تأخذك إلى أعماق الفكر

أن تنظر للهاوية.. وتضحك!

الحق أقول لكم، إن الحياة معاناة وألم، ولم تكن أبدًا غير ذلك. ففي كل زاوية ومدقّ ما ينغص راحتك، وفي كل فترة من حياتك جهد مهول لتتجنب المعاناة إن استطعت. من هنا، ليس لك إلا البكاء والنحيب مع الجهد حتى تموت، أو أن تضحك في وجه المعاناة ساخرًا، وأن تطمئن دون داعٍ أو مبرر، وألا تأخذ الأمر بجدية

ماركوس أورليوس

يستحوذ القول بالتعامل مع الحياة بحالة جدية عابسة على الكثيرين: نحن بالتأكيد كائنات شريرة تجني على الغير معاناة هائلة باستمرار، لا تعرف وحشيتنا وطمعنا أي حدود، عقولنا متقلبة وخارج سيطرتنا، ولا أحد يمر بالوجود دون أذى، وكل يوم سيء حتى يحدث في النهاية أسوأ ما يمكن. الوحيدون القادرون على الابتسام وسط عرض الرعب هذا هم من ما يزالون بريئين، أو المخدوعون بشدة.

على الرغم من ذلك، فإن أحد أغرب الاستنتاجات التي نصل إليها، بعد أن نكتفي من كل أنواع الفظاعة، هو أنه قد يكون هناك طريقة ما لنعيش خالين البال وسط الكوارث، ليس لأننا لا نعرف عن الألم غير المبرر والأخطاء البائسة والاضطرابات في كل شيء، بل لأننا نعرف! لأننا نعرف كل ذلك جيدًا واكتفينا من اجترار اليأس. وقفة متحدية ضد الصعوبات التي تكتسب طاقتها من الحديث عنها والمعرفة الكاملة بها.

هذه هي الضحكة التي تأتي ليس عندما لم يبكِ الإنسان أبدًا، بل عندما يكون الإنسان قد بكى لسنوات، عندما يكون كل أمل حلو قد دُهس، عندما يكون الإنسان قد ارتكب أخطاء جسيمة ودفع ثمنها أضعافًا، وعندما يقرر الإنسان أن ينهي الأمر تمامًا، ولكنه قرر في اللحظة الأخيرة أن يستمر، ليس لأي شيء يتوقعه من نفسه، ليس لأنه يتمسك بأي اعتقاد في مستوى حياة جيدة، ولكن لأن الإنسان –وسط عرض السوء هذا- لا يمكنه إلا أن يلاحظ أن السماء زرقاء مبهجة، وأن هناك قطعة موسيقية لباخ لم يسمعها بعد، وأن هناك طفل يتمسك بيد أمه ويسألها كيف ينام البط ليلًا. لذا وعلى الرغم من كل شيء، من الوحدة والخجل والفضيحة وكراهية الذات واليقين بأن الألم لم ينتهي بعد، يستدير الإنسان نحو الضوء وينطق بكلمة “نعم” ثائرة وعنيدة للكون (وهو الذي لن يهتم بدوره).

يحاول البعض بحسن نية أحيانًا تشجيع الناس على الابتهاج من خلال إخبارهم أنهم جميلون، أنهم يستحقون كل الخير، أن هناك شيئًا ما إلهيًا بداخلهم. الشكر لهذه الجهود، ولكن للباقين منا قد يكون هناك طريقة أخرى والتي لا تعتمد على المهدئات العاطفية، بل على التحديق في الظلام ورفض أن يرعبنا ذلك. قد نبني أنفسنا بأن نقبل بأناقة أننا، طبيعيًا ودون نقاش، حمقى للغاية، أن الآخرين بشعون، وأن الأمور لا تسير على ما يرام إلا نادرًا.. ولكننا سنستمر على أي حال. سنصبح البشر الذين يفهمون أن ترتيب الكراسي على سطح تيتانيك لم يكن إضاعة للوقت، بسبب الصورة الحسنة التي ستظهر بها الفرقة الموسيقية، وبسبب الوقت القليل المتبقي قبل أن تبدأ المياه الجليدية بالصعود إلى سراويل العازفين السوداء، وبسبب كم كان الأمر ضروريًا بأن تنطلق هذه النغمات المرحة الأخيرة مدوية في صفاء الليل القطبي ذاك.

لا تقف السذاجة وراء نمط خلو البال هذا، بل يأتي خلو البال من توثيق كل نوع من البؤس، ثم تخطيه. يمكننا ملاحظة المميز في هذا النهج من خلال مقارنة تحفتين فنيتين، واحدة لفالاسكويز رسمها في 1632، مصورًا اللحظة الأكثر همًّا وكئابة في تاريخ المسيحية، والأخرى لمونتي بيثون في 1979، مصورًا صلب شخص عادي بإصرار شديد على ألا يتحسر على قدره.

إعلان

فالاسكويز تراجيدي قديم، ولكن أغنية النهاية لمونتي بيثون تتناول قضية الموت على صليب بتبجح وتمثلها من زاوية الضحك: “إن الحياة بشعة إذا ما تأملت فيها”. بدلًا من إغراقنا أكثر في مشاعر الحزن، تزخر الحالة بالسخرية وتلتزم لأبعد حد برفض الكآبة حتى عند الموت:”انظر دائمًا للجانب المضئ من الحياة.. اثنِ شفتيك وصفّر”.

تصرّ استراتيجية الممانعة هذه على مواجهة الكآبة، ومن ثم إحكام السيطرة عليها من خلال جفاف لاذع. في العصور الوسطى، ظهرت عادة للمحكوم عليهم بالإعدام أن يستديروا للجمهور ويقولوا فكاهة عن حالتهم. معلقًا على دعابة المُساقين للمقصلة، حكى فرويد عن رجل قادوه عند الفجر إلى المقصلة فقال: “حسنا، هذه بداية جيدة لليوم لا شك”. أرستقراطي آخر في الثورة الفرنسية وفي طريقه لقطع رقبته، نظر إلى المقصلة وأجزائها المعقدة وقال: “هل أنتم متأكدون أنها آمنة؟” بدلًا من أن يستسلم لنظرات العامة من الجانبين وهو يحدق في الحقيقة، أصرّ الفكاهي المساق إلى الموت على أنه لن يصمت في وجه الحقيقة. لقد شمروا عن أذرعهم، وأمسكوا بالواقع في عناد، ثم أزالوا إبرة السمّ من خلال الفكاهة.

يبدأ خلو البال الفعليّ مع قبول الإنسان لانعدام أهميته تمامًا في الكون: لا شيء فعلناه أو قلناه أو فكرنا به مهم بأي صورة. إنها خرافات الأنا الهائلة التي تعطينا انطباعًا أننا مهمون، ثم تعذبنا لأننا لسنا مهمين كفاية. علاوة على ذلك، لن يفهمنا أحد كفاية أو يحبنا كما ينبغي أبدًا، وهذه ليست لعنة شخصية، بل حقيقة حديدية من حقائق الطبيعة، والتي سنصبح أفضل حالًا إذا ما توقفنا عن مقاومتها وعن الشعور بالخذلان لها. كل شيء نريده إما لن يحدث أو لن يكون مرضيًا كفاية عندما يحدث. علينا أن نتوقف عن البكاء كما لو كان لأي من ذلك أهمية أو كما لو كان هناك طريقة أفضل. علينا أن نشفق على أنفسنا ونسلك طريقًا آخر. لا تبدو الأشياء معقولة أبدًا. لذا دعنا نفاجئ أنفسنا بضحكات غير مسؤولة، من النوع الذي قد يستغرق عمرًا كاملًا لنتقنه.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.