تأخذك إلى أعماق الفكر

أصدقاء عشتَ معهم منذ زمن: البكتيريا

فلنبدأ بمفاجأة جميلة عن البكتيريا : عدد الخلايا البكتيرية في جسمك أكثر من عدد خلاياك بعشر مرات، يعني يمكنك تخيل أن كل خلية بجسمك تقابلها عشرة خلايا بكتيرية.

ربما تثير انتباهنا صورة المقال و عنوانه، وهل هناك توافق؟ خصوصًا أن الصورة تظهر عدوًّا قام بإرعاب الأطباء والعلماء منذ أزمنة، بسبب الأمراض التي يسببها وقدرته التي ينميها من أجل مواجهة أسلحة العلماء.
لكن هذا المقال سيبين لنا البكتيريا المسالمة والتي قد تخالف الأنواع المؤذية، لأنه وجب علينا إدراك أن هذه الكائنات الحية المجهرية تتفرع لعدة أنواع، والكثير منها ضار لجسمنا و صحتنا في ظروف معينة بينما أنواع أخرى مسالمة بل سنرى أننا نحتاجها كي نواصل العيش، كما لا يمكن أبدًا تجنب الاتصال معها، فهي الكائنات الأكثر تواجدًا بالكوكب الأزرق، وهذا يوضح أهميتها، حيث أنها في تفاعل دائم مع كل الكائنات الموجودة بالأرض، لأنها تعد ضرورية لهضم الأغذية عند الكثير من الحيوانات، و تساعد الأشجار على النمو، كما أن لها دورًا ضخمًا في تكملة دورة المواد المغذية.

البكتيريا التي ترافقك منذ أيامك الأولى لدخولك إلى هذا العالم:

تعد البكتيريا Bifidobacterium longum من الكائنات الحية الأولى التي سكنت جسمك، أي أنها رافقتك منذ بداياتك، حيث تم اكتشاف تواجدها عند الأطفال الرضع وحديثي الولادة، و يرجح أنها تنتقل من الأم إلى الجنين أثناء مرحلة الحمل، كما تنتقل إلى الرضيع عن طريق حليب الأم.

وهي تعيش في جهازك الهضمي منذ ذلك الوقت، ومن بين التفاعلات المهمة التي تقوم بها تخمير الكاربوهيدرات إلى حمض لاكتيك.

إعلان

تواجُد هذه البكتيريا أو هذا الكائن الصديق القاطن بأمعائك الآن جعلك تستفيد من مزايا عدة يقدمها لك، حيث يسهل تحلل الأغذية و يزيد من امتصاصها وذلك بتنظيم حركة الأمعاء، مما يجعل الجهاز الهضمي في توازن، كما أن إنتاجها المستمر لحمض اللاكتيك وبيروكسيد الهيدروجين يقوم بكبح تطور تأثيرات المسببات المرضية التي قد تصيبك سواء عن طريق التنفس أو الجروح أو غيرها، وتمنع هذه المسببات من أن تصبح أكثر خطورة.

وقد يكون أحد منا الآن يعاني من حساسية المواد اللبنية، أو بمعنى أسهل، هل تشعر بألم في بطنك أو إسهال عندما تشرب حليبًا؟  هذا الأمر ناتج عن مركب متواجد بكثرة في هذه المنتجات، إنه مركب اللاكتوز.
فهذه الآلام والأعراض توضح أن الجسم غير قادر على تقبل هذا المركب.


لكن هذه البكتيريا المتدخلة في توازن جهازك الهضمي لها تأثير إيجابي عليك، فكما ذكرنا أن من بين تفاعلاتها المهمة تخمير الكاربوهيدرات إلى حمض اللاكتيك. ولحسن الحظ، ينتمي اللاكتوز للمجموعة المتفاعلة التي يمكن لهذه الباكتيريا أن تحللها، إضافة إلى أنّ أخذ هذه البكتيريا كمكمّل غذائي يساعد على تخفيض الآلام الناتجة عن تناول المركب المتهم، بل قد يصل الأمر إلى تناول المنتجات اللبنية بانتظام دون حدوث أي مشاكل. ومن جهة أخرى، لو كنت متأكدًا من أنك تعاني حساسية ضد اللاكتوز، ورغم ذلك لا تعاني من أية أعراض أثناء تناول المنتجات اللبنية

فهذا بسبب احتمالين:

  1. أن المنتج الذي تناولته ليس به لاكتوز، وهذا أمر مستبعد،
  2. والاحتمال الثاني، إضافة هذه الباكتيريا إلى المواد اللبنية، وهذا ما يحدث حقًا، لأن هذا يعتبر من الحلول لمواجهة هذا النوع من الحساسية الغذائية.

لا تتوقف منافع أو التدخلات الإيجابية عند هذا الحد فقط، فنحن نعلم أن هناك محورًا يسمى”دماغ= جهاز هضمي” حيث اكتشف هذا المحور نتيجة ملاحظة التبادلات التواصلية بينهما، وتأثير بعضهما على بعض، حيث تتسلل هذه البكتيريا لهذا المحور فتؤثر على الدماغ كي تحاول جعله في استقرار؛ فقد لوحظ تأثيرها الإيجابي على المرضى الذين يعانون مشاكل في الدماغ، كما أن الأبحاث المركزة في دراسة هذا الكائن الصديق أكدت تواجد نشاطاته العديدة في تنظيم التفاعلات الهرمونية و القلق والاكتئاب بل حتى في التقليل من نوبات الغضب، فتخيل أنك بعد مدة من أخذ هذه البكتيريا سواء المتواجدة بمكمل غذائي أو الحصول عليها من الخضروات، بدأت تشعر أنك تهدأ بسرعة نتيجة للتظاهرة البيولوجية التي قامت بها هذه البكتيريا طلبًا للهدوء.

تطول قائمة البكتيريا الصديقة للبشر كثيرًا حيث تتواجد العديد والعديد من الأنواع التي تتدخل في نظام جسمك، ولعل المفاجأة الموجودة ببداية المقال تجعلنا نركز في علاقتنا مع هذه الكائنات المجهرية، كما يجب أن تعلم أنك كنت ستعاني كثيرًا عندما تتغذى على العديد من النباتات لولا تواجد Bacteroides Thetaiotamicron، إضافة إلى أنك تحصل على كميات مهمة من الفيتامين ك الضروري للدم نتيجة لعمل Escherichia Coli داخل أمعائك.

لكن الأمر المزعج قليلًا أن هذه الأنواع تتضاءل أعدادها كثيرًا في حالات المرض أو نتيجة لتناول المضادات الحيوية التي لا تستهدف نوعا ميكروبيا بنسبة 100% بل قد تدمر العديد والعديد من مستعمرات البكتيريا النافعة أو الصديقة، وهذه من الأعراض الجانبية لهذه المضادات، لكن في بعض حالات الضرورة يكون فيها تناول هذه المضادات أولى وذلك بسبب استعمار إحدى البكتيريا الضارة، لذلك يكون الحل في البحث عن الأغذية التي تعيدها لنا.

تناول أغذية متنوعة وبشكل منتظم يساعد الجسم في استعادة العديد من الخصائص التي يفتقدها نتيجة لبعض الأزمات النفسية والمرضية، ولقد رأينا في هذا المقال أن من بين خصائص الجسم الضرورية تعايشه مع الكائنات المجهرية.

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.