تأخذك إلى أعماق الفكر

إعادة إنتاج الماضي.. الخصخصة في مصر: داء أم دواء؟

في ظلّ تبنّي الدولة المصرية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من قبل صندوق النقد الدولي والمطبَّقة أولى خطواته في نوفمبر 2016، شهد الاقتصاد المصري حالة من التخبط وازدواجية المعايير في طرحِ خطوات هذا البرنامج تارة وفي مدى مساهمته في إصلاح الاختلالات العالقة به منذ عقود تارة أُخرى. ناهيك عن مدى جدوى الاعتماد عليه كمَخرج من المأزق الراهن. ورأى البعض أنّ هذا البرنامج ما هو إلا نسخة جديدة من البرنامج القديم الذي كان يُدعى “التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي المتفق عليه في النصف الثاني من الثمانينيات والمطبق في بداية عقد التسعينيات. فيما رأى آخرون أن هذا البرنامج خطوة على الطريق إذا ما قطعها الاقتصاد المصري، ستساعده في الخروج من الحالة الرثة التي يعانيها وتمكنه من الاعتماد على ذاته والسير في طريق البلدان الصاعدة.

ومن بين أوجه التشابة بين كلا البرنامجين تلك السياسات المطبقة ومن بينها برنامج الخصخصة الذي سرعان ما ينصح به صندوق النقد الدولي البلدانَ التي تلجأ إليه لحل مشكلاتها. ولهذا، فإن هذا المقال بصدد وضع الخصخصة في الميزان بدءًا بتعريفها وتحديد الأهداف المرجوة منها ثم الانتقال إلى جدلية التطبيق وما نتج عنها من آثار وذلك عبر دراسة الحالة المصرية وفق النقاط التالية:

الخصخصة: مفاهيم – فكر – أهداف

تعددت وتنوعت مفاهيم الخصخصة وتعريفاتها إلا أنّ التعريف الشامل والأعم يشير إلى أنها عملية نقل ملكية الأعمال التجارية والمؤسسات والخدمات العامة من القطاع العام المملوك للدولة إلى القطاع الخاص. وهو تعريف جامع يشمل عملية النقل إلا أنه لا يحدد طريقة النقل ولا وسائل التقييم التي ستتم من خلالها. لذا فإن الباحث يذهب إلى أنّ الخصخصة هي عملية تدوير الموارد عبر بيع شركات القطاع العام -بغض النظر عن كونها رابحة أو خاسرة- بهدف التحوّل نحو اقتصاد السوق. والمقصود هنا في ظاهره، أن تصبح هذه الشركات أكثر ربحية وتنافسية في ظل غلبة فرضية أن الدول تاجر سيئ وصانع أسوأ، التي دائمًا ما يلقيها مؤيدو اقتصاد السوق كبرهان على فشل االدولة كمنتج وكموزع للخدمات.

وللخصخصة عدة أبعاد منها البُعد الاقتصادي الذي -يهدف بحسب رؤية مؤيديه– إلى رفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية والبشرية وتعظيم إنتاجيتها، وذلك بتحرير السوق وعدم تدخل الدولة. أما المنظور السياسي فيتمثل في اختزال وتقييد دور الدولة ليقتصر على مجالات أساسية مثل الدفاع والأمن والعدالة أي ما يعني تنحية الدولة جانبًا فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي.

إعلان

وقد حازت قضية الخصخصة من خلال توسيع أو تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي على زخم فكري كبير، إذ أن المتتبع لتطور الفكر الاقتصادي بها يجد حالة من الشدّ والجذب. فتارة تجد من يؤيدها ويسوق لها من الأهمية والمبررات، وأخرى يظهر من يعارضها ويبارزها بشتى السبل. إلا أنّ صفوة القول في هذه الجزئية، تتمثل في أن الخصخصة كانت ولا تزال مرهونة بدور الدولة وقدرتها الاقتصادية من ناحية وحالة الفكر الاقتصادي السائد من ناحيةٍ أُخرى. فمدرسة التجاريين قد أعطت وزنا كبيرًا في النشاط الاقتصادي للدولة، بينما جاءت مدرسة الطبيعيين (الفيزوقراط)، لتدعم حرية الأفراد في التصرف والحيازة والملكية. وأيدتها على هذا النحو المدرسة الكلاسيكية، ذاهبة إلى أنّ الدولة يجب أن يقتصر دورها على الدفاع والأمن والعدالة، وذلك من خلال مصطلح اليد الخفية وآلية التوزان التلقائي بعيدًا عن الدولة وتدخلاتها.

وسارت المدرسة النيوكلاسيكية على نفس الطريق. فيما أفضت أفكار المدرسة الماركسية لتؤكد على تملك الدولة لكافة عناصر الإنتاج. ومع دخول الفكر الاقتصادي في حالة من الركود الفكري وتوالي الأزمات إلى أن حدثت أزمة الكساد الكبير “1929- 1933”. مثلت الكينزية ملاذًا أمنًا لتدخلات الدولة في النشاط الاقتصادي وإبراز دور فاعل لها عبر تدخلها من خلال أدوات السياسة المالية. وفي نفس السياق، ذهبت أفكار مدرسة شيكاغو إلى حتمية تدخل الدولة، إلا أنّ ذلك يتم عبر أدوات السياسة النقدية.

وتختلف دواعي ومبررات الخصخصة من بلدٍ لآخر ومن مجموعة بلدان لأخرى تبعًا للظروف السائدة ومستوى التطور الاقتصادي والأداء في البلد المعني. ففي البلدان الاشتراكية السابقة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان اللجوء إلى الخصخصة بالدرجة الأولى تعبيرًا عن الرغبة في التخلص وإزالة أحد أهم أسُس البناء الاشتراكي (المتثمل في الملكية العامة لوسائل الإنتاج) والانتقال من المركزية المطلقة في إدارة الاقتصاد وهيمنة الدولة الكاملة على العملية الاقتصادية إلى نظام اقتصاد السوق. وكان ذلك يعني تفكيك القطاع العام وخلق قطاع خاص بدلاً عنه.

أما في البلدان النامية ذات التوجه الرأسمالي فإنّ دواعي وأهداف تحويل القطاع العام، أو قسم منه، إلى القطاع الخاص هي السعي للتخلص من الفساد السائد في القطاع العام والخسائر المالية الناجمة عنه من جراء انخفاض مستوى الكفاءة الإنتاجية لهذه المؤسسات وعجزها عن مواكبة التقدم التكنولوجي، بحيث تحولت هذه المؤسسات إلى بؤر تستنزف الموارد الاقتصادية، وأثقلت كاهل الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى تدنّي مستوى الخدمة المقدمة من المنشآت المملوكة للقطاع العام وتدنّي مستوى الجودة والنوعية بسبب ضعف الرقابة، فضلًا عن تضاؤل قدرة الحكومة على التوسع والاستثمار. وفي البلدان الرأسمالية المتقدمة كان الدافع الأساسي لاعتماد الخصخصة منطلقًا من مقولة “أنّ الدولة ليست أفضل رب عمل”، في حين أنّ القطاع الخاص وبمرونته المعهودة وسعيه إلى الربح -الذي يشكل الحافز الرئيسي لتطوير الإنتاج- مؤهل أكثر لتأمين قدرة تنافسية أكبر للمنشآت الاقتصادية.

وفي عدد من البلدان المنتجة والمصدرة للنفط، وبفضل الفوائض المالية الكبيرة التي تكونت لديها خلال حقبة الطفرة النفطية، نشأت دولة الرعاية الاجتماعية، الأمر الذي أوجب قيام قطاع عام كبير نسبيًا ومدعوم حكوميًا شمل ميادين الإنتاج الأساسية وتقديم الخدمات المختلفة للمواطنين. إلا أنه مع بروز ظاهرة العولمة وما رافقها من تحرير التجارة وقيام المؤسسات التمويلية الدولية بالضغط لفرض برامج الخصخصة فإنّ هذه الدول واجهت جبرية تقليص دور القطاع العام وتخفيض مستوى الحماية التجارية وصولًا إلى إلغائها وخلق الظروف المواتية لقيام قطاع خاص ديناميكي وفعال. أما مؤسسات التمويل الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) فإنهما يبرران برامج الخصخصة بشكل رئيسي من خلال توفير موارد مالية لتسهيل تخفيض حجم الدين الخارجي، وكذلك الاستفادة من مشاركة رأس المال الأجنبي.

ويمكن استعراض عدد من أهداف الخصخصة على النحو التالي:

  • تحقيق الكفاءة الاقتصادية من خلال الاعتماد على آليات السوق
  • تخفيف الأعباء المالية للدولة
  • توسيع قاعدة القطاع الخاص والاعتماد عليها في عملية النمو
  • تطوير الأسواق المالية
  • محاربة البطالة وتوفير مزيد من فرص العمل.

كل هذه النقاط تصب في خانة التحول نحو الخصخصة وتطبيقها إلا أنّ هذه الرؤية المؤيدة تقابلها رؤية مغايرة مفادها أن الخصخصة داء في بيئة الدول النامية ومحصول غير قابل للاستزراع والإثمار؛ وما هي إلا وسيلة من وسائل صندوق النقد الدولي للسيطرة على اقتصادات الدول عبر فئة معينة من رجالات الأعمال المحابين لاقتصاد السوق، في ظل تغافلٍ تامّ لآثارها السلبية وغضها الطرف عن الجوانب الاجتماعية ومراعاة العمال.

ويسوق البعض هنا عددًا من الحجج التي تؤكد أنّ الخصخصة دواء غير ذي فائدة ينتج عنه عدد من النقاط السلبية أهمها ما يلي:

  • أنها أحد وسائل تواطؤ السلطة برأس المال عبر محاباة رجال الأعمال وبيع الشركات لهم بأثمان لا تمتّ بصلة لمكانة الشركات وقيمتها المالية.
  • تسريح العمّال وما ينتج عنه من مشكلات تتعلق بحقوقهم المادية أو المعنوية.
  • ضياع مورد أو منتج كان بحوزة الدولة ليصبح بحوزة القطاع الخاص الباحث عن الربح، مما يعني ضياع الاعتبار الاقتصادي والزجّ بالعمال في براثن البطالة والإقصاء الاجتماعي.
  • كذلك فإنّ خصخصة شركات الدولة تؤدي إلى بيع الموجودات الوطنية إلى شركات أجنبية، يُنظر إليه أنه زيادة للتدخل والتأثير الأجنبي في الاقتصاد.

كما يذهب أنصار هذا الطرح إلى أنّ الخصخصة سياسة أو برنامج سيئ السمعة، وقد رأى البعض أنّ فكرة طرح الخصخصة في حد ذاتها مثل طرح شابَهُ العديد من المغالطات، نظرًا لأن عملية الإصلاح نفسها قامت على مسار واحد يحمل بين طياته عملية تصفية حسابات سياسية واقتصادية. فبمجرد الإعلان عن الخصخصة، تظهر في الأفق فئة تهاجم القطاع العام وتصفة “بالخطيئة الأولى” متجهين إلى أن إدارة الدولة للمشروعات تمثّل هدرًا للإمكانية ولقدرات هذه الشركات، كما حدث في أزمنة سابقة.

ومع تعدد الأساليب التي استخدمت في إدارة عملية الخصخصة في البلدان النامية برزت عدة نقاط تتعلق بالمقارنة بين كلفة إعادة تهيئة التي تطرح للخصخة وبين ثمن البيع المنتظر، وهل تتم عملية التقييم بالقيمة الدفترة أم بالقيمة الحالية (أو السوقية)، وكذلك عملية وإجراءات البيع، وكيف يمكن أن تدار الأموال المجلوبة من الخصخصة. كلّ هذه الأسئلة ظلت تبحث عن أجوبة وقد اختلفت من تجربة لأخرى ومن حالة دولة إلى حالة أخرى وكذلك من وقت لآخر داخل الدولة الواحدة. إلا أنّ المستقرّ لدى ذهن الباحث أن الخصخصة ليست هي الحل السحري الذي بمجرد أن نطبّقه ستنحل كل المشكلات الاقتصادية التي يعانيها اقتصاداتنا النامية، وإن كانت أحد الحلول الممكنة التي تحتاجها كي تؤتي ثمارها لإجراءات منضبطة وعملية تقييمية تتمتع بشفافية ونزاهة عالية قد لا تتوفر في كثير من البلدان.

وعلى ضوء أنّ الخصخصة تمثل الوصفة الأكثر استحبابًا لدى صندوق النقد الدولي، فإنه إذا كان الألم واحد فإن المرضى كثر وحالة أحدهم قد تختلف كليًا أو جزئيًا عن حالة آخر. بما يعني أنّ “روشتة” علاجٍ واحدة لكافّة البلدان ربما لا تحمل نفس الكفاءة والفاعلية. والخصخصة وفق منهج صندوق النقد ربما تكون تقليعة أو موضة على الجميع أن يرتديها.

وخلاصة القول في هذه الجزئية، أنّ الخصخصة التي تصلح في مكان ربما لا تكون صالحة في آخر وذلك يعود لعديد من الأسباب التي أوردها الباحث أعلاه. وإن اختلفت مسميات الخصخصة فإنّ آثارها تكون واحدة على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان النامية، ما يعني أن الخصخصة سياسة بلا قلب.

خصخصة التسعينيات في مصر… غطاء قانوني مهّد لتاريخٍ من إهدار الموارد

يمارس صندوق النقد الدولي هيمنته النقدية على العالم تارة بالترغيب وأُخرى بالترهيب، ومع مزيد من الاختلالات والأزمات ذات الأطراف الخارجية، يظهر الصندوق في ثوب المنقذ، وهنا فقد دخل الاقتصاد المصري في تطبيق شروطه بحاذفيرها دون التطرق لمدى مُلائمة هذه المشروطيات لواقع الاقتصاد المصري من عدمه. وكان من بين هذه الشروط خصخصة القطاع العام. وهو أمر ليس بجديد على أذهان صانعي السياسة الاقتصادية والمفكرين في مصر، إذ أنه خلال الفترة (1991-2008) قامت الحكومة المصرية بتنفيذ برنامج الخصخصة، بدعوى أن إدارة الدولة لشركاتها ليست على المستوى المطلوب من حيث الكفاءة الاقتصادية، في ظل التأكيد على فكرة الإدراة السيئة وهدر الموارد أحياناً وضياعها في أحيان أخرى في ظل إدراة الدولة.

وقد بدأت مصر برنامجها للخصخصة من خلال إصدار قانون قطاع الأعمال رقم 203 لسنة 1991 الذى یسمح بالخصخصة والذي تمّ من خلاله تحدید الشركات التي ستخضع للخصخصة وعددھا 314 شركة تابعة. وفي یونیو 1991، تم إصدر القرار الوزاري رقم 7411 بإنشاء المكتب الفني لوزیر قطاع الأعمال العام والذي یقوم بوضع السیاسات ورسم الاستراتیجیات لعملیة الخصخصة وتحدید الأولویات في بیع الشركات. وشمل هذا أهدافًا ومعايير مفادها تحويل جميع الشركات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص بغض النظر عن كونها شركات رابحة أو خاسرة. وهنا مكمن الخطورة الفعلي الذي جعل الاقتصاد المصري يخرّ عليه السقف من فوقه، إذ لم تكن عملية الخصخصة عملية نهبٍ منظمة لموارد وممتلكات الدولة لأصحاب النفوذ ومجموع المنتفعين دون النظر للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية. مما يعني أنّ الإطار التشريعي الحاكم للخصخصة قد ساهم في إلباس الاقتصاد المصري ثوبًا لا يناسبه لا من حيث التوقيت ولا من حيث الكيفية التي أُديرت بها تلك العملية.

وانطلاقًا من أن هناك بعض الشركات التي لا يجوز أن تفرط فيها الدولة، وهي من ثوابت الاقتصاد المصريّ، مثل شركات الدواء وشركات المطاحن والفنادق التاريخية وشركات نقل الرُكاب، وأيضًا الشركات التي توظف عمالة ضخمة. فما كان يجب أن ينفرد شخص بقرار البيع، مهما علا وتصدّر قرارات الخصخصة من مجالس إدارات الشركات وجمعياتها العمومية ولجنة الخصخصة بالجهاز المركزي للمحاسبات واللجنة العليا للخصخصة، ولا يباع بأقل من التقييم إلا بعد موافقة الجمعية العمومية على ذلك، ولا تصدر القرارات إلا بالإجماع. تم تخصيص 10% من أسهم الشركات لاتحاد العاملين بالشركات مع خصم 20% من التقييم المعتمد، على أن يتم البيع لأعلى التقييمات، وأن تنصّ عقود البيع على المحافظة على العمالة فى الشركات المبيعة، وحقوقهم المكتسبة قبل البيع، وعدم استخدام أراضي الشركات إلا في الأنشطة الصناعية. وبدأ تطبيق البرنامج على استحياء من خلال بيع شرائح من 5% إلى 20% من أسهم الشركات الرابحة في بورصة الأوراق المالية، مع بيع بعض أصول الشركات الزراعية التي أكلتها الخسائر والديون للبنوك وللغير وبيعت للعاملين وصغار المزارعين، كما طرحت بعض شركات المقاولات والمنتجات الصناعية التي انتهى استخدام منتجاتها إلى مستثمرين.

وكانت الخصخصة إحدى الركائز الأساسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي، ونتيجة لهذا البرنامج تمت خصخصة 382 مؤسسة مملوكة من الدولة، بعضها خصخصة كلية وأُخرى جزئية. وبلغ إجمالي حصيلة بيع الشركات العامة بموجب برنامج الخصخصة 57.4 مليار جنيه مصري (حوالي 9.4 مليار دولار تقريباً) حتى عام 2009. وتلاقى نمط برنامج الخصخصة مع قوة عملية الإصلاح الاقتصادي بوجه عام. فعلى سبيل المثال، تحرك كل منهما بوتيرة بطيئة بين عامي 1991 و2005 ــ عندما بلغ متوسط عدد الشركات المخصخصة في السنة حوالي 15. من ناحية أخرى، تمت خصخصة 77 شركة فيما بين 2004 و2006 بمتوسط 25 شركة في السنة، وهي فترة شهدت إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق.

وبرغم هذه الحركة الواسعة والمتسارعة إلا أنه ثمة قيود عديدة واجهت عملية الخصخصة وربما أودتها أرضًا؛ أهمها قصور التنسيق مع السياسات الاجتماعية ومختلف السياسات القطاعية. فمع عدم التعريف الدقيق للمشكلات التي تواجه شركات القطاع العام في الاقتصاد المصري، كان مجرّد الإذعان بأن الشركة خاسرة أو لا تحقق أرباحًا مدعاة لخصخصتها. كما لم تظهر الخصخصة ما كانت تصبو إليه من أهداف تسعى حولها فيما يتعلق بتحريك مياه المنافسة الراكدة بين الشركات بل كان العكس هو الصحيح، إذ مكّنت الخصخصة من ظهور احتكارات عدة في مقدمتها تحوّل حديد الدخيلة إلى حديد عزّ كمثال على الاحتكار. بما يعني أنّ البيئة التمكينية السليمة لممارسة الأعمال كانت موجهة لشخصيات بعينها وذلك كما حدث عندما أسند بيع بعض الشركات إلى شخصيات بعينها سواء من خلال علاقة المصالح أو علاقات تربيح الأقارب والمعارف مثل بيع شركة كوكاكولا إلى أحد رجال الأعمال ذات الصلة برئيس الوزراء في عام 1993. وهنا فإنّ عملية الخصخصة لم تسلم من الفساد والمحسوبية بما يجعلها عملية قاصرة وناقصة وذات أهداف لا تمت بصلة للأهداف الاقتصادية المعلن عنها من قبل الحكومة المصرية أنذاك. ناهيك عدم التوافق على مسائل التوقيت والوسائل والأهداف، فقد قامت الخصخصة بنزع  فتيل الأزمة بين أصحاب الشركات الجدد والعاملين ودخولهم في نزاعات قضائية.

وخلاصة القول، في هذا البند فإنّ إدراة عملية الخصخصة أو برنامجها أو سياساتها، أيًا كان ذلك المسمى، قد شابه عجز مؤسسيّ وغياب كامل للنواحي التقييمة وتغافل جمّ للجوانب الاجتماعية في ظلّ محاباة كبيرة ومتنامية لفئات بعينها. بما يقودنا لأجوبة صريحة مفادها أنّ عملية الخصخصة لم تسلم من الفساد ولم تهيئ بيئة تنافسية كما زعم مؤيدوها، بل العكس كان هو الصحيح، خاصة في ظل سعي البعض لشراء الشركات بمبالغ لا تعبر عن قيمتها وبيعها بعد فترة قصيرة من الزمن بأثمان أكبر، ما يعني أنها دخلت في نطاق المضاربة غير الحميدة دون مراعاة للجوانب الوطنية وبحثًا عن الذات والمصالح الشخصية.

الخصخصة في الألفية الثانية: إرادة سياسية تستند على واقع متعثر

مع دخول الدولة المصرية في اتفاق أبرمته مع صندوق النقد الدولي في 2015، تم تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادي بدأت أولى إجراءاته بتحرير سعر الصرف في الثالث من نوفمبر 2016. بقيت الخصخصة شرطًا من شروط صندوق النقد الدولي على الحكومة المصرية أن تقوم به. وذلك بالرغم من وجود تأكيدات بعدم تطبيق الخصخصة مرة أخرى، إلا أنه إذا كانت الكلمات تتجمل فإن الواقع لا يصدقه إلا الواقع. فمع مجيء وزير جديد لقطاع الأعمال العام في مصر، أعلن أنه “إذا لم تكن هناك حلول مالية أو فنية، يمكن إسناد الأمر للقطاع الخاص، وهو ما يعبر صراحة عن الخصخصة، وتعلمت أنني لا أقف عند مشكلة أو تعريف، وكل شركة ولها طبيعة، والحلول جميعها مطروحة، والهدف ليس تسريح العمالة أو التصفية أو بيع شركة”. والشاهد من هذه الجملة أن الخصخصة في مصر تغيرت مفاهيمها لتصبح إعادة تدوير الأوصول. كما أقرها صندوق النقد الدولي.

“وقد أعلنت الحكومة فى مارس الحالي عن خطتها لخصخصة عدد من أكبر الشركات وأكثرها ربحية، وذلك تحت مسمى المرحلة الأولى لبرنامج الطروحات للشركات فى البورصة، حيث تضمنت القائمة ثلاثًا وعشرين شركة منها شركات فى خدمات البترول والتكرير مثل شركة (إنبي)، كما شمل البرنامج طرح شركة سيدى كرير للبتروكيماويات، وفي قطاع الخدمات المالية: بنك التعمير والإسكان، بنك الإسكندرية، بنك القاهرة، شركة تكنولوجيا تشغيل المنشآت المالية «E ــ finance»، شركة مصر للتأمين، وفي القطاع العقار سيتم طرح شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، وشركة مدينة نصر للإسكان والتعمير، وفي خدمات المستهلك سيتم طرح شركة الشرقية «إيسترن كومباني»، كما سيتم طرح شركة مصر للألومنيوم. وقالت وزارة المالية أنه من المتوقع أن تصل القيمة الإجمالية للأسهم المطروحة ضمن برنامج الحكومة نحو 80 مليار جنيه، وتقرر أن تتراوح النسب المطروحة من الشركات ما بين 15 ــ 30%، وقال وزير المالية، أن البلاد تستهدف طرح حصصٍ ما بين 4 و6 شركات حكومية بالبورصة خلال 2018 لجمع 12 إلى 15 مليار جنية”.

ولأن الحكومات المصرية لا تتعلم من تجاربها السابقة فإن إعادة إنتاج الخصخصة وإن تغير المفهوم، فلا يزال هناك ريب شديد من فكرة الخصخصة، لكن الموقف الحالي يعد أقوى من سابقه في ظل الادعاء دومًا بالسير في الطريق الصحيح على صعيد التصريحات فيما تخالف المؤشرات الاقتصادية هذه الأطروحات. فإنّ الطرح أو التساؤل الذي يمكن بثه هو لماذا دومًا تقوم الحكومة الحالي ما بعد 2015 في تغيير المفاهيم دون تغيير المضامين؟ فإذا كانت الخصخصة سمًّا قاتلًا أو علاجًا سحريًا لما لا يتم توضيح ذلك الأمر وتبيانه وتبيان أهم قواعده وخطواته في ظلّ مصارحة وشفافية تعقبها رقابة ومسائلة حقيقية تجاه ما ستؤول إليه نتائج هذه العملية. إلا أن الأمر دومًا ما يعقبه مفاجأت غير سارة وغير مجدية لا على الصعيد الاقتصادي ولا الاجتماعي.

وختامًا، يتساءل الكاتب، هل الخصخصة هي الحلّ الأمثل في التوقيت الحالي من الناحية الاقتصادية والناحية الاجتماعية في ظلّ وجود أزمة وواقع اقتصادي واجتماعيّ مصابٍ بالتعثر ويعاني من أزمات لا حصر لها؟ وعلى ضوء أنّ القرار الاقتصادي هو قرار تلك البيئة التي أوجدته، هل من آلية للتعامل مع القيم المالية الناتجة عن عملية البيع هذه؟ وماذا عن أسس ومعايير التقييم؟ وماذا عن حجم العمالة التي تعمل بالشركات التي في طريقها للخصخصة؟ كلّ هذه التساؤلات تحتاج لمزيد من الدراسة والبحث والتفصيل لدى صانعي السياسة الاقتصادية في مصر في الوقت الراهن.

قائمة المصادر:

أحمد عبد الوهاب، دور الخصخصة في تحسين الأداء الاقتصادي الكلي والجزئي، المركز المصري لدراسات السياسة العامة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، بدون تأريخ نشر.
سفيان العيسة، الاقتصاد السياسي للإصلاح في مصر فهم دور المؤسسات، سلسة أوراق كارنيغي، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، واشنطن، يولوي، 2007،ص17.
شهاب حمد شيخان، إشكالية الخصخصة وإنعاكاستها في رفع كفاءة الأداء الاقتصادية ( دراسة تحليلية تطبيقية)، كلية الإدارة والاقتصاد، العدد الثاني، جامعة الأنبار، العراق، 2008، ص3.
صفوت قابل، مغالطات الحكومة فى الخصخصة الجديدة، جريدة الشروق، 25 مارس2018، متارح على الرابط التالي 
كريم بدر الدين، الخصخصة: مفتاح حل الأزمة الاقتصادية في مصر، مدونة البنك الدولي، 3 نوفمبر2011، متاح على الرابط التالي 
منى قاسم، الاصلاح الاقتصادي في مصر ودور البنوك في الخصخة وأهم التجارب الدولية، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 26، العدد2، الكويت، 1998، ص160.
المركز المصري لدراسات السياسات العامة، دراسة مقارنة لأداء الإقتصاد المصري قبل وبعد برنامج الخصخصة، القاهرة، بدون تأريخ نشر،

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...