تأخذك إلى أعماق الفكر

التطور: العشوائية التي من حولنا

هل التطور عملية عشوائية؟ وماذا تعني كلمة "عشوائية"؟

لتتخيل معي، عزيزي القارئ، أن أحد المشرّعين الأمريكيين أو مسؤولي هيئة الطيران الأمريكية، أصدر قرارًا يوم 10 سبتمبر 2001 بزيادة الإجراءات الأمنية في المطارات والطائرات وتركيب أبواب مضادة للرصاص في طائرات كل شركات الطيران ليتم تنفيذ هذا القرار مباشرة. أغلب الظن أن شركات الطيران الأصغر كانت لتعترض على مثل هذا القرار حينها لتكاليفه الباهظة عليها، لكن هذا القرار كان كفيلًا بمنع وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا.
هذه إحدى التجارب الفكرية التي يمهد بها الكاتب نسيم نيكولاس طالب كتابه “البجعة السوداء“، الذي يتحدث فيه عن الأحداث “العشوائية” غير المتوقعة التي غيرت مجرى التاريخ.

والآن لنتخيل مرة أخرى عزيزي القارئ، لو لم تكن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية قد وقعت، كيف تتوقع أن يكون حال الشرق الأوسط بل والعالم أجمع؟ لا بد أنه سيختلف كثيرًا، فالحادي عشر من سبتمبر لم تؤثر فقط على السياسة والحروب والإعلام، بل إن لها صدىً كبيرًا في نطاق ظاهرة “الإلحاد الجديد” أيضًا على سبيل المثال.

ما نود لفت النظر إليه: هل كان في مخيلة أي إنسان يوم 10 سبتمبر2001، أنه في اليوم التالي ستقع تلك العمليات الإرهابية؟ وهل كان بإمكان أحدهم بعدها مباشرة أن يقدم لنا تصورًا لما ستتركه تلك العمليات من أثر على صعيد السياسة والاقتصاد والدين والإعلام وغيرها؟ أم أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت غير متوقعة، وكانت نتائجها غير متوقعة أيضًا -وغير حتمية، إن جاز لي التعبير؟

يصف نسيم طالب أحداثًا مثل الحادي عشر من سبتمبر بالأحداث الناشزة [Outliers]، ويشرحها في نظريته (نظرية البجعة السوداء) بأن تلك الأحداث لها 3 صفات: الحدث يكون غير متوقعًا للمتابع، يكون له تأثير كبير، وبعد وقوعه يتم التعامل معه كأنه كان يمكن التنبؤ به.. بتأثير الإدراك المتأخر Hindsight bias). كما أفهم نظرية نسيم طالب، فتلك الأحداث يتم التعامل معها بنظرة رجعية على أنها منطقية وكان يمكن التنبؤ بها، مبني لأنها في الأساس نابعة من مؤثرات وقواعدٍ ما، وليست اعتباطية تمامًا، بل إن هناك ما يقف وراءها -حسب قانون السببية-.

فالحادي عشر من سبتمبر لم تكن متوقعة –بالنسبة لنا كمتابعين على الأقل-، لكن هذا لا يعني أن الطائرات انحرفت عن مسارها بقدرة خارقة أو أن المسلحين ظهروا من العدم فجأة لينفذوا تلك العمليات. بل كانت الخلفيات الفكرية والاجتماعية والدينية لأولئك الأفراد بالإضافة إلى تاريخ أمريكا مع الشرق الأوسط –مثلًا- وعوامل مثل أنظمة الأمن في المطارات والطائرات، كان كل ذلك عوامل تراكمت لتؤدي في النهاية إلى تلك الأحداث التي غيرت وجه العالم؛ ويمكنك أن تقيس على ذلك الكثير من الأحداث التي يتناولها المختصون بالتحليل بعدما تقع، لكن نادرًا ما تجد شخصًا يتنبؤ بها قبل وقوعها (وحتى إن حاول منع وقوعها سيكون من الصعب عليه تبرير موقفه، وهذه هي فكرة الكاتب الأساسية).. أحداث مثل أزمة 2008 المالية وانتحار محمد البوعزيزي واغتيال أرشدوق النمسا عام 1914 يمكننا تصنيفها كبجع أسود، أحدثت تأثير فراشة على مستوى العالم كله، لكنها لم تكن متوقعة بالنسبة لنا.

إعلان

إن أحد أهم صفات حوادث “البجع الأسود”، هي أن تأثيرها لا يكون بالضرورة مخططًا له مسبقًا. لنرجع لأحداث الحادي عشر من سبتمبر: هل كان تنظيم القاعدة يهدف إلى ظهور ونمو ظاهرة الإلحاد الجديد بهذه العمليات؟

هل كان يعتقد مؤسسو موقع فيسبوك أن موقعهم هذا -بالإضافة لباقي مواقع التواصل- سيكون ثورة في مجال التواصل ومحركًا أساسيًا لحركات الاحتجاج التي هزت العالم منذ 2011 كحركة احتلوا وول ستريت مثلًا، أو الربيعِ العربي، الذي نشأ عنه -تباعًا- موجة لجوء إلى أوروبا قد تغير تركيبها السكانيّ؟!

قطعًا لا! لكن تلك الأحداث غير المتوقعة -أو، لنكن واضحين الآن، العشوائية بالنسبة لنا كمتابعين- تفاعلت مع عواملٍ اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية كثيرة، فأدت تلك العوامل لظهور مثل هذه الأحداث بالتبعية.

عودة بالزمن

لنرجع الآن بالزمن 60 مليون عامًا للماضي، حيث كانت الديناصورات تجول وتصول على هذه البسيطة. لنفترض أننا تواجدنا في تلك الحقبة وشاهدنا الديناصورات تسود العالم (مع الاعتذار للمؤمنين بمعاصرة البشر للديناصورات، فهذا مجرد افتراض للتوضيح)، هل كنا نستطيع توقع أن يأتي نيزكٌ ما ليرتطم بالأرض، ثم تنقرض من بعده تلك الديناصورات العظيمة؟ أم أن ذلك الحدث كان غير متوقع (صدفة، إن جاز لي التعبير أيضًا) بالنسبة لنا كمشاهدين؟ هل كان من الضروري -بالنسبة لنا- أن يسقط ذلك النيزك في مكانه بالتحديد ليؤدي سقوطه بالتبعية والتسلسل إلى تدهور الجو على الأرض ومن ثم انقراض الديناصورات؟

لنرجع بالزمن أكثر وأكثر هذه المرة، قبل انفصال بانجيا، ولنفترض أني وإيّاك -عزيزي القارئ- وُجدنا منذ 300 مليون سنة. هل كان بإمكاننا التنبؤ والتوقع بأن هذه القارة العملاقة –وهي ليست الوحيدة من نوعها بالمناسبة في تاريخ كوكب الأرض-، هل كنا سنستطيع تحديد كيف ستنفصل وإلى أي موقع بالضبط ستكون أجزاؤها بعد 300 مليون سنة؟ هل كان من الضروري أن تقع أستراليا في أقصى جنوب شرق الخريطة، بينما تتربع الجزيرة العربية في منتصفها، وتتحرك الهند من شرق إفريقيا لترتطم بجنوب آسيا؟ أم أن تلك التحركات كانت عشوائية بالنسبة لنا كمشاهدين، ومحكومة فقط بتحركات طبقات الأرض وعواملها الجيولوجية والفيزيائية؟

لنعد الآن إلى الماضي القريب، منذ 200 سنة، لنقابل الجد الأكبر لباراك أوباما مثًلا، أو لأسامة بن لادن، أو للشيخ محمد الغزالي. هل يمكنك –بحساباتك البشرية المادية- أن تتنبأ أن ذرية هذا الرجل ستنجو كلها إلى مرحلة التزاوج؟ هل كان محتمًا –بحساباتنا البشرية الصرفة- أن أبناء هذا الرجل وأحفاده سيتمكنون من الإنجاب وسيكون من ذريتهم فلان أو علان؟ لننظر للموضوع من زاوية أخرى، هل كان ظهور فلان أو علان  من الناس حتمية تاريخية.. بمقاييسنا نحن كبشر وبقدرتنا على الرصد والتنبؤ؟

تذكروا معي هذه الأمثلة، فسأعود لها بعد قليل!

ماذا تعني عشوائية؟

«سينتهي ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض إذا اُتفق على المصطلحات»، لهذا علينا أن نسأل: ماذا يعني القول بأن التطور عملية عشوائية؟

العشوائية في العلم تعني ببساطة عدم القدرة على التنبؤ بنتيجة ظاهرةٍ ما، لأن حدوث هذه الظاهرة ليس محكومًا بالضرورة بما حدث في الماضي. ولا أعتقد أن هناك عالم أحياء يختلف مع هذا المعنى في العموم. بهذا التعريف فإن مفهوم “العشوائية” يتطابق مع مفهوم “البجعة السوداء” الذي قدمناه في بداية هذا المقال.. بمعنى أننا –كبشر- وباقي الكائنات، في موقع المتابع والمشاهد، لا يمكننا التنبؤ بمسار الحياة والطبيعة وبالتالي مسار التطور.[1]

التطور عملية معقدة تخضع لعوامل وعمليات متداخلة كثيرة، ولضخامة هذه العملية ومؤثراتها فإن الإحاطة بكل تفاصيلها ومدخلاتها يكاد يكون مستحيلًا، ولهذا لا يمكننا التنبؤ بنتيجتها؛ وهذا ما يعرف بـنظرية الفوضى. والفوضى المقصودة تعريفها هو: أن التغيرات الأولية الطفيفة في أي نظام، تؤدي إلى فروقٍ شاسعة في النتائج (sensitive dependence on initial conditions).فعلى الرغم من أن كل عملية منفردة محكومة بنظامٍ ثابت، إلا أن تراكم الكثير من تلك العمليات يجعل حصرها والتنبؤ بها شبه مستحيل. [2]

لن تجد كتابًا علميًا يقول: أن التطور عملية عبثية ومحض صدفة، فمفهوم العشوائية في العلم لا يساوي “العبثية والصدفية” بالمفهوم الفلسفي الذي هو انعدام النظام أو انعدام الغائية أو انعدام السببية. هناك فرق بين مصطلح Random – أو contingent – وبين مصطلح العبثية absurd!

ماذا يعني هذا؟

لنأخذ مثالاً واقعيًا لشرح الفكرة:

من آليات الانتواع في الطبيعة هي الانعزال الجغرافي geographical isolation؛ حيث تنعزل مجموعةُ أفرادٍ من نوعٍ ما عن باقي أفراد النوع لسبب جغرافي، فبالتالي يحدث لهاتين الجماعتين انعزال جيني فلا تتزاوجان من بعض، وبالتالي ينعزل الحوض الجيني الخاص بكلٍ منهما، وهذا الانعزال الجيني يؤدي في النهاية إلى الانتواع وظهور أنواعٍ جديدة، لا تستطيع التزاوج فيما بينها.

الحادي عشر من سبتمبر

كمثال على ذلك، يقدر العلماء أنه منذ حوالي 3 ملايين سنة، نشأ برزخ (بنما) في أمريكا الوسطى. قبل ظهور هذا البرزخ كانت الكائنات البحرية على الناحيتين منه تعيش في نفس البيئة البحرية وتتكاثر مع بعضها البعض، لكن مع ظهور هذا البرزخ (نتيجة للعوامل الجيولوجية التي لم يمكنّا –كمتابعين- التحكم بها)، انفصلت الجمبريات التي كانت تعيش في نفس البيئة عن بعضها. وحين قام الباحثون بوضع جمبريات من الناحيتين سويًا، رفضت الكائنات التزاوج، بالرغم أنها شديدة الشبه ببعضها البعض. لقد انفصلت إلى نوعين مختلفين لا يمكنهما التكاثر مع بعضهما. (بالمناسبة، عملية الانتواع هي المرحلة الوسيطة بين التطور الصغروي والتطور الكبروي، وهي مثبتة علميًا بمئات المشاهدات، فحدوث الانتواع يلزم حدوث التطور الكبروي).

السؤال هنا: لنفترض مرة أخرى أننا تواجدنا منذ 3 ملايين سنة ونحن نرى تلك الجمبريات في نفس الموقع، هل كنا نحن –كمتابعين-  قادرين على الجزم بأن برزخ بنما سيظهر ليفصل الكائنات عن بعضها؟ أم أن ذلك الحدث كان عشوائيًا بالنسبة لنا (ولها أيضًا)؟ هل وجود هاذين النوعين بالذات من الجمبري، حتميّ الحدوث بالنسبة لنا؟ كان من الممكن أن تختلف أفراد المجموعتين، أليس كذلك؟

هل تجارب الانتواع التي يقيمها العلماء في المعامل، أو الملاحظة في الطبيعة (مثل الـring species مثلًا)، متوقعة بالنسبة للأنواع التي وقعت لها ولنا كبشر؟ أم أنها كانت بجعًا أسود بالنسبة لتلك الكائنات؟ هل كان يمكننا من 10 سنوات القول أن بعض الباحثين سيتمكنون من فصل أفرادٍ من نوعٍ معين لكي ينفصلوا إلى نوعين مختلفين وتحديد خصائص هاذين النوعين؟

الإجابة بالتأكيد: لا.. ولهذا فالتطور عملية عشوائية.

عشوائية، ولكن..!

نعم، الطفرات عشوائية، ولهذا هي لا تحدثُ حسبَ احتياجاتِ الكائن، ولهذا تنقرض الأنواع إن تغيرت ظروفها ولم تستطع أن تتأقلم. طفرات البكتيريا ضد المضادات الحيوية -مثلًا- عشوائية، لهذا قد يهلك 99% من أفراد نوع من البكتيريا لأنهم لم يتكيفوا، وينجو 1% فقط لأن الطفرة النافعة حدثت لديه، ولهذا تنقرض بعض الأنواع تمامًا إن لم تُستحدَث لديها صفاتٌ لتواجه التغيراتِ المحيطةَ بها (مع الاعتذار لمن يدعون أن التطور الصغروي مجرد “تكيفات”). الطفرات عشوائية لأن الكائن لا يتحكم فيها، ولأنها غير واعية بما يحتاجه. لو كان كل التطور الصغروي “تكيّفًا”، للزم لكل أفراد النوع النجاة والتأقلم مهما حدث!

كيف يفسر منكرو التطور حدوث طفراتٍ ضارة للكائن إذن إن لم تكن عشوائية؟ لماذا يخلق الله طفراتٍ ضارة بمنطقهم هذا؟

نعم، هناك دورٌ لما نسميه “الصدفة” في تحديد أي صفات ستنتج، وأي صفات سيتم استبقاؤها؛ لكن تلك “الصدف” التي تحدد مسار التاريخ الطبيعي هي كذلك “البجع الأسود” الذي مثّلنا له آنفًا. قل لي: هل تستطيع تحديد أي زوج من الكروموسومات سيحصل عليه ولدك؟ توزيع الكروموزومات والصفات التي حصلت أنت عليها من والديك كان يمكن أن يكون مختلفًا، أليس كذلك؟

لا عشوائية مطلقة

في دورة التطور التي أقامتها مدرسة شيخ العمود بالقاهرة، والتي تبعتها محاضرة (للرد) للدكتور هيثم طلعت، أوضح الشيخ أنس السلطان -كتعقيب على عدم ربط التطور بالإلحاد- أنه لا يصح القول أن “شوية حاجات خبطت في بعض” فنشأ لنا الكون وظهرت الحياة! سمعت هذه العبارة ثم فكرت للحظة.. هل هكذا يفهم معارضو التطور مفهوم العشوائية؟!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زياد حسنين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.