تأخذك إلى أعماق الفكر

أين وصلنا في استكشاف الفضاء وإلى أين نتوجه؟

في هذا المقال نقدم لكم عدة أسئلة وأجوبة حول مجال استكشاف الفضاء الذي بدأ في القرن العشرين ولا يزال مستمرًا حتى اليوم..

1- من سافر إلى الفضاء؟

السفر إلى الفضاء واحد من المهن الجليلة. وأول رائد فضاء في الإنسانية هو السوفياتي يوري غاغارين الذي دار حول العالم في 12 أبريل 1961 -قبل أكثر من نصف قرن-، عندما كانت بريطانيا قوة استعمارية، في حين كان الناس لايزالون يستخدمون الـ halfpennies (الفلس الإنكليزي) لشراء الأسماك والسفن!

ومنذ ذلك الحين، انطلق أكثر من 550 شخصًا نحو تلك الهاوية السوداء! رغم عدم وجود رقم رسمي لعددهم. عشرون فقط من هؤلاء الرواد كانوا من النساء، ويرجع ذلك إلى سياسات التمييز الجنسي التي كانت تتبعها وكالة ناسا ووكالة الفضاء الروسية روسكوزموس.

يوري غاغارين

2- أين وصلنا في الفضاء؟

انطلق الاتحاد السوفياتي قدمًا في أول مسير فضائي، لكن إعلان الرئيس الأمريكي جون كنيدي أن أمريكا ستكون أول من يخطو على سطح القمر بنهاية الستينيات، جعل سباق الفضاء مركّزًا على هذا الهدف.. حتى جاءت رحلة أبولو 11 في أول زيارة إلى تربة جارنا الرمادي في 20 يوليو 1969.

إعلان

وقد سار ما مجموعُه 12 رجلًا على سطح القمر خلال السنوات القليلة التالية، جميعهم أمريكيون، لكن لم يعد أحد إلى هناك منذ عام 1972.. بل وفي الواقع، لم يترك أي شخص أطراف “هالة” الأرض منذ ذلك الحين.

فنحن نتخيل رواد فضاء عائمين في الفضاء الحر أو يرتدّون في فوهات القمر، لكن أغلبية هؤلاء المحظوظين يدورون في مدار منخفض حول الأرض -ما بين 99 إلى بضعة مئات من الأميال-، وهذا هو المكان الذي تسبح فيه مجموعة واسعة من أقمار الاتصالات والملاحة، والتي تسير بسرعة آلاف الكيلومترات في الساعة لتجنب الهبوط إلى الأرض.

3- ماذا نفعل هناك؟

على الرغم من أننا لم نعد إلى الفضاء السحيق منذ القرن الماضي، فقد بدأ البشر في العيش والعمل خارج الغلاف الجوي للأرض، وغالبًا ما يجرون تجارب على أنفسهم لتحديد آثار انعدام الوزن أو الجاذبية الصفرية على جسم الإنسان.

بحلول عام 1986، أطلق الاتحاد السوفيتي محطة الفضاء “مير”، لكنها سرعان ما سقطت على الأرض (لحسن الحظ لم تكن مأهولة) واحترقت، ثم أطلق مركزنا الفضائي الحالي -محطة الفضاء الدولية (ISS)- منذ عام 2000، والآن يعيش البشر في الفضاء باستمرار.. وهناك ثلاثة فقط حاليًا فيها، وتدور المحطة حول الأرض مرة كل 90 دقيقة.

4- ماذا يحدث للأجسام في الفضاء؟

الكثير!! وإلى أن نفهم بشكل صحيح كيف يؤثر انعدام الوزن على البشر، لن نتمكن من إرسال رواد فضاء خلال هذا العصر إلى أماكن مثل المريخ أو الكويكبات المتجولة حولنا.

سكوت كيلي، وهو طيار مقاتل سابق في الولايات المتحدة ورائد فضاء من وكالة ناسا، قضى عامًا بأكمله وهو يجري تجارب القفز في الكبسولات الضيقة لمحطة الفضاء الدولية، في محاولته لفهم التأثير طويل المدى لرحلة الفضاء.

ورغم أنه لم يسجل الرقم القياسي في البقاء لأطول فترة دون جاذبية -ذلك الرقم الذي سجّله بادالكا، الذي قضى عامين ونصف من حياته هناك خلال عدة بعثات-، إلا أنّ تجربة كيلي كانت لها ميزة طبيعية على تجارب الآخرين، وهي أنه يمتلك توأم .. وبمقارنة جسده مع جسد توأمه خلال مرور الوقت، تمكن العلماء من تقييم كيفية تدهور العظام والعضلات وأجزاء أخرى من الجسم في الفضاء.

ويوجد أيضًا صالة رياضية في المحطة الفضائية الدولية حيث يستطيع رواد الفضاء المحافظة على عضلاتهم من الهزال البطيء ..

وأهم المشاكل الكبيرة هي أن مشاكل العين تتطور، ولكن كيلي وجد جسده يتعافى بسرعة عند عودته، وهو الخبر السار لمهام الفضاء في المستقبل.

5- ما هي الدول التي لديها برامج فضائية؟

هناك ثلاثة بلدان فقط لديها برامج فضائية بشرية، وهي الصين وروسيا والولايات المتحدة، وذلك لأنها لا تزال باهظة الثمن.

مع ذلك، فقد وفرت الدول مصاعد (محطات إطلاق) للسفر إلى الفضاء من 40 بلدًا.

6-كم يكلف إرسال الرحلات الفضائية؟

فلكيًا، إن محطة الفضاء الدولية هي أغلى ما يتم بناؤه على الإطلاق؛ بسعر 150 مليار دولار!

برنامج المكوك الفضائي التابع لناسا، والذي بدأ في أوائل السبعينيات من القرن الماضي من خلال الحصول على وصول آمن وبأسعار معقولة إلى الفضاء، كان يُؤمل أن يكلف بضع عشرات الملايين من الدولارات لكل إطلاق، ولكن عندما أُلقيَ المكوك في ساحة الخردة في عام 2011، قدرت الوكالة التكلفة الإجمالية بمبلغ 209 مليار دولار، ما يقرب من 1.6 مليار دولار لكل رحلة!

في أعقاب المعركة الكبيرة على المكوك -التي بدت فكرة رائعة ولكن محصورة في مدار الأرض، فضلًا عن كونها تكلف ثروة- فقد اتخذت الولايات المتحدة مقعدًا جانبيًا في عمليات الإطلاق.

وترسل الآن وكالة الفضاء الروسية معظم رواد الفضاء الذين يشترون الرحلات ذهابًا وإيابًا على متن مركبتها الفضائية سويوز مقابل ما بين 21 و82 مليون دولار!

 

7- هل الرحلة الفضائية البشرية تستحق هذه التكاليف؟

إن أي شخص يشارك في السفر إلى الفضاء سيسخر من هذا الأمر، ولكنه سؤال جيد.

استفاد كل قطاعٍ بشري تقريبًا من إرسال الناس إلى الفضاء، إذْ حرضت هذه العملية العلماء على ابتكار أنظمة جديدة.. كان الكمبيوتر التوجيهي “أبولو” سابقًا للحاسوب المصغر، وهو الموجود الآن في جميع الهواتف الذكية، حتى أنّ الملابس الأكثر مقاومة للحريق اختُرعت بسبب الأبحاث على حرائق الفضاء، وكما أدى الرصد عن بعد لصحة رواد الفضاء إلى اكتشاف أنظمة ثورية لمساعدة المرضى على الأرض.

يقول آخرون إن الدفع مقابل رحلات الطيران البشرية يضخ الأموال في الاقتصاد، إذ أن الشركات المنبثقة عن مشاريع الفضاء وصناعة الفضاء التجارية المتنامية تنتج ما بين سبعة إلى 14 ضعفًا من تكلفة البعثات.

بالطبع ناسا هي اللاعب العالمي الأهم والتي ينفق عليها حوالي 19 مليار دولار من قبل حكومة الولايات المتحدة، أي ما يقرب من نصف في المئة من جميع النفقات الاتحادية.

8- ما مدى قوة التعاون الفضائي بين الدول؟

كان سباق الفضاء الأول جزءًا من معارك الحرب الباردة، ولكن منذ ذلك الحين أصبح استكشاف الفضاء البشري رابطًا للبلدان التي تعمل معًا.

تعد ISS تعاونًا كبيرًا بين وكالات الفضاء الخمس (Nasa وRoscosmos وJaxa اليابانية ووكالة ESA الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية) وتم إنشاؤها على مدار 13 عامًا منذ عام 1998..

ومن بين الاستثناءات الكبيرة في هذا الأمر، الصين.. التي قطعت رحلتها بمفردها ولم ترسل رائد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية.. في عام 2006، أفادت تقارير أن بكّين اختبرت أشعة الليزر ضد الأقمار الصناعية الأمريكية في ما بدا أنه محاولة لإعمائها أو الإضرار بها، وحظر المشرعون الأمريكيون فيما بعد التعاون بين وكالة ناسا ووكالة الدولة الصينية.

ومع ذلك، فمن المرجح أن مستقبل أي رحلة فضائية بشرية فعالة سيكون تعاونيًا وليس فرديًا. منذ عام 2011، حاولت وكالات الفضاء الوطنية في 14 دولة تنسيق أحلامها في رؤية واحدة، وقالت أحدث خطة نشرت في يناير من هذا العام 2018، أنها وافقت على “توسيع الوجود البشري في النظام الشمسي مع سطح المريخ كهدف قيادة مشترك”.

9- نحن جيران للكوكب الأحمر؟ مرحى!

لا تبدأ العد التنازلي بعد، فللوصول إلى المريخ يشعر معظم الناس في (مجتمع طيران الفضاء البشري) أننا بحاجة إلى العودة أولًا إلى القمر.. يقول إيان كروفورد، أستاذ علوم الكواكب والأحياء الفلكية في بيركبيك: “إنها الخطوة المنطقية الوحيدة، أنا أؤيد بالتأكيد إرسال أشخاص إلى كوكب المريخ، لكن تنقصنا التكنولوجيا والكفاءة والخبرة. أعتقد أنه حلم لا يزال بعيد المنال”.

لدى القمر العديد من المزايا.. إنه على بعد ثلاثة أيام فقط بدلًا من رحلة ذهاب وإياب لعدة أشهر إلى المريخ. ويستطيع العلماء من مختبرهم السماوي دراسة تأثير التعرض للإشعاع وقلة الوزن على الجسم على مسافة أقرب إلى الأرض، لكنهم لا يزالون داخل الفضاء البعيد، بينما يستعدون جميعًا للقيام برحلات أبعد من ذلك.

10- إذًا نحو القمر؟!

حسنًا، ليس تمامًا! تقترح خارطة طريق الاستكشاف العالمي أولًا بناء محطة فضائية كقاعدة مدارية ترسل منها رواد الفضاء ذهابًا وإيابًا إلى القمر. سيبدو هذا مشابهًا لمحطة الفضاء الدولية، إلا أنه بدلًا من الاندفاع حول الأرض، فإنها ستدور حول القمر.

11-هل سنصل إلى المريخ؟

إنه عمل خطير، وسيكون من الحكمة أن نتوقع التأخير … يقول هنري هيرتزفيلد -مدير معهد سياسات الفضاء بجامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة، ومحلل سياسي سابق-: “أين سنذهب في الفضاء يقرره مزيج من ما يرغب الناس في فعله ومن واقع الوقت والميزانيات”.

كانت فكرة إرسال الناس إلى المريخ موجودة في ناسا منذ فترة طويلة، وإذا كنت تقرأ السياسات، فمن الواضح أنها رؤية طويلة الأجل دون تاريخ، لكننا ما زلنا نفتقر إلى التكنولوجيا اللازمة لإبقاء الناس فترة طويلة في الفضاء البعيد.

فريق الإعداد

إعداد: بشار منصور

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...