لماذا ينبغي أن نقرأ الفلسفة؟

إنّ طرح السؤال: «لماذا ينبغي أن نقرأ الفلسفة؟» هو – سواء شاء المرء أم أبى – شروعٌ فعليٌّ في ممارسة الفلسفة. ويأبى هذا السؤالُ المخرجين السهلين المتاحين لكل حقلٍ معرفيٍّ آخر. فلا يمكن الإجابة عنه بالاحتكام إلى السلطة؛ إذ إنّ مهمة الفلسفة بأسرها هي مساءلة السلطة. ولا يمكن الإجابة عنه بالاحتكام إلى المنفعة وحدها؛ لأنّنا، بمجرد أن نسأل: فيمَ تفيد الفلسفة؟ نكون قد خرجنا فعليًّا من عالم الوسائل إلى عالم الغايات.
ولعلّ هذا السؤال هو أكثر الأسئلة الميتافلسفية جوهريةً وأصالةً. إنّه يمسّ صميم طبيعة الوجود الإنساني، وبنيته المعرفية، والتزاماتنا الأخلاقية. وينبغي أن نفهم أن قراءة الفلسفة لا تعني استهلاكَ سلسلةٍ من المذاهب الفلسفية التجريدية، بقدر ما تعني الانخراط في فعلٍ يُشكِّل حقَّنا في التأمل والتفكير. فهي الحقل المعرفي الوحيد الذي يُرغمنا على الانتقال من الحياة التي لم تُفحَص بأدوات العقل — تلك التي يحكمها نوم العقل وطغيان الأعراف السائدة — إلى حالةٍ من الاستقلال العقلي والصحة الروحية.
وفي عصرنا الراهن، تؤدي الفلسفة دور «الهندسة المفاهيمية» أو «السباكة». يرى سايمون بلاكبرن، في كتابه (فكِّر)، أنّه ينبغي أن نقرأ الفلسفة لنفهم المسكن الذهني الذي نقيم فيه؛ فكما يدرس المهندس بنية الأشياء المادية، يدرس الفيلسوف بنية الفكر. وتشتهر ماري ميدجلي، في كتابها (ما غاية الفلسفة؟)، بتشبيهها الفلسفة بـ**«السباكة»**؛ لأنها تخدم البنية التحتية العميقة لحياتنا، تلك المسلَّمات غير المصرَّح بها التي نأخذها مأخذ التسليم، إلى أن تفوح من تحتنا رائحةٌ نتنةٌ تضطرنا إلى اقتلاع ألواح الأرضية. إنها تضمن ألّا تتصادم معتقداتنا الغريزية، بل تُشكِّل نسقًا متناغمًا. ويلاحظ إلمر سبراغ، في كتابه (ما هي الفلسفة: مدخل موجز)، أنّ دافع الفيلسوف هو أن «يمنح معنىً لكلامٍ كان سيبدو، لولا جهده، خاليًا من أي معنى»، موضحًا مفاهيمنا عن الله، والنفس، والجوهر المادي.
ويذهب خوسيه أورتيغا إي غاسيت، في كتابه (ما هي الفلسفة؟)، إلى أننا نقرأ الفلسفة بدافع موقفٍ فطريٍّ وعفويٍّ للعقل الحي. ويُعرِّف غاسيت الفلسفة بأنها معرفة الكون، أو كلِّ ما هو كائن، وهي تستلزم بطولةً فكريةً لاصطياد الوحش البرّي في الأدغال، حيث يعيش من دون أن تُروَّض المشكلة سلفًا. وبحسب غاسيت، فإن كلَّ إنسان يبدأ وجوده في حالةٍ من الغرق في الحياة؛ أي إنه يُلقى في حياةٍ لم يخترها، ومن دون خريطةٍ تهديه، وقبل أن يكون قد مارس أيَّ تأمل. وهذه الاستعارة الأدبية وصفٌ دقيقٌ للحالة الاعتيادية للذات التي لم تبلغ بعدُ مرتبة التأمل الذاتي.
ولهذا السبب، لا يمكن، وفقًا لشروط التقليد الفلسفي نفسه، فصلُ معرفة الذات عن الحرية بوصفهما فصلين مختلفين في الحجة الداعمة للفلسفة. ويصف روجر سوليفان النصَّ الفلسفي بأنه أشبهُ بقابلةٍ تُعين على الولادة، تستخرج من القارئ حقيقةً كان يمتلكها بالفعل، ولكن بصورةٍ غير مُفصَحٍ عنها. ويصف الحركة التي يُحدثها هذا النص بأنها انتقالٌ من الظلام إلى النور؛ أي من انفعالٍ غير متأمَّل إلى فعلٍ ذاتيِّ التأمل يمكن أن نُحمَّل مسؤوليته.
إعلان
ويتضح من هذا أن التأمل ليس إضافةً إلى الحرية، بل هو شرطها الذي لا تقوم من دونه. وعبارة كانط، كما فهمها كارل ياسبرز، تُسمِّي بديل التأمل تسميةً صريحةً بأنه «القصور الذي يتحمّل المرء مسؤوليته بنفسه»؛ أي حالة القبول بأن يُوجَّه فهمُ المرء من قِبل آخر بدافع الكسل أو الخوف، لا بسبب أي عجزٍ حقيقي.
ويرى كارل ياسبرز أن الفلسفة مدرسةُ الاستقلال التي تحرّرنا من هذا القصور الذي أوقعنا أنفسنا فيه؛ أي حالة السماح لفهمنا بأن يُوجَّه من قِبل الآخرين. ونفهم من هذا أن قراءة الفلسفة هي ممارسةٌ للاستقلال العقلي، ترفض سلطةَ التقليد الذي يعجز عن الصمود أمام نور العقل. والحكمة الحقّة، كما يراها ياسبرز، ليست في امتلاك صرح الحقيقة الكامل، بقدر ما هي محاولاتُ المرء الوصولَ إليها عن طريق البحث الدائم.
ويسعفنا الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين بالمصطلح الذي يتيح لنا أن نرى ما هو على المحكّ، أخيرًا، في هذا التحوّل. ويرى أغامبين أن قراءة الفلسفة والتفكير فيها تجعل المرءَ يصبح مؤلفًا مؤثِّرًا (auctor)، وهو مصطلح في الاستعمال اللاتيني القديم يتجاوز مفهوم المؤلف (author). فهو ليس بالضرورة الشخص الذي يؤلِّف النص، وإنما الشخص الذي يمنح فعلًا، أو قولًا، أو قرارًا، نوعًا من الشرعية والسلطة.
والحرية، بحسب هذه القراءة، ليست في المقام الأول غيابَ القيد الخارجي، بل هي بلوغُ القدرة على أن يُجيب المرء عن نفسه. وتلتقي مارثا نوسباوم مع أغامبين في هذه النقطة، غير أنها تستخدم اصطلاحاتٍ أقرب إلى علم النفس السريري. إذ ترى أن قراءة الفلسفة مِرانٌ على الفحص الذاتي السقراطي؛ أي مساءلة سؤال «ما هو؟»، الذي يدين به كلُّ فرد، لا الفيلسوف المحترف وحده، لشكل حياته الخاصة. وتتيح لنا هذه العملية أن نعرف أنفسنا من خلال التعرّف إلى أفكارنا في مرآة الماضي، محوِّلين حالتنا الأولى، حالةَ الغريق في وجودٍ لم نتوقّعه، إلى مشروعٍ واعٍ للكينونة.
إذا كانت معرفة الذات والحرية تصفان بداية الحياة المُمحَّصة، فإنّ التقليد الهلنستي — كما أعاد بناءه بيير هادو ومارثا نوسباوم — يصف ما يُبقي عليها. وتتمثل دعواهما المشتركة اللافتة في أنّ الفلسفة القديمة لم تكن، في المقام الأول، مجموعةً من العقائد التي يُسلَّم بها، بل كانت علاجًا للرغبة (Therapy of Desire)، ومِرانًا كانت فيه الحجة الفلسفية تؤدي دور الدواء، ويؤدي الفيلسوف دور الطبيب الرحيم الذي يعالج أمراض النفس، مثل الاعتقاد الزائف، والخوف غير المنضبط، والطمع الفارغ.
أما هادو، فيُسمِّي هذه الممارسات نفسها «تمارين روحية»، وهي تدريبات ليست على ما نعتقده بشأن الموت والرغبة، بل على كيفية العيش، وكما هو مهم بالقدر نفسه، على كيفية الموت. والنص الفلسفي، وفق هذا النموذج، لا يُستهلَك طلبًا للمعلومة، بل يُستعمَل كما يستعمل الرياضي الأثقال لبناء ما تسمِّيه نوسباوم «رياضة النفس» (Athleticism of the Soul)، التي تُقوِّي ما يسمِّيه أورتيغا إي غاسيت «عضلات العقل» (The Muscles of the Mind) عبر التمرين المتكرر.
ولذلك، يتيح تمرُّس الحكمة للمرء بلوغ الأتاراكسيا (السكينة الداخلية) والأوتاركيا (الاكتفاء الذاتي)، إذ ندرك أننا، وإن كنا لا نملك السيطرة على القدر، فإننا نظل سادةَ المعنى الذي نُسبغه على الأحداث من حولنا، قدر استطاعتنا.
ولا ينبغي أن يُساء فهم هذه القراءة على أنها تزعم أن الفلسفة ترفع المعاناة عن حياة المرء. لكنها تستطيع أن تَعِد بأمرٍ أكثر قابليةً للدفاع عنه، وهو أنّ الحدث الواحد، إذا عاشه شخصان مختلفان، أحدهما مُدرَّب والآخر غير مُدرَّب، فلن يكون الحدث ذاته بالنسبة إليهما؛ لأنّ المعنى لا يوجد ببساطة في الحدث وظروفه، بل تُسنِده الذاتُ المؤوِّلة التي أسهمت الفلسفة في تكوينها.
أما الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، فيرى، كما يوضح في كتابه (ما هي الفلسفة؟)، أنّ السؤال عن ماهية الفلسفة سؤالٌ مُفعَمٌ بالقدر والتاريخ. ونحن نقرأ الفلسفة كي نُصغي إلى صوت الكينونة، متجاوزين الحساب المجرّد والتخطيط النفعي، نحو تناغمٍ يستجيب لنداء كينونة الموجود.
ولا بأس أن نذكر هنا واقعة طاليس الشهيرة، حين سقط في بئرٍ وهو شاخصٌ ببصره إلى النجوم، فسخرت منه جاريةٌ تراقية، مستهزئةً بما بدا لها عبثيةَ الفيلسوف وانعدامَ جدواه العملية. وتمحورت سخريتها حول المفارقة المتمثلة في أن طاليس كان شديد التوق إلى معرفة أسرار السماوات البعيدة، في الوقت الذي ظل فيه جاهلًا كلَّ الجهل بما كان قائمًا أمامه مباشرةً.
غير أنّ كارل ياسبرز يرى، في كتابه (الطريق إلى الحكمة)، أن هذا الانشغال غير النفعي ضروريٌّ بالذات؛ لأن الإنسان كائنٌ ناقصٌ بطبعه، لا يفتأ يشعر بوخز جهله المستمر. ويعيد أفلاطون، على لسان سقراط، في محاورة (ثياتيتوس)، قصة طاليس، ويبيّن من خلالها أن الفيلسوف هو «أَتوپوس» (atopos)، أي اللامصنَّف، أو من لا مكان له؛ إذ يقف خارج القيم المتعارف عليها عند البشر العاديين. فالفيلسوف هو الذي ينصرف عن حقير صغائر الأمور الإنسانية وأباطيلها، لكي يستفهم عن الطبيعة بأسرها.
أما الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، فيفترض أن الفلسفة مطلبٌ يعيد إلى الواقع إمكاناته. فالفلسفة عنده تجربةٌ للصوت؛ أي إنها مساءلةٌ لدورنا بوصفنا كائناتٍ ناطقة. ويرفض أغامبين تدريس الفلسفة في الجامعات المعاصرة؛ نتيجةَ جعل هذا العلم عقيمًا وفارغًا ومملًّا على يد ما أسماهم «الفلاسفة المُصنَّعين»، إذ يرى أن هؤلاء يفتقرون إلى الروح السقراطية الحقّة للفلسفة، القائمة على التمحيص والمساءلة الشاملة للمفاهيم الإنسانية.
يبدو أن رأي أغامبين يتفق مع ما ذهب إليه روبرت براندوم في كتابه (ما هي الفلسفة؟)؛ فالفلاسفة هم «حزب الأسباب» و**«أصدقاء المعايير»**، الذين ينقلون الالتزامات الضمنية لحياتنا إلى نور اليقظة الواعية. إن الفلسفة، عنده، استهلالٌ لحياةٍ تُعاش بنزاهةٍ لا حدود لها.
وقد يظنّ ظانٌّ أن الفلسفة، بما هي تأملٌ بطيء ونقاشٌ لا يُفضي غالبًا إلى حسمٍ سريع، قد فقدت مبرِّرها في عصرٍ تتسارع فيه الخوارزميات، وتُحسَب فيه الاحتمالات في جزءٍ من الثانية. لكن الحقيقة معكوسةٌ تمامًا؛ فكلما ازداد العالم حوسبةً، ازدادت حاجتنا إلى ذلك النمط من التفكير الذي لا تنتجه الآلة، ولا تحاكيه إلا شكليًا. فقد حذّر مارتن هايدغر، منذ منتصف القرن الماضي، من خطر التفكير الحسابي حين يزاحم التفكير التأملي ويحلّ محلّه كليًا. فالتفكير الحسابي يخطّط، ويحسب، ويستثمر، لكنه لا يتوقف أبدًا ليسأل: لماذا هذا الحساب أصلًا؟ وما الغاية التي يخدمها؟
والذكاء الاصطناعي، في جوهره التقني، هو التجسيد الأقصى لهذا العقل الحسابي؛ فهو يعالج البيانات بسرعةٍ خارقة، ويستنتج الأنماط، ويولّد النصوص والصور، لكنه لا يتساءل بالمعنى الذي تتساءل به الكائنات المريدة الواعية بذاتها. ومن هنا، فإن قراءة الفلسفة اليوم ليست ترفًا نخبويًا، بل هي إعادةُ تأسيسٍ ضرورية لذلك البعد التأملي الذي تهدّد الأتمتةُ بطمسه كليًا من حياتنا اليومية.
ويمكن القول إن لقراءة الفلسفة أسبابًا لا تُحصى. فهي الطريق إلى الفضول، والسعي إلى البحث والتقصي. وهي فنٌّ نعيش به حياةً ذاتَ معنى، ودواءٌ نداوي به جروح نفوسنا وعقولنا، وهندسةٌ نصون بها بنية أفكارنا، وسلاحٌ نقاوم به الزيف والخرافة والاستغلال. وهي أيضًا مساءلةٌ لا تكلُّ لمسلَّماتنا البديهية. أما في عصر ذكاء الآلة، فتغدو هذه الأسباب كلُّها أكثر إلحاحًا؛ فكلما ازدادت الآلات ذكاءً، ازددنا نحن حاجةً إلى أن نبقى بشرًا يسألون، ويشكّون، ويتأملون، لا لأن الفلسفة تمنحنا يقينًا تفتقده الآلة، بل لأنها تذكّرنا، في كل مرةٍ نفتح فيها كتابًا فلسفيًا، بأن معنى أن نكون بشرًا لا يُختزل أبدًا في معالجة المعلومات، مهما بلغت هذه المعالجة من الكمال.
المصادر
- Agamben, G. (1999). The end of the poem: Studies in poetics (D. Heller-Roazen, Trans.). Stanford University Press.
- Agamben, G. (2018). What is philosophy? (L. Chiesa, Trans.). Stanford University Press.
- Blackburn, S. (1999). Think: A compelling introduction to philosophy. Oxford University Press.
- Butler, R. (2016). Deleuze and Guattari’s ‘What is philosophy?’: A reader’s guide. Bloomsbury Academic.
- Hadot, P. (1995). Philosophy as a way of life: Spiritual exercises from Socrates to Foucault (A. I. Davidson, Ed.; M. Chase, Trans.). Blackwell.
- Hadot, P. (2002). What is ancient philosophy? (M. Chase, Trans.). Harvard University Press.
- Heidegger, M. (1956). What is philosophy? (W. Kluback & J. T. Wilde, Trans.). College & University Press. (Original work published 1955).
- Jaspers, K. (1960). Way to wisdom: An introduction to philosophy (R. Manheim, Trans.). Yale University Press. (Original work published 1951).
- Midgley, M. (2018). What is philosophy for?. Bloomsbury Academic.
- Nussbaum, M. C. (1994). The therapy of desire: Theory and practice in Hellenistic ethics. Princeton University Press.
- Ortega y Gasset, J. (1964). What is philosophy? (M. Adams, Trans.). W. W. Norton & Company. (Original work published 1960).
- Ortega y Gasset, J. (1967). The origin of philosophy (T. Talbot, Trans.). W. W. Norton & Company.
- Ragland, C. P., & Heidt, S. (Eds.). (2001). What is philosophy?. Yale University Press.
- Runkle, G. (1985). Theory and practice: An introduction to philosophy. Holt, Rinehart and Winston.
- Selsam, H. (1962). What is philosophy?: A Marxist introduction (Rev. ed.). New World Books. (Original work published 1938).
- Sprague, E. (1961). What is philosophy?: A short introduction. Oxford University Press.
- Sullivan, D. J. (1957). An introduction to philosophy. Bruce Publishing Company.
إعلان
