تأخذك إلى أعماق الفكر

لوحة “الذهاب إلى العمل”ـ لورنس لوري

سماءٌ رمادية امتلأت بدخان المصانع الحمراء، وحشدٌ كبير من الناس الذين لا تظهر ملامحهم، فهم يسيرون باتجاه تلك المصانع شاحبة اللون وقد أداروا ظهورهم للناظر من هذه الزاوية، أشكالهم أشبه ما تكون بـ “أعواد الثقاب” الطويلة، خالية من أي تفاصيل خاصة أو تعابير مميزة، يسيرون كما لو أن قوةً ما تُسيرهم باتجاه واحد وتدفعهم إلى حركة آلية لا يؤدونها بإرادتهم، أما الذين وصلوا منهم إلى المصانع فهم يبدون من بعيد أشبه بالخطوط، كما لو أنهم بعد بلوغ تلك الوجهة قد تماهوا فيها وفقدوا أي ملمَح يميزهم، هؤلاء جميعًا كما يشير عنوان اللوحة ذاهبون إلى العمل.

لورنس لوري

قام الرسام الإنجليزي لورنس ستيفن لوري برسم هذه اللوحة في العام 1943، وقد عُرف عنه تصويره للحياة في المدن والمناطق الصناعية في إنجلترا خاصةً في أواسط القرن العشرين، إذ أنها تُعبر عن استمرار التطور الذي كانت بدايته مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. تخلو لوحات لوري من أي تلاعب بالضوء والظلال، ويكاد يكون الطقس والأجواء السائدة في اللوحات كلها متماثلة، فالسماء رمادية اللون بفعل دخان المصانع، ويتوسط المشهد إما معامل مبنية من الطوب الأحمر أو أبنية شاحبة متراصة، ولعل المعلَم الأبرز في لوحاته هو الأشخاص الذين يرسمهم بأبعاد متشابهة، وقد أُطلِق عليهم تسمية “أعواد الثقاب” لتشابههم معها. تصور هذه اللوحة مشهدًا من شمال إنجلترا، وقد استطاع لوري أن ينقل صورة أكثر واقعية للحياة الصناعية التي سادت إنجلترا في ذلك الوقت.

يبدو هذا المشهد مألوفًا اليوم لمن يعيشون في المدن المزدحمة وخصوصًا في الصباح الباكر، عندما تزدحم الطرق بالذاهبين إلى العمل، ولعل ما يجعلنا نقف عند لوحة لوري هو أنه التقط تفصيلة عادية من الحياة اليومية وصوّرها في هذه اللوحة مع ترك انطابعه الخاص عنها، فالناس يتوجهون إلى أعمالهم كل يوم في حركة روتينية رتيبة، ولعلنا لا ننظر من حولنا ولا نفكر في النظر إلى المشهد من هذه الزاوية العليا التي تجعل كلَّ من في المشهد يتماهى بطريقة تفقده الإحساس بما يحيط به.

إن الفكرة التي يمكن أن نفهمها من النظر إلى اللوحة هو إلى أي مدى يمكن لهذا السعي الحثيث وراء العمل أن يمحو هوية الإنسان الذاتية؟ يكافح البعض للحصول على عمل، ويفني آخرون أعمارهم وحيواتهم في أعمالٍ ربما لا يحبونها ولا تُعبر عن ذواتهم، إلا أنها تبتلعهم وقد تترك لدى البعض منهم سؤالاً محيرًا: ما جدوى ما أقوم به؟ متى يمكن للإنسان أن يخرج من هذه الدائرة المقيتة التي تجعله ترسًا في عجلة، وليس إنسانًا يقوم بعملٍ مثمر يستطيع استشعار أثره والاستمتاع بما يقوم به.

إعلان

يمكننا القول أن لوري استطاع أن يقتنص الشرارة الأولى لعبودية العمل التي لا نزال نعيش آثارها حتى اليوم، والتي جعلت حيوات الناس تفقد أي قيمةٍ حقيقية لها.

إعلان

مصدر المصدر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.