جون لوك: عملاق الفلسفة (2)

الجزء الثاني

الجزء الأول.. جون لوك: عملاق الفلسفة (1)

عودته إلى إنجلترا

عانت إنجلترا من أزمة اجتماعية وسياسية بالوقت الذي عاد فيه جون لوك إليها عام 1679، وقد تم الكشف عن “المؤامرة البابوية” وهي مؤامرة لاغتيال البروتستانتي تشارلز الثاني واستبداله بأخيه الكاثولوكي جيمس. وعلى الرغم من أن البيئة السياسة كانت خطرة و المؤامرة بأكملها كانت محض افتراء، حاول الملك عدة محاولات للتعامل مع الاضطرابات السياسية المتزايدة. حاول شافتسبري ورفاقه استخدام دستور الدولة لإقصاء جيمس من العرش، حيث سعى مشروعا قانون الإقصاء في عام 1679 و1680 إلى حظر صعود هذا الكاثوليكي للعرش، لكن لم يتم تمرير أي منهما إلى القانون. وبحلول عام 1681 لم يكن تشارلز مهتمًا باستدعاء البرلمان مرة أخرى، وهنا حدث انقسام داخل الحزب اليميني، فحاربهم المعتدلون، وانحازوا لصفّ الملك. أما الراديكاليون الذين مثّلهم شافتسبري وأشخاص آخرون -وربما من ضمنهم لوك- فقد اعتبروا أن سبب حدوث العصيان السياسي كان لمنع جيمس من استلام العرش كملك، وذلك الذي حدث في نهاية المطاف. وبسبب خوف تشارلز الثاني من شافتسبري، قام باتّهامه بالخيانة، لكونه يعد من أخطر أعدائه السياسيين. ولأن شافتسبري يخشى على حياته الآن؛ فرّ إلى هولندا.

قام المتطرفون بالتخطيط لعملية اغتيال، على الرغم من الفراغ السياسي الذي خلفته قيادتهم. وكانت الخطة تتضمن محاولة اغتيال تشارلز وجيمس في راي هاوس شمال لندن وأصبحت معروفة بمؤامرة “الراي هوس”. وفي عام 1683 بدأت الحكومة باعتقال المشتبه بهم فور اكتشاف المخطط والكشف عنه، وفي الواقع لم يكن معروف مدى تورط لوك في هذه الجماعات المتطرفة، ولكنه كان يعرف ما يكفي ليجعله يشعر بالقلق والانزعاج. وبعد ذلك سارع باللحاق بشافتيسبري إلى هولندا، لأنه كان يعتقد أن حياته مهددة بالخطر.
تواصل جون لوك مع المنفيين السياسيين الآخرين في أثناء وجوده في هولندا، وتم تبليغ الحكومة الإنجليزية عن نشاطاته، وتم اتّهامه بمساعدة المعارضين السياسين، ثم طُرد لوك من كلية كنيسة المسيح في نوفمبر 1684، وأُضيف اسمه  إلى قائمة المنفيين الذين كان من المقرر اعتقالهم فور عودتهم إلى انجلترا.
بدأ لوك عام 1685 بكتابة عملٍ جديدٍ حول موضوع التسامح الديني والسياسي، وهو “رسالة في التسامح“. Epistola de Tolerantia
كانت قضية التسامح الديني والسياسي تدور في ذهن لوك منذ أيامه في أكسفورد، وربما كان مصدر إلهامه المباشر هو إلغاء مرسوم نانت في أكتوبر عام 1685 الذي أنهى حق البروتستانت الهوغونوت في ممارسة دينهم في فرنسا التي كان معظمها كاثولوكية.

كتب لوك رسالته باللغة اللاتينية مما يدل على أن أوروبا هي جمهوره المقصود، قدّم العمل الذي كتبه لوك أقوى حجّة لصالح التسامح الديني، وكاد أن يكوّن دائرة كاملة من مسلكيه السابقين في المناشدة الحماسية، فقد دافع عن الحرية المطلقة للضمير، وقال: “قد أصبح ثريًا بفن لا أستمتع به، وقد أتعافى من بعض الأمراض عن طريق علاجات لا أومنُ بها، ولكن لا يمكنني أن أُخلص بدينٍ لا أُومن به، ولا بعبادة أُبغضها “(الأعمال ، السادس ، ص 28). عندما غادر لوك هولندا، ترك المخطوطة مع فيليب ليمبورش، ونُشرت الوثيقة مع ترجمتها باللغة الإنجليزية عام 1689 بالاستعانة بصديقه ويليام بوبل.

كانت الأمور تأخذ منعطفًا غير اعتيادي إلى حد ما عند عودته إلى إنجلترا، حيث سهّلت نجاح الحملة الاستكشافية للملك الهولندي ويليام أوف أورانج في عام 1688 ليصبح الملك البريطاني البروتستانتي، وهروب جيمس الثاني الكاثوليكي لاحقًا؛ عودة لوك وغيره من المنفيين السياسيين الى إنجلترا بشكل آمن.
قام لوك بإعداد المخطوطات النهائية لأعماله الرئيسية بعد أشهر من عودته، حيث نُشرت كلا أُطروحتيه عام 1689 وهما: “مقال في الفهم البشري” و”رسالتان في الحكم المدني“. أصبحت مقالة لوك حجر الزاوية في نظرية المعرفة التجريبية، حيث تجد أن أساس المعرفة يكمن في التجربة، بينما تضع رسالتيه الأساسَ لمعتقداته في “مقالات في القانون الطبيعي” والعقد الاجتماعي وأفكاره حول الأصول ونهايات المجتمع السياسي.
كان يُعتقد لفترة طويلة أن لوك هو الذي كتب الأطروحتين عقب “الثورة المجيدة” للملك ويليام الجديدة عام 1688. ومع ذلك، جادل بيتر لاسليت -وهو باحث معروف في حياة لوك- في كتابتها بين عامي 1679 و 1683؛ مما يجعلها نصوص أكثر جوهرية وراديكالية. وعلى أي حال، فإن الأُطروحتين أساسيتين في تاريخ الفلسفة الغربية.

كتابات ومراجعات لاحقة للمقال:

كتب لوك في أثناء وجوده في هولندا رسائل إلى صديقيه ماري وإدوارد كلارك لتقديم المشورة بشأن تربية وتعليم ابنهما ليصبح رجلًا نبيلًا ونتج عن هذه الرسائل عمل لاحق نُشر عام 1693 لوجود بعض الأفكار فيه متعلقة بالتعليم.
وكان هذا هو ثاني عمل تم نشره باسم لوك، وكان العمل الأول هو مقالة، لكن في البداية لم يكن أيّ من العملين منشورًا باسمه. جذبت بعض أفكار لوك انتباه العديد من أصدقائه، وخاصة أولئك الذين لديهم أطفال صغار، وعلى الرغم من تركيزه المحدود على إنتاج رجل شاب، فقد احتل الكتاب مكانًا رئيسًا في تاريخ الفكر التربوي، ويعكس هذا العمل أيضًا اهتمام لوك الأكبر بتطوير الشخصية الأخلاقية، حيث كان متجذرًا تمامًا في فلسفته التجريبية.
وسرعان ما بدأ لوك في التفكير في مادة جديدة لطبعة ثانية من المقال، وكان جون نوريس هو المعجب الإنجليزي بماليبرانش، وهو أول من نشر الملاحظات النقدية حول المقال. فقد كان نوريس ولوك صديقين، لكن علاقتهما ساءت عندما اتهمه لوك بالخيانة، حيث اعتقد لوك أن نوريس كان يتجسس عليه.
نشر لوك عام 1692 كتاب “رد على تأملات السيد نوريس“، ثم نشر بعد عام وثيقتين تتعلقان بانتقادات نوريس، مقالٌ لبعض كتب السيد نوريس، ودراسةُ رأي نيكولا مالبرانش في رؤية كل الأشياء في الله.
كما أضيفت مراسلة لوك الودية مع ويليام مولينوكس إلى المادة الجديدة التي ستدرج في المقال المنقح. ولقد طرح مولوكس هذا السؤال: هل بإمكان الشخص الكفيف منذ ولادته التمييز بين الكرة والمكعب لمجرد النظر إليهما إذا أصبح مبصرًا فجأة؟

إعلان

ولقد أدت مناقشتهم إلى كتابة لوك فصلًا جديدًا في الطبعة الثانية من مقال “الهوية والتنوع” كما أثارت مولينيو قضايا أخرى، الأمر الذي جعل لوك يعيد النظر في الفصل “من القوة” وتنقيحه بشكل كبير. وقد نُشرت الطبعة الثانية عام 1695 ، كما أن لوك سوف ينشر منطق المسيحية في ذلك العام.
سمحت المزيد من مراسلات لوك بعد نشر الطبعة الثانية بإعادة التفكير في فصول أخرى في المقال، واعتقد أسقف ووستر وإدوارد ستيلينجفليت في البداية أنه لا يوجد شيء مثير للجدل في المقال.
اتخذ جون تولاند “المسيحية ليست غامضة” (1696) مقاربة في اللاهوت، تجاوزت أي شيء قصده لوك في لاهوته. ومع ذلك، تسببت نظرية المعرفة لتولاند المستمدة بشكل كبير من مقال لوك بقلق ستيلينجفليت وسرعان ما قام لوك وستلينجفليت بإغلاق الأبواق حول هذا الأمر في المراسلات العامة، وهذا سيؤدي في النهاية إلى كتابة فصلين جديدين في الطبعة الرابعة من المقال، والذي نُشر عام 1699.

ستؤدي هذه المراسلات أيضًا إلى كتابة الفصل الذي أراد لوك إدراجه في الإصدار الجديد، ولكنه كان يعتبر طويلًا جدًا. لم يُنشر فصل “سلوك التفاهم” الذي بدأه في عام 1697 في حياة لوك أبداً، لكن تم نشره بعد وفاته عام 1706، بناءً على طلب لوك في وصيته.

التقاعد والوفاة

بحلول عام 1700، تقاعد لوك تمامًا من منصبه العام، وبدأ العمل في آخر مشروع نشر رئيسي له، وفي صياغته الجديدة وملاحظاته حول رسالة القديس بولس التي تعكس اهتمامه القديم بتفسير الكتاب المقدس. يعتقد لوك أن رسائل بولس في العهد الجديد يساء تفسيرها من قبل أولئك الذين حاولوا فهم كل آية على حدة، وجادل بأن الرسائل يجب أن تُفهم ككل.
تكشف هذه الكتابة عن الطابع الديني العميق لعقل لوك، حيث عمل لوك على مقطعين دينيين آخرين، تم نشرهما أيضًا بعد وفاته، الأول خطاب حول المعجزات، والآخر أجزاء من الرسالة الرابعة عن التسامح.
أمضى لوك بقية حياته مستريحًا، وفي عام 1704 اعتقد أنه لم يكن لديه الكثير ليعيشه، وفي أبريل من ذلك العام قدم وصيته. وعلى الرغم من تدهور صحته الجسدية، إلا أن عقله ظل يقظًا ونشيطًا. وفي عام 1704 اعترف لوك علنًا بكتابة رسالتين عن الحكومة.
في 28 أكتوبر من عام 1704، شعر لوك بأنه أفضل من المعتاد وطلب الانتقال إلى مكتبه، ولكن بعد فترة وجيزة من إتمامه لوجبه الغداء، وبينما كان يستمع إلى صديق يقرأ له الكتاب المقدس، مات. وتم دفنه بعد ثلاثة أيام في باحة كنيسة الرعية في هاي لافر في إسيكس، حيث لا يزال قبره حتى يومنا هذا.

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

تدقيق علمي: ريهام عطية

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا