تأخذك إلى أعماق الفكر

إعادة إنتاج الماضي.. الخصخصة في مصر: داء أم دواء؟

في ظلّ تبنّي الدولة المصرية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من قبل صندوق النقد الدولي والمطبَّقة أولى خطواته في نوفمبر 2016، شهد الاقتصاد المصري حالة من التخبط وازدواجية المعايير في طرحِ خطوات هذا البرنامج تارة وفي مدى مساهمته في إصلاح الاختلالات العالقة به منذ عقود تارة أُخرى. ناهيك عن مدى جدوى الاعتماد عليه كمَخرج من المأزق الراهن. ورأى البعض أنّ هذا البرنامج ما هو إلا نسخة جديدة من البرنامج القديم الذي كان يُدعى “التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي المتفق عليه في النصف الثاني من الثمانينيات والمطبق في بداية عقد التسعينيات. فيما رأى آخرون أن هذا البرنامج خطوة على الطريق إذا ما قطعها الاقتصاد المصري، ستساعده في الخروج من الحالة الرثة التي يعانيها وتمكنه من الاعتماد على ذاته والسير في طريق البلدان الصاعدة.

ومن بين أوجه التشابة بين كلا البرنامجين تلك السياسات المطبقة ومن بينها برنامج الخصخصة الذي سرعان ما ينصح به صندوق النقد الدولي البلدانَ التي تلجأ إليه لحل مشكلاتها. ولهذا، فإن هذا المقال بصدد وضع الخصخصة في الميزان بدءًا بتعريفها وتحديد الأهداف المرجوة منها ثم الانتقال إلى جدلية التطبيق وما نتج عنها من آثار وذلك عبر دراسة الحالة المصرية وفق النقاط التالية:

الخصخصة: مفاهيم – فكر – أهداف

تعددت وتنوعت مفاهيم الخصخصة وتعريفاتها إلا أنّ التعريف الشامل والأعم يشير إلى أنها عملية نقل ملكية الأعمال التجارية والمؤسسات والخدمات العامة من القطاع العام المملوك للدولة إلى القطاع الخاص. وهو تعريف جامع يشمل عملية النقل إلا أنه لا يحدد طريقة النقل ولا وسائل التقييم التي ستتم من خلالها. لذا فإن الباحث يذهب إلى أنّ الخصخصة هي عملية تدوير الموارد عبر بيع شركات القطاع العام -بغض النظر عن كونها رابحة أو خاسرة- بهدف التحوّل نحو اقتصاد السوق. والمقصود هنا في ظاهره، أن تصبح هذه الشركات أكثر ربحية وتنافسية في ظل غلبة فرضية أن الدول تاجر سيئ وصانع أسوأ، التي دائمًا ما يلقيها مؤيدو اقتصاد السوق كبرهان على فشل االدولة كمنتج وكموزع للخدمات.

وللخصخصة عدة أبعاد منها البُعد الاقتصادي الذي -يهدف بحسب رؤية مؤيديه– إلى رفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية والبشرية وتعظيم إنتاجيتها، وذلك بتحرير السوق وعدم تدخل الدولة. أما المنظور السياسي فيتمثل في اختزال وتقييد دور الدولة ليقتصر على مجالات أساسية مثل الدفاع والأمن والعدالة أي ما يعني تنحية الدولة جانبًا فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي.

وقد حازت قضية الخصخصة من خلال توسيع أو تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي على زخم فكري كبير، إذ أن المتتبع لتطور الفكر الاقتصادي بها يجد حالة من الشدّ والجذب. فتارة تجد من يؤيدها ويسوق لها من الأهمية والمبررات، وأخرى يظهر من يعارضها ويبارزها بشتى السبل. إلا أنّ صفوة القول في هذه الجزئية، تتمثل في أن الخصخصة كانت ولا تزال مرهونة بدور الدولة وقدرتها الاقتصادية من ناحية وحالة الفكر الاقتصادي السائد من ناحيةٍ أُخرى. فمدرسة التجاريين قد أعطت وزنا كبيرًا في النشاط الاقتصادي للدولة، بينما جاءت مدرسة الطبيعيين (الفيزوقراط)، لتدعم حرية الأفراد في التصرف والحيازة والملكية. وأيدتها على هذا النحو المدرسة الكلاسيكية، ذاهبة إلى أنّ الدولة يجب أن يقتصر دورها على الدفاع والأمن والعدالة، وذلك من خلال مصطلح اليد الخفية وآلية التوزان التلقائي بعيدًا عن الدولة وتدخلاتها.

إعلان

وسارت المدرسة النيوكلاسيكية على نفس الطريق. فيما أفضت أفكار المدرسة الماركسية لتؤكد على تملك الدولة لكافة عناصر الإنتاج. ومع دخول الفكر الاقتصادي في حالة من الركود الفكري وتوالي الأزمات إلى أن حدثت أزمة الكساد الكبير “1929- 1933”. مثلت الكينزية ملاذًا أمنًا لتدخلات الدولة في النشاط الاقتصادي وإبراز دور فاعل لها عبر تدخلها من خلال أدوات السياسة المالية. وفي نفس السياق، ذهبت أفكار مدرسة شيكاغو إلى حتمية تدخل الدولة، إلا أنّ ذلك يتم عبر أدوات السياسة النقدية.

وتختلف دواعي ومبررات الخصخصة من بلدٍ لآخر ومن مجموعة بلدان لأخرى تبعًا للظروف السائدة ومستوى التطور الاقتصادي والأداء في البلد المعني. ففي البلدان الاشتراكية السابقة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان اللجوء إلى الخصخصة بالدرجة الأولى تعبيرًا عن الرغبة في التخلص وإزالة أحد أهم أسُس البناء الاشتراكي (المتثمل في الملكية العامة لوسائل الإنتاج) والانتقال من المركزية المطلقة في إدارة الاقتصاد وهيمنة الدولة الكاملة على العملية الاقتصادية إلى نظام اقتصاد السوق. وكان ذلك يعني تفكيك القطاع العام وخلق قطاع خاص بدلاً عنه.

أما في البلدان النامية ذات التوجه الرأسمالي فإنّ دواعي وأهداف تحويل القطاع العام، أو قسم منه، إلى القطاع الخاص هي السعي للتخلص من الفساد السائد في القطاع العام والخسائر المالية الناجمة عنه من جراء انخفاض مستوى الكفاءة الإنتاجية لهذه المؤسسات وعجزها عن مواكبة التقدم التكنولوجي، بحيث تحولت هذه المؤسسات إلى بؤر تستنزف الموارد الاقتصادية، وأثقلت كاهل الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى تدنّي مستوى الخدمة المقدمة من المنشآت المملوكة للقطاع العام وتدنّي مستوى الجودة والنوعية بسبب ضعف الرقابة، فضلًا عن تضاؤل قدرة الحكومة على التوسع والاستثمار. وفي البلدان الرأسمالية المتقدمة كان الدافع الأساسي لاعتماد الخصخصة منطلقًا من مقولة “أنّ الدولة ليست أفضل رب عمل”، في حين أنّ القطاع الخاص وبمرونته المعهودة وسعيه إلى الربح -الذي يشكل الحافز الرئيسي لتطوير الإنتاج- مؤهل أكثر لتأمين قدرة تنافسية أكبر للمنشآت الاقتصادية.

وفي عدد من البلدان المنتجة والمصدرة للنفط، وبفضل الفوائض المالية الكبيرة التي تكونت لديها خلال حقبة الطفرة النفطية، نشأت دولة الرعاية الاجتماعية، الأمر الذي أوجب قيام قطاع عام كبير نسبيًا ومدعوم حكوميًا شمل ميادين الإنتاج الأساسية وتقديم الخدمات المختلفة للمواطنين. إلا أنه مع بروز ظاهرة العولمة وما رافقها من تحرير التجارة وقيام المؤسسات التمويلية الدولية بالضغط لفرض برامج الخصخصة فإنّ هذه الدول واجهت جبرية تقليص دور القطاع العام وتخفيض مستوى الحماية التجارية وصولًا إلى إلغائها وخلق الظروف المواتية لقيام قطاع خاص ديناميكي وفعال. أما مؤسسات التمويل الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) فإنهما يبرران برامج الخصخصة بشكل رئيسي من خلال توفير موارد مالية لتسهيل تخفيض حجم الدين الخارجي، وكذلك الاستفادة من مشاركة رأس المال الأجنبي.

ويمكن استعراض عدد من أهداف الخصخصة على النحو التالي:

  • تحقيق الكفاءة الاقتصادية من خلال الاعتماد على آليات السوق
  • تخفيف الأعباء المالية للدولة
  • توسيع قاعدة القطاع الخاص والاعتماد عليها في عملية النمو
  • تطوير الأسواق المالية
  • محاربة البطالة وتوفير مزيد من فرص العمل.

كل هذه النقاط تصب في خانة التحول نحو الخصخصة وتطبيقها إلا أنّ هذه الرؤية المؤيدة تقابلها رؤية مغايرة مفادها أن الخصخصة داء في بيئة الدول النامية ومحصول غير قابل للاستزراع والإثمار؛ وما هي إلا وسيلة من وسائل صندوق النقد الدولي للسيطرة على اقتصادات الدول عبر فئة معينة من رجالات الأعمال المحابين لاقتصاد السوق، في ظل تغافلٍ تامّ لآثارها السلبية وغضها الطرف عن الجوانب الاجتماعية ومراعاة العمال.

ويسوق البعض هنا عددًا من الحجج التي تؤكد أنّ الخصخصة دواء غير ذي فائدة ينتج عنه عدد من النقاط السلبية أهمها ما يلي:

  • أنها أحد وسائل تواطؤ السلطة برأس المال عبر محاباة رجال الأعمال وبيع الشركات لهم بأثمان لا تمتّ بصلة لمكانة الشركات وقيمتها المالية.
  • تسريح العمّال وما ينتج عنه من مشكلات تتعلق بحقوقهم المادية أو المعنوية.
  • ضياع مورد أو منتج كان بحوزة الدولة ليصبح بحوزة القطاع الخاص الباحث عن الربح، مما يعني ضياع الاعتبار الاقتصادي والزجّ بالعمال في براثن البطالة والإقصاء الاجتماعي.
  • كذلك فإنّ خصخصة شركات الدولة تؤدي إلى بيع الموجودات الوطنية إلى شركات أجنبية، يُنظر إليه أنه زيادة للتدخل والتأثير الأجنبي في الاقتصاد.

كما يذهب أنصار هذا الطرح إلى أنّ الخصخصة سياسة أو برنامج سيئ السمعة، وقد رأى البعض أنّ فكرة طرح الخصخصة في حد ذاتها مثل طرح شابَهُ العديد من المغالطات، نظرًا لأن عملية الإصلاح نفسها قامت على مسار واحد يحمل بين طياته عملية تصفية حسابات سياسية واقتصادية. فبمجرد الإعلان عن الخصخصة، تظهر في الأفق فئة تهاجم القطاع العام وتصفة “بالخطيئة الأولى” متجهين إلى أن إدارة الدولة للمشروعات تمثّل هدرًا للإمكانية ولقدرات هذه الشركات، كما حدث في أزمنة سابقة.

ومع تعدد الأساليب التي استخدمت في إدارة عملية الخصخصة في البلدان النامية برزت عدة نقاط تتعلق بالمقارنة بين كلفة إعادة تهيئة التي تطرح للخصخة وبين ثمن البيع المنتظر، وهل تتم عملية التقييم بالقيمة الدفترة أم بالقيمة الحالية (أو السوقية)، وكذلك عملية وإجراءات البيع، وكيف يمكن أن تدار الأموال المجلوبة من الخصخصة. كلّ هذه الأسئلة ظلت تبحث عن أجوبة وقد اختلفت من تجربة لأخرى ومن حالة دولة إلى حالة أخرى وكذلك من وقت لآخر داخل الدولة الواحدة. إلا أنّ المستقرّ لدى ذهن الباحث أن الخصخصة ليست هي الحل السحري الذي بمجرد أن نطبّقه ستنحل كل المشكلات الاقتصادية التي يعانيها اقتصاداتنا النامية، وإن كانت أحد الحلول الممكنة التي تحتاجها كي تؤتي ثمارها لإجراءات منضبطة وعملية تقييمية تتمتع بشفافية ونزاهة عالية قد لا تتوفر في كثير من البلدان.

وعلى ضوء أنّ الخصخصة تمثل الوصفة الأكثر استحبابًا لدى صندوق النقد الدولي، فإنه إذا كان الألم واحد فإن المرضى كثر وحالة أحدهم قد تختلف كليًا أو جزئيًا عن حالة آخر. بما يعني أنّ “روشتة” علاجٍ واحدة لكافّة البلدان ربما لا تحمل نفس الكفاءة والفاعلية. والخصخصة وفق منهج صندوق النقد ربما تكون تقليعة أو موضة على الجميع أن يرتديها.

وخلاصة القول في هذه الجزئية، أنّ الخصخصة التي تصلح في مكان ربما لا تكون صالحة في آخر وذلك يعود لعديد من الأسباب التي أوردها الباحث أعلاه. وإن اختلفت مسميات الخصخصة فإنّ آثارها تكون واحدة على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان النامية، ما يعني أن الخصخصة سياسة بلا قلب.

خصخصة التسعينيات في مصر… غطاء قانوني مهّد لتاريخٍ من إهدار الموارد

يمارس صندوق النقد الدولي هيمنته النقدية على العالم تارة بالترغيب وأُخرى بالترهيب، ومع مزيد من الاختلالات والأزمات ذات الأطراف الخارجية، يظهر الصندوق في ثوب المنقذ، وهنا فقد دخل الاقتصاد المصري في تطبيق شروطه بحاذفيرها دون التطرق لمدى مُلائمة هذه المشروطيات لواقع الاقتصاد المصري من عدمه. وكان من بين هذه الشروط خصخصة القطاع العام. وهو أمر ليس بجديد على أذهان صانعي السياسة الاقتصادية والمفكرين في مصر، إذ أنه خلال الفترة (1991-2008) قامت الحكومة المصرية بتنفيذ برنامج الخصخصة، بدعوى أن إدارة الدولة لشركاتها ليست على المستوى المطلوب من حيث الكفاءة الاقتصادية، في ظل التأكيد على فكرة الإدراة السيئة وهدر الموارد أحياناً وضياعها في أحيان أخرى في ظل إدراة الدولة.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

تعليقات
جاري التحميل...