مفهوم التفكير عند حنة أرندت: لماذا يجب علينا أن نُفكر دائمًا؟ .. أحمد مصطفى

اللحظة التي يتوقف فيها العقل الإنساني عن التفكير، هي اللحظة التي يكون فيها الخراب مستعدًا لأن يَنقَضّ. لم يعد يَخفى على أحد مدى ما وصل إليه العالم اليوم من مرحلة بائسة، تهاوت فيها كل وعود الحداثة الغربية بتحرير الإنسان وإطلاق إمكاناته وقدراته وضمان عالمية قيمه. فالعالم اليوم يموج بالعنف، والتفاوت الطبقي الحاد، وتعدي الدول القوية على حقوق الأمم الضعيفة، ناهيك عن تراجع الديمقراطية، حتى في أبرز معاقلها. وبتأمل الإنسان في تلك اللحظة التاريخية؛ تبرز التساؤلات حول العديد من المفاهيم الهامة المؤسسة لعلم السياسة، كمفهوم القوة، والعدالة والقانون، وغيرهم من المفاهيم المركزية في العلوم الإنسانية بصفة عامة. إلا أنني أجد أن تأملي في تلك اللحظة الراهنة يدفعني دفعًا إلى التفكير في مفهوم التفكير ذاته، وطرح بعض التساؤلات حوله، فهل هذا العالم لا يزال يُفكر أم أن عقلانية الحداثة أصبحت عقلانية كارهة لذاتها؟
أشارت المنظِّرة السياسية الشهيرة حنة أرندت… في أحد محاوراتها التي أجرتها باللغة الألمانية أنها تكتُب بغية الفهم وتعميق الوعي،(1) وأنا في تلك المقالة لا أتتبع خطاها في محاولة الفهم وتنمية وعي الذات عبر مساءلتها فقط، بل أحاول أن أنظر إلى عملية التفكير كما فهمتها هي، كما أحاول أن ألقي الضوء على أهمية تلك العملية في تسلح الذات الإنسانية لمواجهة لحظتنا التاريخية المظلمة.
أيخمان لم يكن وحشًا، بل إنسانًا لم يعد قادرًا على التفكير!
يحتل مفهوم التفكير مكانة مركزية في المشروع الفلسفي المتأخر لحنة أرندت، وقد أفردت له مساحة واسعة في كتابها الأخير “حياة العقل”، ولا يظهر هذا المفهوم في فلسفتها بوصفه نشاطًا معرفيًا يهدف إلى إنتاج الحقائق أو اكتساب المعلومات، وإنما باعتباره ممارسة انطولوجية وأخلاقية تمكّن الإنسان من إقامة علاقة نقدية مع نفسه ومع العالم الذي يعيش فيه. ويمكن اعتبار اللحظة الحقيقية التي أتاحت لأرندت التأمل الحقيقي في عملية التفكير، هي لحظة تغطيتها لمحاكمة أدولف أيخمان كمراسلة لصحيفة The New Yorker الأمريكية، وكان أيخمان الضابط النازي المسؤول عن بعض الترتيبات اللوجستية الخاصة بترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والإبادة في العهد النازي، وهو أيضًا الشخص الذي قبض عليه الموساد في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس بأوائل ستينيات القرن الماضي، واقتيد للمحاكمة في إسرائيل على جرائمه بحق اليهود، وانتهت المحاكمة بإعدامه.
حينما كانت الصحيفة مطمئنة لاختيارها لأرندت للقيام بتلك المهمة الفارقة في تاريخ دولة إسرائيل، تلك الفيلسوفة اليهودية التي هربت من الإبادة النازية في أوروبا إلى أرض الحلم الأمريكي، كما أنها الأكاديمية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بعد أن نشرت كتابها عن أصول الشمولية عام 1951؛ بدأت الأمور وكأنها تسير في اتجاه غير متوقع عندما عادت أرندت من القدس إلى نيويورك وبدأت الكتابة عن تأملاتها حول المحاكمة؛ لأنه عندما كانت أغلب القطاعات الصهيونية واليهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل تريد أن تفتك بأيخمان، الوحش النازي الذي شارك في واحد من أحلك أحداث القرن العشرين في الغرب، وجدت أرندت نفسها أمام سؤال بدا عصيًا على الفهم لهذه القطاعات، والسؤال كان يتعلق بكيفية قيام إنسان عادي و”طبيعي بشكل مرعب”، لا يبدو متوحشًا أو ساديًا، ولم يقم بأي فعل معادٍ لليهود في حياته الشخصية، بالمشاركة في جرائم جماعية بهذا الحجم؟ وكان جوابها أن… المشكلة لا تكمن دائمًا في وجود نية شريرة استثنائية، بل قد تكمن في غياب القدرة على التفكير الذي يجعلنا نقوم بالتمييز بين الخير والشر.(2)
فخلافًا للصورة التي كانت متخيلة في العقل الغربي عن أيخمان، وهي التي تتوقع وجود مجرم استثنائي أو شيطان متعطش للدماء، وجدته أرندت موظفًا بيروقراطيًا عاديًا، يتحدث بلغة خشبية مكررة، ويبرر أفعاله بالاحتكام إلى القوانين والأوامر. ومن هنا صاغت مفهومها الشهير “تفاهة الشر“. فالشر في هذه الحالة، لم يكن ناتجًا عن حقد عميق أو نزعة إجرامية فريدة قادمة من قوى شيطانية، بل عن عجز الشخص عن التفكير في معنى ما يفعل.(3) لقد توقف أيخمان عن طرح الأسئلة الأخلاقية الأساسية عن صحة ما يقوم به، والنتائج الإنسانية المترتبة عليه، وواجب الطاعة فيما يُصدر إليه من أوامر.
دعونا نتخيل ما الذي كان سيحدث لو توقف أيخمان متسائلًا بينه وبين ذاته: “ماذا لو كنتُ قد وُلدت يهوديًا؟” أي العمل على إفراد مساحة في العقل للتساؤلات وتبديل موقع الذات مكان الآخر لتقييم الأمور من زوايا مختلفة، لكن هذا ما لم يفعله أيخمان تحت وطأة انغماسه في تنفيذ الأوامر. وهكذا أصبح الشر ممكنًا بسبب غياب التفكير النقدي في المقاوم الأول، لا بسبب حضور الشر المطلق. وفي ضوء هذا الفهم، فأيخمان لم يكن رمزًا للشيطان، بل إنسان فقد أهم ما يميز الكينونة الإنسانية كما حدد هيجل، أي فقد العقل، ومن ثمة التفكير.
إعلان
التفكير كفعل أخلاقي نقدي استقلاليّ
تنطلق أرندت من فهم خاص للتفكير يختلف عن المعنى الشائع. فالتفكير عندها ليس تراكمًا للمعلومات أو الوصول إلى درجة عالية من المعرفة ولا مهارة تقنية تتعلق بالذكاء العقلي الذي يتجلى مثلًا في الحساب أو القدرة على حل المشكلات، بل هو حوار داخلي صامت يجريه الإنسان مع نفسه. وهي تستلهم في ذلك التقليد السقراطي الذي يرى أن التفكير هو حديث النفس إلى نفسها.(4) ومن خلال هذا الحوار الداخلي، يخلق الفرد مساحةً ذاتيةً يصبح من خلالها قادرًا على مساءلة أفعاله وأحكامه، وعلى فحص ما يتلقاه من أفكار وقيم وأوامر، وذلك بدلًا من قبولها بصورة آلية أو الامتثال الأعمى لها. ومن هنا يرتبط التفكير عند أرندت ارتباطًا وثيقًا بالنقد والاستقلالية. فالإنسان المفكر ليس من يمتلك أجوبة جاهزة، أو من يُعمِل عقله في ضوء مجموعة من المسلمات الحاضرة، بقدر ما هو الشخص القادر على طرح الأسئلة ومراجعة تلك المسلمات في حيز الحوار الداخلي للفرد بين ذاته التي تتساءل، وذاته التي تفكر في تلك التساؤلات. إن التفكير يزعزع ما يُقدم دائمًا على أنه يقينيات، ويمنع الإنسان من الانغماس الكامل في الأعراف والتقاليد والأيديولوجيات التي تحيط به. ولذلك لا تنظر أرندت إلى التفكير باعتباره وسيلة لإنتاج المعرفة فحسب، بل باعتباره شرطًا أساسيًا للاستقلال الأخلاقي والسياسي في المقام الأول.
ومن هذا المنطلق تربط أرندت بين التفكير والضمير الأخلاقي. فالضمير لا ينبع فقط من القواعد الخارجية أو التعاليم الاجتماعية التي ينشأ عليها الفرد، وإنما من قدرة الإنسان على أن يعيش في انسجام مع نفسه. فالفرد الذي يمارس التفكير باستمرار يجد نفسه مضطرًا إلى محاسبة ذاته قبل الإقدام على الأفعال، لأنه يعلم أنه سيظل مضطرًا إلى التعايش مع نفسه بعد تنفيذها، ولأن الإنسان لا يريد أن يرتكب فعلًا يجعله يكره نفسه أو شريكه الداخلي الذي يتجلى في الضمير؛ سيقوم بممارسة عملية التفكير كي لا ينزلق إلى هذا المأزق. ولذلك تستعيد أرندت الحكمة السقراطية التي تشير إلى أن الإنسان قد يُفضل أن يختلف مع العالم كله على أن يختلف مع نفسه. وهنا يصبح التفكير أساسًا للمسؤولية الأخلاقية الفردية.
ويمكننا هنا أن نشير إلى موضع مهم اختلفت فيه أرندت مع أستاذها الفيلسوف الألماني الذي دعم النازية مارتن هيدجر، فقد قال هيدجر إلى أن “من يفكر تفكيرًا عظيمًا، يجب أن يُخطئ خطأً عظيمًا” وكان ذلك في سياق دفاعه فلسفيًا عن موقفه السياسي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين في أوروبا بتأييده للنازية، فخياره بالوقوف إلى جانب القوة الفاشية الأكثر خطورة على أوروبا لم يكن اختيارًا سياسيًا فقط، بل طُعم بمقولات فلسفية فكرية تبرره في بداية فترة رئاسته لجامعة فريبيرغ وانضمامه للحزب الاشتراكي الوطني النازي، وكان يتحدث في خطاباته عن أمور تدعم الفكر النازي بشكل واضح مثل “قوة الدم والتراب”، أو عندما دعا إلى الامتثال الأعمى للفوهرر عندما قال “لا تدع الافتراضات تشكل قانون وجودك. الفوهرر نفسه وبمفرده، هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقانونه”. فالتفكير الفلسفي الخاص به حول نقد الحداثة وتحقيق وجود الإنسان دفعه إلى النظر إلى الحركة النازية في بدايتها، متمثلةً في كل من الفوهرر والحزب الوطني الاشتراكي، على أنها تمثل صحوة حضارية تربط الإنسان الألماني بأرضه وتحقق مصيره التاريخي عبر تأكيد الذات للشعب الألماني، فتلك الحركة كانت تمثل، في وجهة نظر هيدجر، “تحولًا كاملًا لوجود ألمانيا”.(5) فلهذا اعتبر هيدجر هذه الخطوة خطًأ عظيمًا بسبب تفكيره الفلسفي العظيم. لكن على الوجه المقابل، وفقًا لمفهوم أرندت عن التفكير، يعتبر دعم هيدجر للنازية التي ستعمل على إبادة عرق أستاذه الفيلسوف اليهودي إدموند هوسرل، وتلميذته اليهودية، ومعشوقته، حنة أرندت، بمثابة لحظة من توقف التفكير الحقيقي في حياة فيلسوف ترك أكبر الأثر على تطور الفلسفة الغربية في القرن العشرين.
العلاقة بين التفكير والمعرفة والحُكم
ميزت أرندت في كتابها “حياة العقل” بين التفكير والمعرفة. فالمعرفة تبحث عن الحقائق وتسعى إلى إنتاج نتائج عملية قابلة للاستخدام، بينما يبحث التفكير عن المعنى. ولهذا السبب لا يقدم التفكير إجابات نهائية أو يقينيات مطلقة، بل يُبقي الأسئلة مفتوحة باستمرار. وهذه التفرقة غاية في الأهمية لأنه تبين أنه يمكن أن يكون الإنسان واسع المعرفة ومتمكنًا في تخصصه العلمي، لكنه يفتقر إلى القدرة على التفكير بالمعنى الذي تقصده أرندت، أي إلى القدرة على مساءلة ذاته وعالمه، وهذا ما يفسر لماذا يختار أحيانًا نخبة من أبرز المتخصصين في حقل معين أن يُوظفوا معارفهم التقنية لصالح شركات رأسمالية احتكارية تضع نصب أعينها ربحها الفاحش على حساب أي شيء حتى لو في مجالات حساسة كالطب والدواء أو تصنيع السلاح، أو حتى توظيف البعض لمعارفهم النظرية في خدمة حكومات استبدادية؛ ويرجع ذلك إلى أن عملية التفكير في المعنى، خارج استخدام المعرفة، لم يكن لها وجود.
غير أن التفكير وحده لا يكفي في نظر أرندت، إذ يرتبط بمَلَكة أخرى مهمة، ألا وهي الحكم. فالتفكير يهيئ الإنسان لممارسة الحكم السليم على الوقائع والأحداث والأفعال عبر خلق المساحة الداخلية لحوار الذات ونفسها. وهنا لا يخفى التأثير الكانطي على تكوين أرندت لمفهومها عن التفكير، ولا سيما بفكرة توسيع الأفق الذهني عبر محاولة النظر إلى الأمور من وجهات نظر الآخرين.(6) فالحكم السياسي والأخلاقي الرشيد يتطلب قدرة على تجاوز المنظور الفردي الضيق والانفتاح على تعددية التجارب الإنسانية، وهذا ما أشرنا إليه في شكل التساؤل حول تصرف أيخمان إذا تخيل أنه وُلد لعائلة يهودية.
وتتجاوز أهمية التفكير عند أرندت المجال الفردي لتكتسب بعدًا سياسيًا واسعًا. فالمجتمعات التي يضعف فيها التفكير تصبح أكثر عرضة للدعاية والأيديولوجيات الشمولية والطاعة العمياء. أما المواطن القادر على التفكير فإنه يحتفظ بمسافة نقدية تفصله عن الخطابات الجاهزة، ويظل قادرًا على مقاومة الأوامر غير الأخلاقية حتى عندما تصدر عن سلطة شرعية. ولهذا ترى أرندت أن أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية ليس مجرد قمع الأفراد، بل تحويلهم إلى كائنات عاجزة عن التفكير المستقل.
وهكذا يتضح أن التفكير عند حنة أرندت ليس نشاطًا ذهنيًا ثانويًا أو رفاهية فلسفية، بل هو الشرط الذي يجعل الحياة الأخلاقية والسياسية ممكنة. فمن خلال الحوار الداخلي الذي يجريه الإنسان مع نفسه، تتشكل قدرته على الحكم والمسؤولية والمقاومة، وبخروج هذا الحوار الذاتي من المساحة الخاصة إلى المجال العام ليحتك بغيره من الحوارات الأخرى، تصبح الحياة السياسية ممكنة. ولذلك يصبح غياب التفكير أحد أخطر التهديدات التي تواجه الإنسان؛ لأنه يفتح الطريق أمام تحول الشر إلى ممارسة عادية يمارسها أفراد عاديون توقفوا عن التساؤل حول المعنى فيما يفعلون، وقابلها كذلك أفراد منفكين عن العالم، لا يبالون بما يحدث حولهم، ما دام الذي يحدث لم يمس مصالحهم الشخصية الضيقة. وهذا هو تحديدًا ما يجعل العالم مكانًا مظلمًا، أي حينما نفقد المسؤولية الجماعية تجاهه،(7) وذلك لا يحدث إلا إذا أصبحنا لا نُفكر فيه. لذا، يجب علينا دائمًا أن نُفكر باستمرار، حتى لو أدركنا أن هذا العالم قد بات مكانًا سرمديًا لتكرار الحروب والظلم والتغلب، فاستمرارنا في التفكير، داخله، وفيه، يضمن لنا، على الأقل، أننا لن نصبح ضمن حفنة الأشرار الذين يدمرونه.
المصادر
1 – Hannah Arendt (1964) – What Remains?, Philosophy Overdose, 2021: https://youtu.be/dVSRJC4KAiE?si=wkAc_8UY436uTcrU
2 – حنة أرندت، “ايخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر”، ترجمة: نادرة السنوسي، (دار الروافد الثقافية، بيروت، 2014). ص 60.
3 – حنة أرندت، “حياة العقل، الجزء الأول: التفكير”، ترجمة: نادرة السنوسي، (دار الروافد الثقافية، بيروت، 2016). ص 13 – 16.
4 – المصدر السابق، ص 223 – 239.
5 – نايجل رودجرز وميل ثومبثون، “جنون الفلاسفة”، ترجمة: متيم الضايع، (دار الحوار، اللاذقية، 2015)، ص 217 – 222.
6 – Patrick Roney, “Between Socrates and Kant.Thinking and sensus communis in Arendt’s conception of the banality of evil”, Philosophical Inquiries, Volume 2, 2017, pp.9 – 32.
7 – يوكه هيرمسين، “روزا لوكمبورغ وحنة آرنت بين المد والجزر”، ترجمة: رحاب منى شاكر، (دار elles، القاهرة، 2021)، ص 9 – 10.
إعلان
