تأخذك إلى أعماق الفكر

الأخلاق العملية

جيف مكماهن. ترجمة: يونان سعد

جيف مكماهن Jeff McMahan هو أستاذ فلسفة الأخلاق في جامعة أكسفورد، زميل كلية Corpus Christi للكلاسيكات، ويحتل كرسي “توماس وايت” وهو أحد المناصب العلمية الرفيعة في فلسفة الأخلاق بأكسفورد، صدر له العديد من المؤلفات حول فلسفة الأخلاق منها: “الجانب الأخلاقي من الممارسات النووية” (1) و”أخلاق (القومية)”(2)، و”أخلاق الحرب”(3).

على مدار القرن العشرين، رأى العديد من الفلاسفة بشيء من التحقير –خصوصًا في بريطانيا- أن التفكير في القضايا الأخلاقية الموضوعية لا يمكن أن يندرج تحت مسمى “فلسفة”. فعلى سبيل المثال، طبقًا لأ. ج. آير (A. J. Ayer (4 “فلسفة الأخلاق هي التي تهتم بوصف ما يفكر فيه الناس عندما يصدرون حكمًا أخلاقيًا، وهي ليست معنية على الإطلاق باقتراح الأحكام الأخلاقية التي سيصدرونها. كل النظريات الأخلاقية بقدر ما هي نظريات فلسفية، بقدر ما هي محايدة تجاه ما يحدث في الواقع من سلوكيات”؛ ولهذا السبب -وكما يلاحظ آير “أحد الأسباب التي تصيب قراء الفلسفة بخيبة الأمل، لأنهم يهمون بالقراءة وهم يتوهمون في أن الفيلسوف سوف يمنحهم إرشادًا ما”.

وكما عند آير، نجد أن س. د. برود C. D. Broad (1887- 1971) يكتب: “إن نصح الناس بما يجب وما لا يجب عمله ليس جزءًا من عمل فلاسفة الأخلاق؛ ففلاسفة الأخلاق لا يملكون  أي معلومة عما هو صحيح أو خاطئ من الأفعال أكثر من ذاك الذي يعرفه عامة الناس”.

ونوّه بروفيسور بيتر سينجر Peter Singer)5) في محاضرته قريبة العهد في أكسفورد أوائل الصيف الماضي إلى أن هذه النظرة الممجدة للفلسفة باعتبارها أنقى بكثير من أن تنحدر إلى مستوى الأمور العملية، أصبحت الآن أثرًا بعد عين لمفهوم ضيق كان ينبغي إهماله عن الفلسفة، حتى أنه لم يكن  –أي هذا المفهوم- ذا حضور قوي قبل القرن العشرين، والفلاسفة الكيلاسيكيون  الإغريق والرومان بالإضافة إلى كانط وميل وسدويك (الذي كان له كتاب بعنوان “الأخلاق العملية”) كانوا حتمًا سيعبرون عن استغرابهم إذا ما تعلموا من آير –ابن القرن العشرين- أن هذا الجزء الجوهري من أعمالهم لم يكن فلسفة بالفعل.

ومع أن ما يعرف الآن بالأخلاق العملية أو الأخلاق التطبيقية قد أصبح على مستوى العالم حقلًا مشروعًا من حقول الفلسفة، إلا أنه مازال هناك بعض الفلاسفة الذين يصفون المشتغلين فيه بالـ(غيتو) الذي يتحايل ليجد لنفسه مكانًا داخل المنطقة الأوسع لفلسفة الأخلاق، وربما لهذا الأمر ما يبرره، فمن زاوية ما نجد أن بعض الفروع التي تندرج عميقًا تحت مسمى الأخلاق العملية الآن كأخلاقيات العلوم الحيوية bioethics وأخلاقيات السوق business ethics يعمل فيها متخصصون في المجال الطبي والصحة العامة والمال والأعمال وبعض التخصصات الأخرى البعيدة عن فلسفة الأخلاق ووفقًا للمعايير الصارمة لطبيعة الجدال الفلسفي فإن خبرتهم تبدو شحيحة شحًا يبعث على الأسى مع معرفة سطحية بالنظريات المعيارية في فلسفة الأخلاق، ونحن نعرف أن تحليل القضايا الأخلاقية لا يمكن أن يتم على أكمل وجه دون الارتباط بالمسائل النظرية الموجودة في الأخلاق المعيارية، وفعليًا نجد ديريك بارفيت (6) Derek Parfit مثلًا يؤمن بأن العملي والمعياري في الأخلاق متداخلان إلى الدرجة التي يصعب معها التفريق بينهما، ووفقًا له فإن الفرق الوحيد الذي يمكننا التماسه يوجد بين الأخلاق والميتا أخلاق، وحتى في هذا الشأن لا يمكن أن نضع أيدينا على فروق جوهرية.

إعلان

لا يستطيع أحدنا على سبيل المثال أن يكوّن فكرة واضحة عن أخلاقية فعل الحرب دون أن يضع في اعتباره نطاقًا واسعًا من القضايا المعيارية في فلسفة الأخلاق وبقية فروع الفلسفة، فعلى سبيل المثال ما هي القواعد الأخلاقية التي تحكم تعرض الفرد للضرر أو للقتل، التناسبية وطبيعتها وكيف تتحول إلى قيد على مختلف المبررات التي يخول لها أن تدافع عن فعل الإضرار، ما إذا كان البرهان اللاعواقبي قابلًا للتطبيق في حالات عدم التأكد على أرض الواقع أو في النظريات المعيارية، هل من الممكن أن يشغل الناس مجموعات مصالح مسؤولة وبشكل جماعي عن فعل ما، هل تتناسب نوايا الأفراد مع جوازية أفعالهم، أمِن حقنا إلحاق ضرر كبير ببعض الناس من أجل تفادي وقوع ضرر آخر مساوٍ له، وهكذا لو أن أحدهم يؤمن في عدم وجود أي فرق أخلاقي بين ارتكاب الفعل بنية مبيتة وبين حدوثة كعرض جانبي، وفي نفس الوقت يسلم بأن الأسباب المنطقية للامتناع عن إلحاق الضرر بالآخرين أقوى من تلك التي تدفعه لمنع الآخرين من الإتيان بأذى مساوٍ للأول، شخص مثل هذا لا بد وأنه سيجد صعوبة بالغة تجاه الالتزام بمبادئه السلمية.

وبشكل مشابه لا يستطيع المرء أن يخرج باستنتاجات قوية حيال الأبعاد الخلقية لقضايا من قبيل التغيرات المناخية العالمية؛ موقفنا تجاه هؤلاء الذين تعرضوا لمظالم تاريخية؛ الفحوص الطبية لاحتمالات الإعاقة، وما إلى ذلك دون أن نضع في اعتبارنا بعض القضايا الرئيسية من تلك التي نهتم بدراستها في أخلاق الجماهير؛ مشكلة اللا هوية على سبيل المثال  (nonidentity problem(7؛ ما إذا كانت الاستدلالات التي وضعت بشكل محايد ودون أي اعتبارات شخصية سيكون لها وزنًا عند تقييمنا لضرر أو نفع متوقع له أن  يلحق بأفراد بعينهم، ونفس الأمر يتكرر عندما نحاول أن نستكشف الإشكاليات العميقة المتعلقة بفعل الإجهاض أو ذبح الحيوانات لاستخدامها كمصدر للغذاء أوكعينات  للتجارب دون العودة لنفس القضايا أو دون التحقق من  القواعد التي تحكم تقييماتنا الأخلاقية، الحالات التي يمكن فيها وصف الأفراد باعتبارهم ذوي حقوق، أو حتى ما هي الخلفية الميتافيزيقية لمشكلة الهوية الشخصية (personal identity problem (8.

بسبب هذه العلاقة الاعتمادية المتبادلة، بإمكاني أن أناقش الطبيعة الدقيقة لما يعرف بالأخلاق العملية، وكيف يتداخل المعياري فيها بالعملي الواقعي، والسبب الحقيقي الذي يجعلني أفضل مصطلح الأخلاق العملية Practical ethics على مصطلح آخر يمكن تعريفه بالأخلاق التطبيقية Applied ethics هو أن الأخير يفترض معه التسليم بعلاقة تنبع من القمة وتستقر في القاع (من الأعلى إلى أسفل)، ويصبح فيها التفضيل المطلق بالطبع للنظريات الأخلاقية المعيارية، ولهذه النظرة التفضيلية من يدافع عنها من أمثال آر. إتش. هير R. M. Hare (9) الذي يرى أنه أولًا يجب إجراء تحليل منطقي  للغة المتضمنة في النظريات الأخلاقية ومن ثم استنتاج نظرية بعينها نرجح صحتها في الميتا أخلاق، ثم استخدام هذه الاستنتاج في التفضيل بين النظريات المعيارية، وأخيرًا؛ تطبيق هذه النظرية المعيارية الرابحة على الإشكاليات العملية.

وفي الحقيقة نجد أن القليلين من الفلاسفة يعملون الآن بهذه الطريقة، في نفس الوقت الذي يميل فيه السواد الأعظم منهم على سلوك الطريق المعاكس –من الأسفل إلى أعلى- نرتب عددًا كبيرًا من المشاهدات الواقعية دون أن نلحقهم بأية نظرية معيارية، لكننا خلال ذلك نضع نصب أعيننا البرهنة على عدد من المباديء العامة، تلك التي -مع بعض التهذيب- سوف تقودنا إلى الانتهاء بإدراج الأمر تحت نظرية معيارية بعينها، لكننا في هذه المرة نحصل عليها في نهاية الطريق لا في بدايته،البعض يرى أنه من البؤس بالنسبة لأحدهم أن يثق تمامًا بنظرية ما دون أن يراقب وبحذر شديد نطاقًا واسعًا من الإشكاليات الأخلاقية العملية لتحديد أي من هذه الاعتبارات النظرية سيكون له التاثير الأهم، وفي نفس الوقت من أجل اختبار النظريات المرشحة التي بين ايدينا وقياس مدى معقولية التضمنات التي تحتويها مع القضايا محل النظر، كتب ويليام جيمس (William James (10) ذات مرة “لا أحد يجد في التعميم أكثر مما تمتد إليه معرفته الشخصية بالتفاصيل”، وعلى هذا المنوال بإمكاننا أن نجادل في أن المرء لا يمكن أن يجد في نظرية معيارية ما أكثر من فهمه الخاص بالتضمينات التي تحتويها، إنني أؤمن بأن هناك اعتماد متبادل أو بمعنى آخر علاقة تكافلية بين الأخلاق العملية والنظريات الأخلاقية المعيارية، المشاكل العملية دائمًا ما تثير قضايا نظرية كالتي عرضناها من قبل لكن في نفس الوقت لا يمكن فهم هذه الأخيرة جيدًا إذا نظرنا إليها بمبعدة عن الأولى، ولذلك لا يمكن أن نكتفي بالقول أن دراسة جادة للنظريات المعيارية ستعمق فهمنا للمشاكل العملية، بل ينبغي أن نضيف إلى ذلك أن دراسة الأخيرة تزيد القضايا النظرية وضوحًا.

هذه الأمور ينبغي أن تجعلنا نتأنى في النظر إلى الطريقة التي يدرس بها فرع “الأخلاق العملية” في مدارس الفلسفة، ففي أكسفورد على سبيل المثال وبالرغم من كوني أُدرِّس فيها منذ أمد قصير، إلا أنني استنتجت من تلك الطريقة التي يتعاطى بها الطلاب مع المشاكل الأخلاقية العملية، أن الخط الذي ما زال معتمدًا في الجامعة بصدد فلسفة الأخلاق هي طريقة “من أعلى إلى أسفل” وليس العكس؛ أي الابتداء من النظرية وصولًا إلى الواقع، فغالبًا ما يكون الطلاب مدربين جيدًا على النقاشات حول المدارس المختلفة في فلسفة الأخلاق من عواقبية أو كانطية؛ علم الواجب أو أخلاق الفضيلة، وحتى على الاتجاهات المضادة للنظرية كما في الانصرافية أوفي نقد برنارد ويليامز Bernard Williams للنظريات الأخلاقية ذات الطابع النظامي (11)، فهم مدربون بما يكفي لتحليل النظريات المتنافسة والخروج بمقاربات متضادة عن الأخلاق، لكن في مبعدة تامة عن القضايا الأخلاقية على أرض الواقع، ومع أن جامعة أكسفورد لديها أفضل قسم في “الأخلاق العملية” على مستوى الدول المتحدثة بالإنجليزية طبقًا لتصنيف جوميت الفلسفي philosophy Goumet report إلا إن قسمًا كهذا مازال في أمس الحاجة لأن يضمن أكبر كم من الإشكاليات الفلسفية العملية في مادته التعليمية.

هوامش:

(1) Ethical Aspects of the Nuclear Debate (Milton Keynes, England: The Open University Press, 1986). Introduction by Janet Radcliffe Richards.
(2)The Morality of Nationalism (New York and Oxford: Oxford University Press, 1997). Coedited with Robert McKim.
The Ethics of Killing: Problems at the Margins of Life (New York and Oxford: Oxford (3)University Press, 2002)
(4) ألفريد جولس آير(1910- 1989)؛ فيلسوف وضعي منطقي (المترجم)
(5) أستاذ الأخلاق العملية بجامعة برنسستون؛ من أنصار المنفعة الأخلاقية .(المترجم)
(6) (1942 – 2017).له أطروحات مهمة في فلسفة الأخلاق، تركز عمله على مشكلة الهوية الشخصية، وقضية العقلانية (المترجم).
(7) Non identity prpblem : بحسب تعريف موسوعة ستانفورد للفلسفة فإن مشكلة اللاهوية هي تلك الإشكالية التي تثار عندما نتحدث عن مسئوليتنا الأخلاقية عن أشخاص من الممكن أن يتشكلوا في المستقبل، لذلك فالحديث عنهم في الوقت الحاضر هو حديث عن أشخاص بدون هوية، أو أن هويتهم لم تظهر لحيز الوجود بعد، هل من الممكن اعتبار هؤلاء أشخاصًا ذوي حقوق، وما مدى خلقية الأفعال التي يأتي  بها  الأشخاص في الحاضر  ثم ينتج عنها في المستقبل وجودًا منتقصًا لأشخاص أُخَر، وقد رأيت ترجمتها على هذه الشاكلة حتى لا تختلط بالمصطلح الشائع المعروف بضياع الهوية.(المترجم)
(8)  Personal identity problem: بحسب تعريف قاموس كامبريج للمصطلحات الفلسفية؛ فإن مشكلة الهوية الشخصية تتلخص في الكيفية التي تقاوم به هويتانا التغير عبر الزمن، وهل ما يقاوم التغير في الفرد يمثل هويته، وما إذا كان نفس الشخص الذي سيحمل هوية مختلفة في المستقبل هو هو نفس الشخص الذي كانه في الماضي، وقد أثارت بعض التخيلات الميتافيزيقة هذه القضية في بدايات الفلسفة الغربية الحديثة فبافتراض أن هناك حياة فيما بعد الموت، فعلى أية هوية سيوجد الفرد في هذه الحياة، أو بمعنى آخر أي شخص سيكون من الشخوص الذين تمثَّلهم كل مرحلة من مراحل حياته.(المترجم)
(9) Rechard Marvin hare: (1919- 2002) عمل مدرسًا لفلسفة الأخلاق بجامعة أكسفورد، وله نظرية في الميتا أخلاق تعرف ب Prescriptivism.(المترجم)
(10) (1842- 1910) ذرائعية، فيلسوف أمريكي وأحد مؤسسي علم النفس الوظيفي.(المترجم)
(11) وذلك في كتابيه: - Ethics and the limits of philosophy, Cambridge: Harvard press, 1985
- Shame and nescissity, Berkely, University of California press, 1993(المترجم)

 

إعلان

مصدر نشر هذا المقال بدورية أكسفورد الفلسفية، التي تصدر عن كلية الفلسفة بجامعة أكسفورد، عدد 2015: 15-17
فريق الإعداد

إعداد: يونان سعد

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.