تأخذك إلى أعماق الفكر

إنقاص الوزن بالزبد واللحم: قراءة في كتاب المفاجأة الكبرى للدهون

إنقاص الوزن و النظام الغذائي الصحي هي الشغل الشاغل للكثيرين منا خوفا من ثلة من الأمراض المخيفة . وإذا كُنت من المهمومين مثلي بهذا الموضوع، وصار “كرشك” عبئًا جاثمًا على صدرك ليل نهار، فلا تندهش إذا أخبرتك أنّ طبق البيض المحمرّ بالزبد أفضل صحيًا من سلطة البنجر التي تلتهمها الآن مع كوب عصير البرتقال المثلج الذي تحتسيه بلذة العاشق. ولا تستغرب أيضا إذا عرفت أن طبق البقدونس المطعم بقطع اللحم الدسمة أفضل بكثير من طبق سلطة الحمص مصحوبًا ببعض المقرمشات، وكذلك قطعة من الجبن كامل الدسم أفضل صحيًا من ثمرة فاكهة.

قد يبدو هذا صادمًا بالنسبة لك. لكنه، بصدق، حصيلة نتائج العديد من الدراسات الصارمة التي أفادت بأن النظام الغذائي منخفض الدهون هو نفسه الذي يخلق المشاكل الصحية ولا يؤدي إلى إنقاص الوزن.

ولدهشتنا الشديدة، فإن الأطعمة اللذيذة التي حرمناها على أنفسنا مثل شرائح اللحم الأحمر الشهية، و الأجبان الكريمية اللذيذة  – هي نفسها المفتاح لعكس أوبئة السمنة والسكري وأمراض القلب من ناحية، وإنقاص الوزن والنحافة من ناحية اخرى.

وإذا كان الأطباء لعقود طويلة ينصحون بأن أفضل نظام غذائي ممكن هو ذلك الذي ينطوي على تقليل الدهون، وخاصة الدهون المشبعة، وأنه يمثل أيضًا أفضل الحميات التي تساعد على إنقاص الوزن، فإن هذا الأمر على ما يبدو هو أحد الأخطاء الكبرى في مجال الطب الحديث.

والحقيقة أننا إذا كنّا نتجنب تناول اللحوم والجبن والحليب الكامل الدسم والبيض على مدار سنوات طويلة دون أي داعٍ، فإننا نستطيع الآن، دون أي خوف أو شعور بالذنب، أن نرحب بهذه الأطعمة بدهونها مرة أخرى على موائدنا، والتي تساعد على إنقاص الوزن، بل وقد تشفي من مرض السكر من النوع الثّاني.

إعلان

هذا ما كشفت عنه الصحفية العلمية  الشهيرة نينا تيكهولز في كتابها بعنوان مفاجأة الدهون الكبرى: لماذا يعد الزبد و اللحم و الجبن من أساسيات الطعام الصحي (The Big Fat Surprise :why butter ,  meat and Cheese belong in Healthy Diet ). و لقد صدر الكتاب الجميل في عام ٢٠١٤ ، البالغ عدد صفحاته ٥٠٠ صفحة في طبعته الورقية، والمكون من عشرة فصول بالإضافة إلى المقدمة والنتائج الختامية.

أنفقت نينا أكثر من ١٠ سنوات في البحث وأعادت النظر في أهم أبحاث التغذية التي ظهرت على مدار ٥ عقود، وأجرت مقابلات مع معظم خبراء التغذية بأمريكا، واكتشفت أو فوجئت، أو بالأحرى صُدمت بوجود عيوب منهجية فظيعة في هذه الأبحاث، والتي شكّلت الأسس العلمية التي تأسست عليها السياسات الأمريكية للتغذية، و برامج إنقاص الوزن . وأوضحت كيف ترسخت المعلومات المضللة عن الدهون المشبعة في سويداء المجتمع العلمي، وكيف سقط العالم ضحية لمزيج من الأنا، والتحيز، والإجماع المؤسسي المتسرع، مما أوصلنا إلى توصيات غذائية تحولت إلى عقيدة دوجمائية، لم تفيدنا صحيا، ولا ساعدتنا حتى على  إنقاص الوزن.


ولقد تناول هذا الكتاب الموضوعات الرئيسة التالية، والتي سأحاول إيجازها لك على قدر الإمكان حفاظًا على وقتك الثمين في شهر رمضان، و سعيك الدئوب نحو إنقاص الوزن.

(١) الأكذوبة الكبرى عن الدهون المشبعة

يرجع الادعاء بوجود أضرار صحية خطيرة للدهون المشبعة إلى أكثر من 50 عامًا، وبالتحديد إلى رجل واحد فقط، وهو أنسل كيز Ancel Keys،  أستاذ علم التشريح صاحب الشخصية الكاريزمية الطاغية. ولقد ترتب على سعي كيز المحموم وراء الشهرة إلى تجاهله العديد من المعايير العلمية الأساسية في دراسته التي أجراها في سبع دول. وعلى الرغم من العوار لشديد في المنهج العلمي التي اتبعته هذه الدراسة كما بينته المؤلفة، فلقد مثّلت الأساس في جميع توصياتنا الطبية المتعلقة بالتغذية حتى اليوم.

استغلّ كيز  رغبة الحكومة الأمريكية والرأي العام الأمريكي في التصدي السريع لانتشار مرض القلب المرعب في هذه الفترة، وأقنع جمعية القلب الأمريكية والحكومة الأمريكية نظريته القائلة بأن الدهون عمومًا – والدهون المشبعة على وجه التحديد – مسؤولة عن التسبب في أمراض القلب والبدانة والسرطان. وللأسف أصبح هذا الاعتقاد الذي لا أساس له من الصحة متأصلاً في منهجنا الطبي بوصفه عقيدة لا يمكن تغييرها.

(٢) انحياز المجتمع العلمي  

أدت الحاجة الماسة إلى إيجاد علاج سريع لحالات أمراض القلب التي انتشرت بشكل مريع في الولايات المتحدة، إلى تسرع الخبراء والأطباء في إطلاق ما يعرف بدليل التوجيهات الغذائية بالولايات المتحدة، والتي استندت للأسف إلى تجارب علمية غير دقيقة ومعلومات غير مكتملة..
ومع استثمار الملايين من  الدولارات في تأكيد صحة فكرة أن الدهون وراء أمراض القلب، أصبح من الصعب عكس مسارها، وللأسف قامت الحكومة الأمريكية بتبني هذا النظام الغذائي المنخفض الدهون.

وانتصر الانحياز والعلم الفاسد إن جاز التعبير، وتم تكميم أفواه كل منتقدي فرضية التغذية، ولعبت الصناعة وجماعات المصالح دورًا كبيرًا. في التأثير على السلطات وشراء زمم الباحثين.

(٣) أثر النظام الغذائي منخفض الدهون

أدى النظام الغذائي المنخفض الدهون إلى تناول المزيد من الكربوهيدرات حيث ازدادت بنسبة ٢٥٪  منذ شيوع النظام الغذائي منخفض الدهون، وقد أدى هذا التحول (ليس فقط إلى مزيد من السكر ولكن أيضًا إلى المزيد من الحبوب الكاملة والفاكهة) إلى الإصابة بداء السكري اليوم وأوبئة السمنة بدلا من إنقاص الوزن. 

ويعني أيضًا  تخفيض الدهون المشبعة من أكلنا أننا نعتمد على المزيد من الزيوت النباتية، مثل فول الصويا والكانولا والذرة. لم تكن هذه الزيوت موجودة حتى عام 1900 وهي الآن تشكل  جزءًا ملموسًا من السعرات الحرارية التي نأكلها. ولقد ارتبطت هذه الزيوت بالعديد من المشاكل الصحية مثل السرطان على سبيل المثال. عند تسخينها، تتأكسد هذه الزيوت وتسبب التهابات ومشاكل  بالمعدة. ويتم الآن استخدام هذه الزيوت خاصة بعد أن أعلنت سلاسل مطاعم الوجبات السريعة الكبيرة مثل ماكدونالدز وويندي عن تحولها إلى الزيوت الخالية من الدهون. 

(٤) أثر النظام الغذائي منخفض الدهون على المرأة

تضرّرت النساء بشدة من جراء توصيات النظام الغذائي منخفضة الدهون، والتي أتبعنها بحماسة شديدة أكثر من أي شخص آخر على مدى العقود القليلة الماضية. وتبين أنّ الكوليسترول “الجيد” عند النساء ينخفض بشكل كبير عند اتّباعهم لهذا النظام الغذائي (يحدث للرجال أيضًا، ولكن بنِسَب أقل من ذلك)، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.
حتى في ثمانينيات القرن العشرين، وجد أن النساء في منتصف العمر اللاتي يعانين من إرتفاع الكولسترول يعشن فترة أطول من النساء اللواتي لديهن نسبة منخفضة من الكوليسترول، لكن الباحثين تجاهلوا هذه النتيجة، لأنهم ركزوا على الرجال في منتصف العمر. في الواقع، لقد استندت جميع توصياتنا المتعلقة بالنظام الغذائي والكولسترول لعقود على البيانات الواردة من الرجال.

(٥) أثر النظام الغذائي منخفض الدهون على الأطفال

يمثل الأطفال شريحةً كبيرةً من السكان لم تشملهم أيّ دراسات أو فحوصات صحيّة قبل أن توصي الحكومة الأمريكية بوضعهم على النظام الغذائي منخفض الدهون.  ولقد اعترض الكثير من أطباء الأطفال على أن هذا النظام الغذائي، المصمَّم للرجال في منتصف العمر، غير مناسب لتنمية الأطفال، لكنّ أصواتهم تمّ تجاهلها. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ نموّ الأطفال يكون بشكل أفضل مع الوجبات الغذائية الغنية بالدهون. ومن ثم، فإنّ نظام التغذية المدرسية الذي يقدم اللبن الخالي من الدسم بدلاً من كامل الدسم يعود بالضّرر على صحة الأطفال، وساعد تحديدًا على زيادة معدلات السمنة بدلًا من إنقاص وزن الاطفال.

(٦) نصيحة الكتاب و إنقاص الوزن

 ختامًا، فإنّ النصيحة الأساسية لهذا الكتاب هي أنّ الأطعمة عالية الدهون بالتأكيد أكثر صحة، من جميع الجوانب، من أي أطعمة قليلة الدسم، وعالية الكربوهيدرات. ونقصد هنا بالتحديد كلّ الألبان كاملة الدسم، واللحوم، والبيض، والجبنة البيضاء، بل وحتى السمين من اللحوم. وباختصار فإنه علينا أن نعترف أنّ كافة الأطعمة الدسمة الشهية التي حرمنا منها أنفسنا لفترة طويلة هي جزء جوهريّ من الطعام الصحي.

ولقد أثبتت الأبحاث العلمية الرصينة أن النظام الغذائي عالي الدهون منخفض الكربوهيدرات قادر على حرب أمراض القلب والسكر وإنقاص الوزن، ويؤدي إلى نتائج صحية أفضل من أي نظام غذائي منخفض الدهون.. ذلك النظام المخزي الذي ظلت المؤسسات الصحية والطبية في الدول الغربية تتبناه لفترة طويلة.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.