تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يمكن للتعليم الجيِّد والوظيفة المرموقة أن يقودانك إلى الفقر والإفلاس؟

0

“ادرس باجتهاد واحصل على درجاتٍ مرتفعة، وستجد وظيفة آمنة ومستقرة ذات دخل مرتفع ومنافع عظيمة.”

من منّا لم يسمع هذه النصيحة من والديه؛ فجميعنا تربينا على هذا المبدأ الذي زُرع في عقولنا منذ الصغر، فقد قيل لنا أنه لكي نحقق النجاح في الحياة يجب أن نجتهد في دراستنا، ونحصل على درجاتٍ مرتفعة تؤهلنا للدخول إلى الجامعة التي بدورها ستضمن لنا الحصول على الوظيفة الجيدة التي ستدر علينا قدرًا لا بأس به من الأموال التي ستعيننا على تسيير أمور حياتنا والعيش برفاهية.

لكن هل حقًا هذا ما يحدث على أرض الواقع؟ هل التعليم الجيد والدرجات العالية هي من ستضمن لنا النجاح في الحياة وستجعلنا ميسورين وأثرياء؟

وفي هذا الصدد يقدم لنا رجل الأعمال والمستثمر الأمريكي ذو الأصول اليابانية (روبرت كيوساكي)، إجابة واضحة عن هذا السؤال في كتابه الرائع “الأب الغني والأب الفقير”؛ حيث يشرح لنا من خلاله الدروس التي يُعلمها الأثرياء ولا يُعلمها الفقراء وأفراد الطبقة الوسطى لأبنائهم عن المال، كما ويبيِّن لنا كيف يتسبب التعليم التقليدي في إخراج أجيال تعاني من الإعاقة المالية.

هل تقوم الدراسة بإعدادنا لمواجهة الحياة الواقعية؟

“أخطر نصيحة يمكنك أن تعطيها لطفلك اليوم هي أن يذهب إلى المدرسة وأن يحصل على درجاتٍ مرتفعة، ويبحث عن وظيفة آمنة ومستقرة، فتلك النصيحة عتيقة ومُضرة.”

يرى (روبرت كيوساكي) -وهو أحد المغامرين الذي علَّم ذاته بذاته وجاب أقطار العالم يجمع استثماراته- أن من الحماقة أن نربّي أطفالنا وفقًا لنصيحة “تلقَّ تعليمًا جيدًا”، ومن الحماقة أيضًا افتراض أن التعليم الجيد الذي يقدمه النظام الدراسي التقليدي سوف يُعِد طفلك للعالم الحقيقي الذي سوف يواجهه بعد التخرج؛ حيث يحتاج كل طفل للمزيد من التعليم ذي الصيغة المختلفة، كما يحتاجون إلى معرفة القواعد الجديدة؛ فالعالم قد تغيَّر إلّا أن التعليم العادي لم يواكب بعد هذا التطور.

إعلان

ويشبّه (روبرت) التعليم العادي بـ”مسار الفأر”، والمقصود هنا أن حياة الأشخاص الذين يتلقون تعليمًا عاديًّا تشبه تمامًا هذا المضمار أو المسار؛ فهم يسيرون وفق الخطة أو النصيحة التي أُعطيت لهم من قبل والديهم، يكدحون في الدراسة للحصول على درجاتٍ مرتفعة، ومن ثم يلتحقون بالجامعة بعدها يبحثون عن مجال عمل آمن ومستقر وعندما يجدون الوظيفة المناسبة يشرعون في جني الأموال.

بعد ذلك يأتي دور الاستقرار والارتباط، لتأتي الحاجة إلى ابتياع منزل وسيارة، ومن ثم تأتي مرحلة الإنجاب وهكذا حتى تتزايد الأعباء المالية بصورةٍ كبيرةٍ مع الاستمرار في الكدِّ في العمل والبحث عن الترقِّي فيه أو حتى البحث عن وظيفة أخرى تخوِّلهما للحصول على المزيد من الأموال، ليجد الزوجان أنفسهما عالقين في مصيدة الفأر ولا يستطيعون الخروج منها، مصاريف تتزايد ومداخيل تذهب لسداد نفقات الحياة الضرورية، ناهيك عن اضطرار البعض لأخذ القروض وتحمل أعباء سداد هذه القروض وحساب بطاقات الائتمان …الخ، حتى يحين وقت التقاعد ليكتشف هؤلاء أنهم عملوا بكدٍّ طوال حياتهم من دون أن يحققوا شيئًا في الحياة؛ فكل الأموال التي تعبوا من أجل الحصول عليها ذهبت كنفقاتٍ مصروفات، ولم تستثمر لوقت الحاجة إليها.

والأخطر من ذلك أن هؤلاء يقومون بنصح أطفالهم بالاجتهاد في الدراسة والبحث عن وظيفة آمنة؛ لتكرر العملية من جيلٍ إلى آخر، وتستمر المعاناة مع مسار الفأر.

كيف يمكننا الخروج من مسار الفأر وتحقيق النجاح المالي في حياتنا؟

“أيًّا كان تخصصك الدراسي؛ سواءً كنت كاتبًا أو محاميًا أو مهندسًا، لكي تنجح في الحياة عليك أن تحترف المحاسبة والاستثمار، فهما المجالان الوحيدان اللذان سيحققان لك أكبر قدر ممكن من الذكاء المالي.”

هناك قصور كبير في التعليم القديم يتعلق بالأمور المالية؛ فالمدارس لا تعلمنا المعرفة المالية، وكذلك الآباء فهم لا يعلموننا شيئًا عن المال؛ فنصائحهم تقتصر فقط على تعليمنا كيف نعمل لحساب الآخرين، ونصبح موظفين أكفّاء.

لذلك يقول روبرت أن السبيل الأوحد للخروج من مسار الفأر هو احتراف مجالي الاستثمار والمحاسبة، وهما المجالان الأكثر أهمية وصعوبة في الإتقان، فإذا أردت أن تدير شؤونك المالية بنجاحٍ في عالم الواقع، يجب أن تتقن هذان المجالان وغيرهما من المجالات الاقتصادية مهما كان تخصصك الدراسي، فهناك نسبة كبيرة جدًا من الأشخاص حول العالم يعانون ماديًا، وذلك لأنهم يجهلون أساسيات المحاسبة والاستثمار ولا يفهمون كيفية التعامل مع الأرقام.

قد يقول البعض أن هناك أشخاصًا متخصصون دراسيًّا في هذه المجالات؛ ولكنهم فاشلون ماديًّا ولم يحققوا الثراء، والسبب في ذلك هي عدم قدرة هؤلاء على تطبيق القواعد والقوانين التي تعلموها على أرض الواقع، ناهيك عن قصور النظام التعليمي في تأهيل المتخصصين لكيفية تطبيق الأشياء التي تعلموها في الحياة العملية والشخصية.

وعلى الرغم من الصعوبة والملل الذي قد نشعر بهما عندما نتعلم المحاسبة والاستثمار، إلا أن (روبرت) ومن خلال لعبته المعروفة بالتدفق النقدي، قد أضاف المتعة والإثارة لتعلم هذين العلمين، فممارسة لعبة التدفق النقدي تتطلب بيانًا بالدخل وقائمة للميزانية، و تشبه هذه اللعبة المصيدة؛ فهي ملونة بفأر عملاق في وسطها ولها مضماران أحدهما داخلي والآخر خارجي، والهدف من هذه اللعبة هو كيفية الخروج من المضمار الداخلي أو ما يدعى بـ”مسار الفأر”، والدخول إلى المضمار الخارجي أو “المضمار السريع”، ويرى (روبرت) أن هذا المضمار يمثِّل سلوك الأثرياء أو الطريقة التي يلعبون بها في الحياة الواقعية.

فهناك قواعد خاصة بالمال يلعب طبقها الأثرياء، بينما يلعب الأشخاص العاديين وفقًا لقواعد أخرى قديمة ولم تعد صالحة للتطبيق في زمننا هذا؛ فالأثرياء يفهمون جيدًا أنه لا يوجد شيء اسمه “أمان وظيفي”؛ لذلك يعملون لحسابهم الخاص، كما أنهم يُعلمون أبنائهم تعليم مختلف فهم يعلمونهم في المنازل وليس في المدارس من خلال تقديم النصائح لهم، وبالأخص تلك المتعلقة بالقواعد المالية وبكيفية فهم طبيعة المال وكيفية استثماره.

فالميسورون يدركون حقيقة أن التعليم أساس النجاح وكما تعد المهارات الدراسية بالغة الأهمية، فإنَّ المهارات المالية ومهارات الاتصال تعد بنفس القدر من الأهمية.

الأب الغني والأب الفقير

 

قصة الأب الغني والأب الفقير كما يرويها (روبرت كيوساكي):

“يُعدُّ المال أحد أشكال القوة، لكن التعليم المالي هو القوة الأكبر من المال؛ فالمال يأتي ويذهب لكنّك إن كنت تعلمت شيئًا عن طبيعة المال فلديك السلطان النافذ عليه، وبوسعك تحصيل ثروتك.”

يعتبر روبرت نفسه محظوظًا لوجود والدين في حياته، فقد ساهم ذلك في صقل شخصيته وترك له مجالًا للاختيار بين وجهتي نظر متعارضتين؛ فالأب الفقير وهو والد (روبرت) الحقيقي كان صاحب تعليم رفيع وذكاء وحاصل على درجة الدكتوراة، أما الأب الثري وهو والد صديقه فلم ينجز حتى صفه الثامن.

كان كلا الرجلين ناجحًا في مجاله عاملًا بجدٍّ طوال حياته وجنى كلاهما دخلًا مرتفعًا، لكن أحدهما ظل يكافح ماليًّا طوال حياته، وقد مات تاركًا ورائه ديونًا تستحق السداد؛ فيما أضحى الآخر أحد الأثرياء وترك وراءه بعد موته ملايين الدولارات والعديد من المؤسسات الخيرية.

قدَّم كلا الأبوين نصيحته لـ(روبرت)؛ فالأب الفقير نصحه بأن يدرس بجد -دراسة أكاديمية-، ويبحث عن شركة جيدة ليعمل بها؛ بينما نصحه والده الثري بأن يدرس بجد عن المال، حتى يجد شركة جيدة فيشتريها؛ أي أنَّ كلاهما يؤمنان بأهمية التعليم ولكنهما يختلفان في مسار الدراسة نفسها.

وفيما يتعلق بالمال كان لكلا الرجلين وجهة نظر مختلفة في هذا الخصوص؛ فبينما يعتقد الأب الفقير أن “حب المال رأس كل خطيئة”، كان الأب الغني يقول أن “قلة ذات اليد هي رأس كل خطيئة”، لذلك وجد (روبرت) نفسه أمام خيارين؛ إما أن يختار نصيحة والده الفقير أو الغني، وفي عمر التاسعة قرر وبدون تردد أن يُنصت لنصيحة والده الثري، وأن يتعلَّم منه ما يقوله عن المال، وأن يترك نصيحة والده الفقير وإن كان هو الحاصل على كل الدرجات الجامعية.

ظل (روبرت) ثلاثون عامًا يتعلم من والده الثري، الذي أعطاه ستة دروس بسيطة تكررت طوال هذه السنوات، ويدور هذا الكتاب الذي ألفه (روبرت) في العام 2000 حول هذه الدروس الستة التي تعلمها من والده، وهي عبارة عن خطوات إرشادية ستعيننا على المضي نحو الثراء بغض النظر عما يحدث في عالمٍ سريع التغير.

الدروس الستة التي ستُعلمنا الثقافة المالية التي لم نتعلمها في المدارس:

الدرس الأول/ الأثرياء لا يعملون لجني المال

“تعمل الطبقتان الفقيرة والمتوسطة حتى تجني المال؛ أما الطبقة الثرية فتدع المال يعمل في خدمتها.”

نلاحظ في الحياة أن الكثير من الناس قد ذهبوا إلى المدارس ونالوا تعليمًا ممتازًا وحصلوا على وظيفةٍ ذات دخلٍ مرتفع، ولكنهم لايزالون يواجهون مشاكل مالية، والسبب في ذلك أن هؤلاء لم يتعلموا شيئًا عن طبيعة المال بالإضافة إلى إيمانهم وبشدة بفكرة العمل من أجل جني المال وليس العكس.

ومهما كان المقابل المادي الذي يحصلون عليه من أعمالهم فإن نفقاتهم تتزايد بشكلٍ أكبر مع تزايد المال المتوافر لديهم، وذلك لأن هناك عاملين أساسيين يتحكمان في مسار حياتهم وهما الخوف والجشع أو الرغبة، فهم يخافون من قلَّة المال لذلك يبحثون عن الوظيفة الآمنة ويستمرِّون في الكدح فيها وما إن يحصلون على الأموال وتتزايد في أيديهم حتى يبدأ الجشع والرغبات الإنسانية بالظهور وتصوير جميع الأشياء الرائعة التي يستطيع المال شرائها، عندها يزداد الإنفاق مع الاستمرار في الكدح في العمل وهكذا تدور الدائرة، ناهيك عن أن النسبة الأكبر من الأموال التي يجنيها الموظفون تذهب على شكل ضرائب واستقطاعات وغيرها من الالتزامات الحكومية، ليكتشف هؤلاء وبعد فوات الأوان أنهم أضاعوا اعمارهم هباءً وهم يطاردون وهمًا يُدعى “الأمان الوظيفي”.

جميعنا لديه رغبة تحقيق النجاح المالي، ولكي نحقق هذه الرغبة يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة والمخاطرة، ونتبعد عن الخوف واللعب في المناطق الآمنة؛ فالوظيفة وإن كانت في نظرنا تمثل الاستقرار والأمان لكنها في الحقيقة ماهي إلا حل قصير الأمد لمشكلة مزمنة طويلة الأمد.

إن تركيزنا على الخيارات الآمنة والابتعاد عن المخاطرة في الحياة يضيع علينا الكثير من الفرص التي تأتي وتذهب و لا سبيل لاقتناصها سوى بالتجربة والمخاطرة، فهكذا يفعل الأغنياء هم يجربون ويخاطرون يكسبون ويخسرون حتى يتعلمون مع مرور الوقت كيف يفرقون بين الفرص العادية والثمينة.

وهناك العديد من الفرص التي نستطيع من خلالها السيطرة على مسارنا المالي من دون أن يتحكم بنا أحد؛ أمثال المشاريع الخاصة أو العمل لحسابنا الخاص فهذه المشاريع تُدر الأموال كما أنها تحقق لنا مزيدًا من الحرية والأمان الذي قد نفتقره في الوظائف العادية أو عندما نعمل لحساب الآخرين، فعملك الخاص سيولد لك المال حتى لو لم تتواجد فيه بذاتك، وبهذا سيعمل المال من أجلك.

الدرس الثاني/ لماذا يتم تدريس الثقافة المالية؟

“الغني هو من مصاريفه ونفقاته أقل من إجمالي دخله، لذلك يحقق كل شهر فائضًا ماليًّا؛ أما الفقير فهو من تميل كفة الميزان عنده إلى جانب النفقات فينتهي كل شهر وهو مديون، لذلك لا عجب أن تجد العامل العادي أغنى من خريج الجامعة المرموقة.”

إذا أردت أن تكون ثريًّا فستحتاج اكتساب المعرفة المالية؛ فالثقافة المالية هي الأساس لبناء امبراطورية من الثراء، وهناك قاعدة واحدة فقط في هذا الخصوص وهي عليك أن تعرف الفرق بين الأصول والخصوم، بعدها اشتري الأصل و اترك الخصم وبهذه الطريقة ستتمكن من الوصول إلى الثراء بكلِّ بساطة.

لكن وعلى الرغم من بساطة هذه القاعدة إلا أن الكثير من الناس يجهلونها ولا يستطيعون التفريق بين الأصل والخصم وهو ما يتسبب في استمرار معاناتهم مع المال.

ولعل الفرق الوحيد بين الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى والأغنياء هي أن الفقراء ذو مصروفات فقط، فكل ما يجنونه يذهب كنفقات، أما أبناء الطبقة الوسطى فهم يشترون الخصوم وهم يظنون أنها أصول، فيما يبتاع الأثرياء الأصول ويستثمرون حياتهم كلها في سبيل شرائها، أي أن طريقة تصرُّفك في دخلك هي من ستحدد إلى أية طبقة ستنتمي.

ويُعرِّف (روبرت) الأصول والخصوم تعريفًا قد يتعارض مع القواعد التي يعرِّفها المحاسبين والاقتصاديين، وهو كالتالي:

الأصل: هي الأشياء التي تضع الأموال في جيبك (الأسهم، السندات النقدية، العقارات، الملكية الفكرية)

الخصوم: هي الأشياء التي تنقص أو تخرج الأموال من جيبك (بطاقات الائتمان، القروض، الأقساط)

وما يميِّز الأصول عن الخصوم هي الأرقام؛ لذلك إذا فهمت جيدًا لغة الأرقام وما تعنيه فستتمكن من طلوع سلم الثراء بكل بساطة، وذلك لأن الأرقام وحدها من يفرِّق بين الأصول والخصوم.

لذلك وباختصارٍ شديد إذا بغيت أن تصير ثريًّا افهم لغة الأرقام وانفق حياتك في شراء الأصول، أما إن بغيت أن تصير فقيرًا فتجاهل لغة الأرقام وانفق حياتك في شراء الخصوم؛ فالثراء يأتي من مقدار العوائد التي تحققها لك الأصول (توزيعات أرباح من الأسهم والسندات، حقوق استغلال الملكية فكرية)، أي أن التدفق النقدي الذي تحصل عليه من الأصول التي اشتريتها سيفوق بكثير مصاريفك ونفقاتك.

الدرس الثالث/ فكِّر في عملك الخاص

“يحتاج الفرد للتفكير في عمله الخاص لكي يتحقق له الأمان المالي، لهذا حافظ على وظيفتك اليومية لكن ابدأ بالاهتمام بأعمالك الخاصة فهي من ستزيد من الأصول الحقيقية لديك.”

يقول (روبرت) أنه في بداية حياته عمل في الكثير من المؤسسات والشركات أمثال شركة “زيروكس” التي كان يعمل فيها كموظف مبيعات واختار هذه الوظيفة لكي يتغلب على خجله من مواجهة الناس، واجتهد في زيادة مبيعاته لكي يزيد دخله الذي كان يستثمره في مجال العقارات، وبعد فترة قصيرة من الزمن عندما ازدادت عوائد العقارات على عوائد دخله من وظيفته المرموقة، تركها وتفرَّغ بشكلٍ كامل للاستثمار في العقارات ولإنشاء شركته الخاصة.

فهناك فرقًا كبيرًا بين الوظيفة أو المهنة التي فرضتها عليك دراستك الجامعية وبين العمل الخاص؛ فالوظيفة تتطلب منك التواجد فيها بشكلٍ دائم وإلا سوف تطرد منها لأنك تعمل لحساب أشخاص آخرين، في حين أن عملك الخاص في كثيرٍ من الأحيان قد لا يتطلب منك حضور شخصي لأنه ملكك، وبالتالي ستوظف أشخاصًا آخرين لإدارته.

لذلك ينصح (روبرت) الجميع بأن يحتفظوا بوظائفهم اليومية، لكن في نفس الوقت أن يفكروا في إنشاء أعمالٍ خاصة بهم وذلك من خلال اقتطاع جزء من رواتبهم واستثماره في شراء الأصول؛ كالعقارات والأسهم وغيرها من الأشياء التي ترتفع قيمتها مع مرور الزمن.

الدرس الرابع/ تاريخ الضرائب وقوة الشركات

“لقد تغلّب الأغنياء على الفقراء، وعلى دُعاة فرض الضرائب على الأغنياء ببساطة؛ لأنهم يفهمون قواعد لعبة المال.”

يرى (روبرت) ومن خلال قراءته لتاريخ فرض الضرائب أن مسار الضرائب لم يكن ليحدث إلا بسبب إيمان الجموع بنظرية “روبن هود” في الاقتصاد وهو ذاك البطل الذي اشتهر بسرقته لأموال الأغنياء لكي يعطيها الفقراء، ويقول (روبرت) بأن “روبن هود” ما هو إلا محتال والسرقة تبقى سرقة، وعلى الرغم من أن “روبن” قد مات إلا أن هناك الكثير من أتباعه ممن لايزالون يؤمنون بهذه الفكرة أو بمبدأ أنه يفترض بالأغنياء أن يدفعوا المزيد من الضرائب لكي تذهب إلى الفقراء.

لكن المشكلة التي غفل عنها دُعاة الضرائب على الأغنياء أن الحكومة عندما بدأت بفرض ضرائب مرتفعة على الأغنياء ازدادت شهيتها بشكلٍ كبيرٍ تجاه المال، مما ادّعى ذلك فرضها ضرائب على الطبقة الوسطى والفقراء أيضًا.

ونتيجة لذلك تورَّط الفقراء بدفع الضرائب، أما الأغنياء وبسبب خبرتهم ومعرفتهم المالية فقد استطاعوا الهروب من دفع الضرائب؛ وذلك من خلال استثمار أموالهم في مشاريع وشركات، وهو ما يحميهم من دفع المزيد من الضرائب، فأغلبية ما يقوم به الأغنياء من أعمالٍ ونشاطات تكون معفية من الضرائب أو ذات ضريبة أقل، بعكس الفقراء أو الموظفين الذين لا يمتلكون سوى رواتبهم التي تكون عُرضة لسلسلة من الضرائب كضريبة الدخل وأقساط التأمينات الاجتماعية والصحية …إلخ.

الدرس الخامس / الثري يبتكر سُبل الحصول على المال

“إن الخوف الزائد ونقص الثقة بالنفس هما ما يحطان من تفوق المرء، ويتطلب تفوقك المالي كلًا من المعرفة الفنية والشجاعة في خوض المخاطرة.”

يفتتح (روبرت) هذا الدرس بقصة “ألكسندر جراهام بيل” مخترع أعجوبة ناقل الصوت “الهاتف”؛ فبعد أن حصل “بيل” على براءة اختراع الهاتف بدأت الطلبات تنهال على اختراعه الجديد وهو ما تسبب له بضغوطاتٍ متزايدة وحاجة لشركةٍ أكبر من شركته الصغيرة، لذلك قرر أن يبيع اختراعه مع شركته الصغيرة مقابل 100 ألف دولار؛ لكن الشركة التي ذهب ليعرض عليها اختراعه هذا رفضت الصفقة بحجة أن المبلغ المطلوب مبالغ فيه! ولحسن حظ “بيل” فقد كان هذا الرفض بداية نجاحه حيث أسَّس شركته الخاصة التي قُدِّرت لاحقًا بمليارات الدولارات.

وتعلمنا قصة “بيل” أن فقدان الثقة بالنفس والخوف من خوض المغامرة هو ما يفقدنا الكثير من الفرص، فالنجاح في الحياة لا يحتاج منّا ذكاءً خارقًا، بل يحتاج للشجاعة والمخاطرة، وإلى جانب الشجاعة وخوض المخاطرة من الضروري أن نمتلك تعليم مالي قوي، والذكاء المالي بشكلٍ عام يتحقق نتيجة جمع مهارات فنية أربع، وهي: المحاسبة والتعامل مع الارقام، الاستثمار وهو علم توظيف المال لتوليد المزيد منه، فهم الأسواق أو ما يعرف بعلم الطلب والعرض، القانون أي المعرفة باللوائح والتشريعات المحاسبية والتجارية.

الدرس السادس/ ليكن عملك بهدف التعلُم لا بهدف جمع المال

“يجب عليك أن تعرف القليل عن كل شيء، كما يجب عليك أن تتقن قواعد المعرفة المالية من محاسبة واستثمار وقانون، بالإضافة إلى فنون البيع والتسويق، وإذا لم تفعل ذلك فلا تسأل عن سبب قلة دخلك وتأخرك عن النجاح في حياتك.”

حينما تخرج (روبرت) من الجامعة عمل فوق ناقلة بحرية، ومن ثم التحق بالجيش الأمريكي، وذهب إلى فيتنام بعدها التحق بشركة زيروكس، وحينما لمع نجمه في المبيعات والتسويق أسس شركته الخاصة.

ويقول (روبرت) عن هذه التنقلات الوظيفيةأنه عندما عمل في الجيش كان هدفه التعرف عن قرب على دول جنوب آسيا حيث تقبع النمور الاقتصادية الصين وسنغافورة وتايلاند، وسبب التحاقه بشركة (زيروكس) هو لهدف التغلب على عادة الخجل لديه، وبعد أن اكتسب الخبرات الكافية من هذه الوظائف أسس عمله التجاري الخاص به ونجح في ذلك.

ومن المفارقات العجيبة أن هناك مقولة تزعم أن كلمة وظيفة انما هي اختصار أو بالكاد فوق حافة الإفلاس “Just Over Broke” ؛ فبينما يعتقد الجميع أن الوظيفة هي الملاذ الآمن، ولذا تجدهم ينصحونك بالبقاء في وظيفة واحدة أطول فترة ممكنة لأن ذلك يدل على أنك موظفٌ خبير كلما استمريت فيها لوقت أطول؛ لكن في الحقيقة يرى (روبرت) أن من يفعل ذلك فهو عبد مطيع، لأن الزمن اختلف فأصبح التنقل بين الوظائف هو من يكسب الفرد الخبرة ويساعده في اتخاذ القرارات المناسبة وخصوصًا عندما يؤسس عمله الخاص.

الأب الغني و الأب الفقير

 

 

 

هذه كانت الدروس الستة التي تعلمها (روبرت كايوساكي) من والده الثري ونقلها إلينا بنفس البساطة التي تعلمها بها، لكن على الرغم من سهولة هذه القواعد والدروس ورغبة الفرد في تعلمها واكتساب المعرفة المالية، تظل هناك عوائق تحول بينه وبين تحقيق النجاح المادي، ويلخص (روبرت) تلك العوائق بخمسة أسباب، وهي:

الخوف: من خسارة المال والابتعاد عن المغامرة والمخاطرة.

التشاؤم والخوف من السخرية: وهو ما يضيع علينا العديد من الفرص.

الكسل: الأشخاص الكسولين دائمًا ما يبررون كسلهم بالتحجج بأن الأغنياء جشعين والجشع يورد المهالك.

الغرور : فالغرور ما هو إلا انعكاس للجهل، وفي كل مرة تغتر فيها ستخسر المال.

العادات: فالحياة ما هي إلا انعكاس لعاداتنا أكثر مما هي انعكاس لتعليمنا.

أخيرًا:

يعتبر كتاب “الأب الغني والأب الفقير” من الكتب التي أحدثت ضجة كبيرة في عالم المال والأعمال، وذلك لأنه ضرب بعرض الحائط الكثير من المعتقدات السائدة، فقد قدَّم من خلاله (روبرت كيوساكي) أفكارًا قد تكون شديدة الغرابة والتطرف بالنسبة لأغلب آباء اليوم، ولكنها أفكارًا قيمة ومبتكرة؛ لذلك أنصح الجميع بقراءة هذا الكتاب وتطبيق النصائح والدروس الموجودة فيه.

فريق الإعداد

إعداد: رندا الحمادي

تدقيق لغوي: مرح عقل

تدقيق علمي: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...