السينما وصناعة التاريخ: دراسة في فيلم Life is Beautiful

مقدمة:
وفقًا لفيرو، تستخدم السينما لعرض الوقائع التاريخية، وتعتبر السينما بالنسبة له مصدرًا غير تقليدي للبحث في التاريخ أو حتى للتأريخ، الذي يمارسه في هذه الحالة مؤلف العمل الفني (الفيلم في حالتنا). لا يكون الفيلم، كعمل إبداعي، مجرد عرض لأحداث تاريخية كما حدثت بالفعل، لكن تكون هناك مساحة للمبدع للتغيير لأغراض محددة، فالعمل الفني ليس عملًا بحثيًّا، لكنه يهدف إلى بث رسالة لإحداث أثر يستهدفه صناع العمل كفريق.

في هذه الورقة سنقوم بدراسة فيلم Life is Beautiful من خلال المداخل التي وضعها مارك فيرو في العلاقة بين السينما والتأريخ. في البداية سنقوم بعرض مختصر لقصة الفيلم، ثم نتعرض للسياق الذي أُنتج فيه الفيلم وأثره على إنتاج العمل. بعد ذلك نقوم بعرض السردية التي تبناها الفيلم وتحليلها، ومن ثم نقوم بتحليل الخطاب الذي استخدمه الفيلم لتحديد نوعه والغاية من استخدامه هو بالتحديد.

القصة والسياق:

يحكي الفيلم قصة أسرة يهودية إيطالية، مكونة من زوج وزوجة وطفلهما، وجدت نفسها في أحد الأيام تُساق إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية، ما يعني نقلهم إلى ألمانيا. ثم يستمر الفيلم في عرض المعاناة التي تعرض لها اليهود في هذه المعسكرات، بداية من العمل بالسخرة في المصانع الألمانية، وانتهاءً بخنق البعض في غرف يُفتح الغاز فيها عليهم (الهولوكوست). ينتهي الفيلم بقتل الأب أثناء تضحيته لإنقاذ أسرته، وهو القتل الذي تبعه دخول الجنود الأمريكيين وتحرير باقي الأسرى الناجين.

الفيلم إيطالي الإنتاج والإخراج وكذلك لغة الفيلم. أُنتجته شركة Cecchi Gori Group، وهي شركة خاصة، ما يعني أن الفيلم غير ممول حكوميًّا. تم إنتاجه وعرضه لأول مرة في عام 1997، وعُرض لأول مرة في الولايات المتحدة في العام اللاحق. حصل الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار، وحصل على الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي. مخرج الفيلم وبطله أيضًا هو روبيرتو بينيني، الذي كان والده مزارعًا، وكان الأخير أحد الناجين من معسكرات العمل النازية، وهو من العناصر التي ألهمت بينيني في هذا الفيلم.

المعتاد في الأفلام التي تعرض معاناة اليهود أن يتم إنتاجها في الدول التي لم تقم باضطهادهم بشكل مباشر، وأغلب هذه الأفلام تكون صناعة أمريكية. لكن اللافت في هذا الفيلم هو أنه إنتاج إيطالي، وإيطاليا من دول المحور التي كانت تضطهد اليهود في زمن الفاشية، وهو ما يدعو إلى التفكر في سبب هذا التغيير. بالنظر إلى السياق الذي أُنتج فيه الفيلم، يمكننا تفسير هذا التغيير.

إعلان

في التسعينيات، شهد العالم موجة اعتذارات رسمية من دول غربية قامت بالفعل أو ساهمت في اضطهاد اليهود سابقًا، وخصوصًا في فترة الحرب العالمية الثانية، فيما يعرف بسياسات الذاكرة. من الدول التي قامت بالاعتذار ألمانيا، والتي كانت الفاعل الأساسي في اضطهاد اليهود في تلك الفترة، وكذلك فرنسا في خطاب جاك شيراك الذي اعتذر بشأن تهجير اليهود خلال حكم فيشي. بالتالي يمكننا اعتبار الفيلم شكلًا من أشكال الاعتذار من قبل دولة قامت باضطهاد اليهود وتعاونت مع ألمانيا في ذلك، لكنه اعتذار من نوع خاص مختلف عن اعتذارات هذا العقد، وهو اعتذار بواسطة القوة الناعمة. ويمكن أن يدخل العامل الشخصي من ضمن العوامل المفسرة، لكنه إذا فسر توجه المخرج نتيجة حياة أبيه، فهو لا يفسر مشاركة باقي الطاقم وقبول الشركة المنتجة.

السردية والخطاب:

في هذا العنصر نقوم بتحليل الأطراف الفاعلة في الفيلم وكيف صور الفيلم كل طرف، وبالتالي تتضح لنا سرديته، ثم سنقوم بعرض طبيعة الخطاب الذي تبناه الفيلم.

الطرف الأول في الفيلم هو اليهود، والطرف الآخر الذي يضعه الفيلم في المقابل يتمثل في النازيين والفاشيين. يقوم الفيلم بتصوير اليهود كضحايا، وهو ما كان بالفعل، وقام بعرض الانتهاكات والمضايقات المختلفة التي كان يتعرض لها اليهود سواء من المجتمع أو من الدولة، وتأتي انتهاكات الدولة في صورة خطابات عنصرية تُلقى على الأطفال في المدارس، وهي الأفكار التي كانت تكرس للتفوق العرقي. تجدر الإشارة إلى أنه لم يكن هناك أي نوع من النقد للطرف الأول في الفيلم.

بالنسبة للطرف الثاني، تجنب الفيلم السمات الشخصية للطرف الآخر لوضعه في خانة واحدة وجعله كلًا واحدًا متماسكًا يتسم بصفات معينة، وهي صفات مرتبطة بالإقصاء والدموية (طرف شرير). حتى عندما تعرض الفيلم لمظهر من مظاهر الحياة الشخصية لبعض الإيطاليين، تعرض لها بطريقة سطحية، فلم يكونوا يتحدثون في اجتماعهم العائلي إلا عن تفوق الأطفال الألمان والتطلع إلى وصول الإيطاليين إليهم يومًا ما، وأنه لا حديث لهم إلا عن قتل اليهود والمعاقين وكبار السن (من لا جدوى لهم في المجتمع). وبالتالي، يقوم الفيلم بشيطنة الطرف الآخر وجعل الطرف الأول في صورة ملاك تظهر في تعاطف عجوز يهودي مثلًا مع جندية ألمانية تعثرت وسقطت على الأرض. ومن هنا، تتضح لنا السردية التي تبناها الفيلم، وهي السردية التي تبناها الغرب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتبناها الألمان أنفسهم بعد التعافي مما أصاب ألمانيا بعد الحرب نتيجة سياسات الذنب التي اتبعتها الإدارة الغربية لألمانيا الغربية وترسيخ ثقافة الذاكرة. (النازي شر مطلق واليهودي خير مطلق).

كان خطاب الفيلم خطابًا عاطفيًّا، فهو لا يعمل على استثارة عقل المشاهد ودفعه للتأمل أو إثارة الجدل العقلي بين المشاهدين، وإنما يعمل على استثارة عاطفة المشاهد، فهو في النهاية لا يهدف إلى إشراك المشاهد وجعله يُعد رؤية خاصة به، فالفيلم محمل بسردية معينة يرغب في أن تكون هي المهيمنة من خلال تشكيل وعي المشاهد فيما يخص هذه القضية بعرض فكرة واحدة أمامه وعرضها بطريقة بسيطة مختزلة تمكنه من الوصول إلى لب الموضوع دون الحاجة إلى إعمال عقله.

هناك بعض الوقائع التي تجاهلها الفيلم، وبتجاهله لهذه الوقائع قام بتغيير مجرى الفكرة التي كان من الممكن أن تصل للمشاهد إذا تم عرض الوقائع بصورتها التي كانت عليها. من النقاط التي تجاهلها الفيلم دور الاتحاد السوفييتي في دخول برلين. في نهاية الفيلم دخلت الدبابات والمدرعات الأمريكية إلى برلين وقامت بتحرير الباقي من الأسرى. لكن إذا نظرنا إلى الوقائع، سنجد أن الاتحاد السوفييتي هو الذي قاتل وقام بدخول برلين، ووصلت الولايات المتحدة بعد دخول الاتحاد السوفييتي بما يقارب الشهر.

هذا التجاهل يعطي صورة البطل للولايات المتحدة ويرسخها، وهي السمة الموجودة في أفلام مختلفة قامت بعرض معاناة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. قد يُعزى هذا التجاهل المتكرر للاتحاد السوفييتي إلى الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبالتالي تتجاهل الأعمال الغربية السوفييت لحساب الحليف الأكبر، وهو الولايات المتحدة.

قام الفيلم بتجاهل نقطة أخرى لا تقل أهمية عن النقطة الأولى، بل يمكننا القول إنها أهم منها، وهي العوامل التي قادت ألمانيا إلى هذه الحالة وما تعرضت له من إذلال بعد الحرب الكبرى الأولى. نعم، أجرمت ألمانيا جرائم لا سبيل إلى إنكارها، لكن من الضرورة بمكان النظر إلى العوامل التي أدت للوصول إلى هذه الحالة، والتي لا تبررها، لتعزيز الفهم والإلمام بالواقع ولمنع تكرار مثل هذه المآسي مرة أخرى، لكن تحقيق هدف الفيلم تطلب عدم التطرق إلى ما قد يجعل المشاهد يفكر في الطرف الآخر.

خاتمة:

ظهر الفيلم في الفترة التي تصاعدت فيها الاعتذارات الرسمية لليهود من قبل الدول الغربية ليكون انعكاسًا لهذه الموجة من الاعتذارات. ساهم الفيلم في إعادة تصدير ذكرى المحرقة للعالم، لكن بصورة مختلفة قليلًا؛ فبالإضافة إلى الدراما، غلب على الفيلم الطابع الكوميدي، وهو ما أحدث جدلًا واسعًا حول تناول قضية كالمحرقة تناولًا كوميديًا. فهل يخفف التناول الكوميدي من وطأة المأساة أم أنه يزيد التركيز على المقاومة في تلك الفترة؟

المصادر:

Life Is Beautiful. Roberto Benigni. 1998. United States of America. Miramax Films. Viewed in: 2024.

 

 

إعلان

اترك تعليقا