب؛ فكلّما زاد التعصّب كثر عدد الملحدين في نظر الناس، والعكس بالعكس.(8) فسقراط اتُّهم بالإلحاد، وحُكم عليه بالموت، بالرغم من قوله بوجود إله واحد، وكذلك أفلاطون، وأرسطو، وابن سينا، وابن رشد، وديكارت، واسبينوزا، وكانط- لم يسلموا، على اختلاف مذاهبهم، من تهمة الإلحاد لمخالفتهم آراء أهل زمانهم. وهذا كلُّه يدلّ على أنّ مفهوم الإلحاد يختلف باختلاف تصوّرات الناس واعتقاداتهم؛ فإذا كان المذهب مُخالفًا لاعتقاداتهم عدّوه إلحادًا، وإذا كان مُوافقًا لهم عدُّوه دينًا وإيمانًا.

إنّ معنى الإلحاد حسب الدلالة الغربية يتضمّن عدة مقاصد، هي: هناك أولًا التمييز بين الإلحاد العملي، والإلحاد النظريّ. الأول هو موقف مَن يتصرّف كما لو لم يكن هناك إله؛ فهو يُقرّ بوجود إله، ولكنّه يُنكر الله في سلوكه في الحياة، أمّا الإلحاد النظري فهو نوعان: المُطلق، لا يُقر بوجود إله ولا بوجود أمور إلهية، وينقسم بدوره إلى سلبي وإيجابي: السلبي ينكر وجود الله والأمور الإلهية، إمّا عن جهل بالله مثل “المتوحّش” عند (جان جاك روسو)، أو لعدم الاكتراث بالله (مثل موقف هيدجر وبندتو وكروتشه)، والموقف الإيجابي هو الذي يُنكر وجود الله لأسباب يتذرّع بها (مثل موقف الماديين أمثال أبيقور ولامتري وفيورباخ وماركس ونيتشه). وهناك الإلحاد النظري النسبي الذي لا يُقرّ بوجود الله، ولكنّه يُقرّ بوجود أمور إلهية (المذهب الوضعي، وموقف اسبينوزا في بعض التأويلات، ومذهب القائلين بوحدة الوجود، ومذهب المُؤلهة اللذين يقعان على حافة الإلحاد والإيمان بالله)،(9) وقد أورد أفلاطون تحليل ذلك في المقالة العاشرة من كتابه النواميس.

إنّ مصطلح الإلحاد لا يبدو مُشتملًا إلا على قيمة تاريخية ينبغي تحديدها في كلّ حالة خاصة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ اللفظ لا يحمل دلالة نظريّة مُحدّدة؛ فما هو تأكيد للألوهة عند البعض، يمكنه أن يكون إلحادًا عند البعض الآخر.(10) وبذلك يتّضح، أنّ هذا اللفظ، تاريخيًّا، لا يحمل معنى محدود ثابت؛ لاختلاف مفهومه باختلاف الزمان والمكان، ولاختلاف حال العلماء من الجُهّال.

والفرق بين الملحد واللا أدري، أنّ الملحد مُنكرٌ لله، قاطعٌ في إنكاره، ومُتعصّب لهذا الإنكار؛ بينما اللا أدري يُعلّق الحكم على وجوده أو عدمه، فهو لا يعرف وغير واثق، ويُفضّل ألّا يقضي في الأمر برأي.(11)

وربّما كان أحسن تحديد للفظ الإلحاد إطلاقه على المذهب الذي يُنكر وجود الله، لا على المذاهب التي تُنكر بعض صفات الله، أو تُخالف مُعتقدًا دينيًّا أو رأيًا اجتماعيًّا مُقرّرًا.

المبحث الثاني: أسباب الإلحاد الغربي المعاصر وأشكاله.

أولًا: أشكال الإلحاد الغربي المعاصر.

إنّ من أشكال الإلحاد الغربي المعاصر: التحليل النفسي الفرويدي؛ لأنّه يُفسّر فكرة الوجود الأعلى بأنّها مُستمدّة من ثنائية الاتجاه العاطفي المُؤلّفة من الحبّ والخوف، والحاضرة في العلاقة بين الابن والوالد. أيضًا، الوضعية المنطقية عند كارناب، ومدرسة فيينا بعامة؛ إذ يرون أنّ كلمة “الله” هي مجموع الحروف، ويُقرّرون أنّ قولنا “الله موجود” يُساوي تمامًا قولنا “الله غير موجود”؛ لأنّ كلتا العبارتين خلوٌّ من المعنى.(12)

ثانيًا: أسباب الإلحاد الغربي المعاصر

تطرّق الدكتور رمسيس عوض(*) في الشقّ الثاني من كتابه، ملحدون محدثون ومعاصرون، لخمسة عشر ملحدًا من الملحدين المعاصرين؛ عرض خلاله، في عُجالة، بعض أسباب اعتناقهم الإلحاد، ورأيهم فيه، وموقفهم المعارض للدين السائد، ونظرتهم لله وأدلة وجوده، وآراء بعضهم حول علاقة الأخلاق بالدين. ويمكن إجمال تلك الأسباب في عدة نقاط كما يلي:

أ- أسباب دينية

وصف ريتشارد روبنسون (1902)، في كتابه (قيم الملحد)، الكتاب المقدّس بأنّه غامض ومشوّش وغير أكيد، كما اتّهم تعاليم المسيح الأخلاقية بالغلظة المفعّمة والقسوة الشديدة، وأنّها تهدّدنا دومًا بالبكاء وصرير الأسنان، ويذكّرنا بأنّ المسيح لا يخفي نشره للفرقة بين الأبناء والآباء.(13)

ب- أسباب شخصية

ذهب عالم النفس الأمريكي بول ڤيتز (1935) إلى وجود عدة أسباب رئيسية وراء إلحاده، من بينها: عوامل شخصية اجتماعية عامة (كالانتماء إلى طبقة متوسطة بائسة محبطة)، وعوامل شخصية اجتماعية خاصة، والاستقلال الذاتي، والملاءمة والارتياح الشخصيين في مجتمع علماني وثني.(14)

ج- أسباب نفسية

من أهمّ العوامل النفسيّة وراء تبنّي الإلحاد “منظور التقصير الأبوي”، الذي يتبنّى أنّ الإنسان يعتبر الإله النموذج المطلق للقوّة والسلطة، كما يرى في أبيه التجسيد البشري لهذا النموذج. ومن ثمّ، فمَن يفقدون الأب (وفاة/ هجر للأسرة)، أو مَن يتميّز آباؤهم بالضعف (الجُبن)، أو أساءوا معاملتهم (بدنيًّا- نفسيًّا- جنسيًّا) يُعانون صعوبات في تبنِّي الإيمان بالإله.

كذلك، فقد طرح علماء النفس نظرية “الارتباط”، والتي تتبنّى أنّ طبيعة الرابطة بين الطفل وأمّه (الرمز الأمومي) تُمثّل النموذج الذي ستكون عليه العلاقة بين هذا الشخص في المستقبل وبين الآخرين، ويمتدّ هذا النموذج حتى يُؤثّر في العلاقة بالإله. وبديهي أنّ الكثير من الحالات الملحدة يجتمع فيها التقصير الأبوي مع اختلال رمز الأمّ.(15)

د- أسباب عقليّة

ذهب جورج هـ سميث (1949)، في كتابه الإلحاد القضية ضدّ الله، إلى أنّ الإلحاد موقف عقلاني، وأنّ الإيمان بالله أمرٌ لا يستند إلى العقلانية، وأنّ الدين المؤمن بوجود إله قائم على الزيف، فضلًا عن أنّه شيء ضار.. وأضاف مايكل مارتن (1932) من خلال كتابه “الإلحاد ومُبرّره الفلسفي” إلى هذا الرأي، قوله: أنّ المحاجات الكلاسيكية للتدليل على وجود الله غير صحيحة، وأنّ التجربة الدينية لا يمكن أن تنهض كأساس لصحّة المعتقدات الدينية، وأنّه من الخطأ التدليل على صحّة الدين بِصحّة ما ورد فيه من خوارق ومعجزات. كذلك، فقد اعتبر تادس كليمنتس (1922) في كتابه “العلم مقابل الدين” أنّ الإيمان بوجود الله إهانة للعقل البشري. كما يرى أنّ كثيرًا من المؤمنين بوجود الله- رغم أنّهم لا يقولون ذلك- يعتقدون الشيء نفسه؛ لأنّهم يمتدحون الإيمان كفضيلة فقط إذا وجدوها تتعارض مع مبادئ الإدراك السليم، أي حين يعتقدون أنّ هذا الإيمان يُجافي أحكام العقل. (16)

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة أجريت في جامعتين كنديتين(17) على أكثر من أربعة آلاف طالب جامعي- أنّ أسباب الإلحاد لدى المبحوثين تتلخّص في أنّ المرتدّين قد تركوا الدين بعد أن أدركوا أنّه “من المستحيل الاقتناع بأنّ المعتقدات الدينية صحيحة”. ومن ثمّ، يتعارض الإيمان بالدين مع المنطق والعقل. وقد أعلن هؤلاء أنّ المفاهيم الدينية، وكذلك علاقاتهم بأسرهم وأصدقائهم، ليست عندهم أهمّ من الحرية والأمانة والصدق مع النفس.(18)

هـ – أسباب عضوية

ذهبت العديد من الدراسات الحديثة(19) إلى أنّ أصحاب التوحّد الوظيفي يكونون أكثر ميلًا للإلحاد بأشكاله، وأنّ الإلحاد يكون أكثر شيوعًا بين مَن يقومون بأعمال تتطلّب ملكات تنظيمية ذكورية؛ ولكن هذا لا يعني أنّ الإلحاد يقف وراء التوحّد، ولا أنّ المتوحدّين لا يمكن أن يؤمنوا.(20)

و- أسباب شخصيّة اجتماعية

اعتقد والتر كوفمان (1921- 1980م) في كتابه “نقد الدين والفلسفة” أنّ الإلحاد قد يكون نتيجة احتجاج غير المتأقلمين مع مجتمعاتهم، أو نتيجة الرغبة في صدم مشاعر الآخرين، أو إيذائهم، أو الظهور بمظهر النضوج والاستنارة والتعقيد الفكري والأمانة.(21)

ز- أسباب اجتماعية ثقافية

تأثّر كاي نيلسن (1925م) في مطلع حياته بآراء شوبنهور ونيتشه وأفلاطون وأرسطو وتوماس الأكويني، وحين ازدادت شكوكه الدينية، نبذ الإيمان بوجود الله.

كذلك، فقد تأثّر بعدد من الفلاسفة المتشكّكين والملحدين، أمثال جورج سنتيانا وسبينوزا وجون ديوي وكارل ماركس، كما تركت الفلسفة التحليلية المعاصرة بصماتها الواضحة على تفكيره، كما تأثّر تأثّرًا كبيرًا بالوضعية المنطقية. وذهب إلى أنّ استمرار العقيدة الدينية في النظم الاجتماعية المعاصرة القائمة في المجتمعات الصناعية لدليل على انتفاء العقلانية والكفاية الأخلاقية من هذه النظم الاجتماعية. ويتمسك بقوله: أنّه من غير المعقول أن يؤمن إنسان يملك أيّة استعدادات فلسفية وعلمية، أو يملك قدرة على التفكير في الأمور المُعقّدةـ بالدّين.(22)

وفي هذا السياق الخاص بتأثير مشاهير الملحدين في الفضاء الفكري العام، ذهب رافي زكراياس إلى أنّ أبطال مجتمعنا من أساتذة الجامعات والمشاهير يفوزون بجائزة نوبل أو بأوسمة أكاديمية، ثمّ يستغلّون ذلك في شنّ هجوم عنيف على القانون الأخلاقي، فكيف يمكن لرجل الشارع أن يجابه فائزًا بجائزة نوبل أو نجمًا من نجوم هوليود؟(23) لذلك، فأناس مثل برتراند رسل، وجان بول سارتر، وكذلك وودي آلن كان لهم تأثير عميق على المجتمع؛ بمحّاجتهم ضدّ وجود الله واستهزائهم بأحكامه. وقد يظنّ المرء أنّ عمالقة الفكر أمثال هؤلاء كانوا سيخرجون بحجّة جذابة تؤيّد فلسفتهم الأخلاقية، إلا أنّها لم تظهر حتى الآن.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد عرفات حجازي

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.