قُرْبُ نهايةِ العرض !

دوى الانفجارُ على الشاشة الضخمة فغمرَ الحضورَ ضوءٌ قويٌّ أنار المكان لثوانٍ قليلة قبل أن يعُمَّ الظلامُ. القاعةُ المظلمة صورةٌ صادقة للمجهول، لمحةٌ من الغموض، جانبٌ من القمر، الحضور مُتخفّون في الظلام. كلُ فترةٍ تنعكس عليهم إضاءات الفيلم الذى يُعرَض على الشاشة. يختلط عليهم الظلام بالألوان ليبدوا وكأنّهم في عالم آخر، ومن عالم آخر.

نغماتُ موسيقى العرض الآن اختلفت عن تلك النغمة التصاعديّة التي رافقت تشابُّك الأحداث وتعقُّد الموقف. اقترب العرضُ من نهايته. كلُ شيء هادئ الآن يُوحِى بالفعل باقتراب النهاية. أصبحت الموسيقى أكثرَ هدوءًا يتخلّلُها شجنٌ ما. ذكّرتني كثيرًا بنغماتِ “الكمان” الخاصة بمقطوعة (أغنية من الحديقة السريّة) خليطٌ غريبٌ من السلام والشجن والمحبة، لو أنّ تلك الكلمات المجرَّدة تحتمل إمكانية ترجمتها في شكل ألحان ونغمات.

الآن وجدّ البطلُ بطلتَه بالفعل. وجدها مقيدةً ملقاةً في مكانٍ ما وسط حقول قمح ذهبية. مبعثرةَ الشعر والثياب والهيئة. الدماءُ تُغطِّى جزءًا ما من قميصه الأبيض. يبدوُ في حالة رثّة سيئة. العرق يغمرُ وجهَه وشعره. المشهدُ من خلفه مبهرٌ: سماءُ زرقاءُ صافيةٌ ومساحاتٌ شاسعةٌ من اللون الذهبيّ المميَّز لسنابل القمح تسقط عليه أشعة الشمس ليتألقَ بشكلٍ طبيعيٍّ. يركضُ إليها وهو يلهثُ من التعب والانفعال. يختلط صوتُ أنفاسه بموسيقى المشهد المؤثرة. يقترب منها بالفعل وعيناه تدمعان من التأثر، تلمحه هي فلا تجد ما تنطق به سوى اسمِه. تهتف به بصوت اختلط فيه الفرح بدموع الخلاص. تحاول أن تمد ذراعيه نحوه في لهفة واضحة قبل أن تتذكر أنّها مقيدةٌ. يُسرِع هو إليها. يحتويها بين ذراعيه في تملُّكٍ واضحٍ وصريحٍ. تختلط دموعهما ثم يبعدها هو ليبدأ في حل قيودها. الآن تتصاعد الموسيقى بشكل مختلف. بشكل ينبئ بحدوث أمرٍ ما.

بمجرد أن تتحرّر يديها، ينحنيان معًا لحل قيود قدميها. يتلفت هو حوله بتوتر ظاهر، يقفان معًا فيعاود ضمَها إليها، ترفع رأسها لتُلقى عليه نظرةً شاملةً، تتحسّس وجهه وشعره في عاطفةٍ لا تحاول إخفائها، أخيرًا تتلاقى نظراتهما، ترتجف شفتاه للحظة، قبل أن …

– أ..أنت بخير ؟

إعلان

– أنتِ بخير ؟

صدرت منهما في وقت واحد، بشكل أثار مشاعر كل المتابعين، واستدرج دموعَ بعض العاطفيّين، لم يجب أحدُهما على سؤال الآخر. فقط تلاقيا في عناق دافئ طويل.

بعدها أمسك هو بيدها وأسرعا بالعدو مبتعدين. الموسيقى والإضاءةُ تتلاعبان الآن بدقات القلوب. السماءُ تبتعدُ من خلفهما وتتركز الصورة فقط على خطواتهما.

في الظلام تنهدتُ أنا. ألقيت نظرةً خاطفةً على جارى الصامت تمامًا. أعجز عن قراءة أيّ من انفعالاته بسبب الظلام أولًا، و بسبب جموده التامّ، ثانيًا. طوالُ العرض لم يبدى أيَّ تفاعُّلٍ مع الأحداث. فقط رنَّ هاتفُه المحمول مرةً او مرتين. أجاب على إحدى المكالمات وتجاهلَ الأخرى. ومن آنٍ لآخرٍ كان يراقبُ شاشتَه في صمت. مرةً أو مرتين تلامس كتفانا بالخطأ وهو أيضًا لم يُبدِ أيَّ ردةِ فعلٍ، سوى أنَّه ألقى علىَّ نظرةً سريعةً خاطفةً. دائمًا كنتُ أتمنى قراءةَ الأفكار. في طفولتي عندما كان شيءٌ ما يثير إعجابي كنت أتمنى قراءةَ أفكار كل من حولي بشأنه. فأنا لا أصدق في الانفعالات والملامح ولا في الكلام المنطوق. أعماقنا مياه عميقة، نحن أنفسنا لا ندرك عنها شيئًا!

الآن كنتُ أريد أن أعرفَ مشاعرَ الجميع تجاه العرض. وخاصة مشاعر الجالس الى جواري. يبدو أنه لم يحرك فيه ولو شعرةً.

على الشاشة الآن كانا يواصلان الركض. كلُ شيءٍ يُشيرُ بأنّ كلمةَ النهايةِ ستظهرُ قريبًا. حتى أن بعض الجلوس بدأ يُلملمُ نفسه استعدادًا للمغادرة. نظرت من جديد إلى الجالس الصامت إلى جواري. في داخلي رغبةٌ حارقةٌ في أن يحتضن كفي ولو للحظةٍ واحدةٍ. لحظةٌ واحدةٌ أحيانًا تساوى عمرًا كاملًا وتعوِّضُ عن سنين طويلة. دفءٌ من نوع خاصّ أفتقدُه منذ سنوات. أحاول كثيرًا أنْ ………….

دوتْ الرصاصةُ فجأةً لتنتزعني من خواطري. التفتُ إلى الشاشة في حركة حادة. في السينما أيضًا هناك لحظاتٌ فارقةٌ وفاصلةٌ وخصوصًا عند نهاية العرض!

كان البطلُ يهوى على الأرض بشكلٍ واقعىٍّ جدًا. فاتني أن اعرف من أين جاءت الرصاصة وأين أصابته. فقط رأيته يسقط على الارض وإلى جواره تسقط البطلة لترفع رأسه قليلًا. من بعيد يظهر صوت سيارات الشرطة.

التي تصل دائمًا متأخرةً. نظرةُ ذعرٍ ولوعةٍ في عين الحبيبة. صرخةٌ مكتومةٌ بلا صوت. وفى عينيه هو نظرة راحة اخيرة وصورتها فقط تملأ رؤيته وتنطبع في نظرته الأخيرة إلى الابد. تبتعد الكاميرا عن المشهد في بطءٍ لتختفي صورتُهما في بطءٍ وتظهر كلمة النهاية على المشهد الطبيعيّ للشمس والسماء والحقول.

نهايةٌ مفاجئةٌ وصادمةٌ ومخرجٌ واقعيٌّ جدًا. لم يُضيّع وقتَه و وقتَنا في بكاءٍ وصراخٍ أو مشاهد فلاش باك نسترجع بها أجمل مشاهد قصة حبهما الدرامية. فقط الموت والطبيعة. الحقيقتان الثابتتان في أي حياة!

تنبهت على صوت جاري وهو يقولُ لي بتعجلٍ.

-هيا، إذا كنتِ ترغبين في المغادرة. ستزدحمُ المخارج جدًا بعد قليلٍ!

تبعتُه في صمت. حبست دموع تأثري بالنهاية خشية سخرية الأخرين.

على الرغم من تجاوز الوقت لمنتصف الليل، كان طقس أغسطس الحار يعلن سيطرته على كل شيء.

وصلنا إلى السيارة المركونة في شارع جانبيٍّ هادئ في صمت. فتح بابه وأشار لي بالدخول. قبل أن أدخل قلت في انفعالٍ مكتومٍ.

-كان فيلمًا يستحق المشاهدة.

قال وهو يدير المحرك، وينظر في ساعته.

-تأخرنا جدًا على الأولاد. لا أعلم لما طاوعتك.

دخلتُ وجلستُ إلى جوار زوجي في صمتٍ. لم أحاول ان أبرّر له أو أشرح أيَّ شيءٍ. تحركت السيارة في سرعة نسبية. فتحتُ نافذتي بحثًا عن بعض الهواء. راقبتُ الطريقَ والمارةَ و اللافتاتِ. وعندما اقتربنا من المنزل. أدركت أن كلَ المشاعر والأفكار التي انتابتني قرب نهاية العرض كانت كظلام قاعة السينما.

ليست إلَّا

هروبًا مؤقتًا.

قد يعجبك أيضًا: حول أزمة القصة القصيرة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ياسمين أحمد مصطفى

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

الصورة: مريم

اترك تعليقا