تأخذك إلى أعماق الفكر

يوم اختفت الديناصورات

أدلة جديدة على صحة نظرية كويكب الهلاك.

0

ربما لم تشهد الأرض منذ بداية ظهور الحياة عليها حدثًا كارثيًا مثل ذلك الذي شهدته منطقة بوكاتان المكسيكية، في نهاية العصر الطباشيري منذ 66 مليون عام، يوم اصطدم كويكب ضخم ببحر ضحل بالقرب من المكسيك، مقتلعًا صخور القشرة الأرضية في المنطقة، وظلّت ذكرى الحدث خالدة إلى اليوم، في صورة فوهة عملاقة بعمق 2 كيلومتر، وبقطر يصل إلى 180 كيلو مترًا، اندفعت الصخور المقتلعة من الحفرة وقد انصهرت من شدة الصدمة، لتسقط بعدها على صورة أمطار جهنمية من الكوارتز المنصهر، في حين ظلت سحب الغبار عالقة في الغلاف الجوي لسنوات حاجبةً ضوء الشمس عن الأرض، جنبًا إلى جنب مع سحب البراكين التي انفجرت عبر أنحاء الكوكب تجاوبًا مع ذلك الاصطدام الهائل.

كل ذلك بالإضافة إلى موجة مد بحري عملاق، لتشهد الأرض في السنوات التي أعقبت تلك الكارثة سلسلةً من التغيرات المناخية أثرت تأثيرًا بالغًا في التنوع البيولوجي للكوكب، كانت نتيجته فقدان حوالي 75٪ من الكائنات الحية التي عاشت في تلك العصور السحيقة، بعدما فشلت في التكيف مع تغير المناخ، وعلى رأس تلك الكائنات المنقرضة كانت تلك الوحوش الأسطورية؛ الديناصورات، واليوم نستعرض معكم وقائع كشف جيولوجي هام، يلقي المزيد من الضوء على أحداث ذلك اليوم المهول، لكن أولًا تعالوا في البداية نتعرف على أصحاب نظرية كويكب الهلاك.

اكتشاف عائلي

منذ اكتشاف فوهة شيكسولوب الواقعة في ولاية يوكاتان المكسيكية عام 1978 والشكوك تدور حول أن السبب وراء تكوّن هذه الفوهة هو اصطدام كويكب بالأرض في تلك المنطقة، ولعل سلسلة الأحداث التي أعقبت ذلك الاصطدام المروع هي ما تسبب في الانقراض الجماعي الذي حدث في نهاية العصر الطباشيري، وبدأت الأدلة على ذلك في الظهور منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، نتيجةً لجهود عائلة الفاريز؛ الأب لويس الفاريز، والابن والتر الفاريز، اللذان عملا سويًا في قسم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، حين قاما بفحص الطبقات الجيولوجية في المنطقة، والتي تنتمي إلى العصر الطباشيري وعصر الباليوجين، ووجدا أنها تحتوي على تركيزات عالية من عنصر الإيريديوم، وهو عنصرٌ كيميائيٌّ نادرٌ جدًا في قشرة الأرض، إلا أنَّه منتشرٌ في التكوين الكيميائي للعديد من كويكبات الفضاء الخارجيّ.

إعلان

ولمّا كانت الرواسب المُكتشفة من أواخر ذلك العصر تشير  إلى أنَّ الأرض قد شهدت سلسلةً من الموجات الزلزاليَّة الشديدة في فترة انقراض الديناصورات، فقد توقّع العلماء أن تترافق تلك الموجات الزلزالية مع حدوث اصطدامٍ كبيرٍ لكويكب، خصوصًا مع العثور على الكثير من بلورات الكوارتز المضغوط التي عادةً ما تتكون نتيجة تلك الصدمات الهائلة، ممَّا دعّم بقوَّة نظرية انقراض الديناصورات بفعل اصطدام جرم فضائي بالأرض.

العالمان لويس الفاريز إلى اليسار وابنه والتر الفاريز

شكوك حول النظرية

إلا أن القبول الكبير الذي لاقته هذه النظرية لم يمنع ظهور بعض وجهات النظر المعارضة، كما حدث في مطلع عام 2009، حين نُشر بحث في “مجلة الجمعية الجيولوجية” يعارض تلك النظرية، ويثير الشكوك في أنه ربما تكون فوهة شيكسولوب ليست هي فوهة الاصطدام الحقيقية، واستند الفريق في دعواه على أن رواسب فترة الانقراض الجماعي في نهاية العصر الطباشيري بعيدة إلى حد كبير نسبيًا عن الرواسب التي توجد فيها الفوهة، ورغم أن مؤيدي نظرية شيكسولوب برّروا هذا بأن مُسببه كان حدوث زلزال أو تسونامي نتيجة لقوة الاصطدام، فإن الباحثين قد عارضوا ذلك بأن رسوبيات الرمل التي تراكمت فوق رواسب الانقراض لم تترسب خلال ساعات أو أيام، بل على مدى فترة طويلة من الزمن، وعلاوةً على ذلك فإن جميع أنواع المخلوقات التي عُثر عليها في الرواسب السفلية التي قبل فترة الانقراض عُثر عليها أيضًا في الرواسب التي تعود إلى ما بعد تكوّن الفوهة، وهذا يَعني أنها لم تكن مُسبب انقراضهم.

اليوم نحن نمتلك دليلًا جديدًا على صحة النظرية

لكن الأيام الماضية شهدت اكتشافًا هامًا يضيف المزيد من المصداقية على نظرية اصطدام الكويكب عند فوهة شيكسولوب، حيث أعلن فريق من علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات، بقيادة روبرت دي بالما طالب الدكتوراه في جامعة كانساس، والذي يواصل العمل في المنطقة منذ عام 2013، عن عثورهم على كمية ضخمة من الحفريات بمنطقة قريبة من ولاية داكوتا الشمالية، تضم حيوانات الأمونيت الشبيهة بالحبار وأسماكًا وأسنانًا لسمك القرش وبقايا السحالي المائية المفترسة mosasaurs، وجدوا أيضًا العديد من حفريات الثدييات والحشرات، بالإضافة إلى عينات من الراتنج المتحجر المسمى بالكهرمان، والذي احتوى بداخله على بعض الكريات الزجاجية التي تساقطت عقب الانفجار، حيث يعتقد أن موجات المد العملاق التي حدثت في غضون ساعة واحدة من الكارثة قد دفعت بالحيوانات إلى تلك المنطقة التي يشير إليها علماء الجيولوجيا باسم تانيس، والتي كانت في تلك العصور الغابرة مصب نهر يعج بالحياة، يُذكر أن نتائج البحث الذي شارك فيه العالم “والتر الفاريز” قد نشرت في حوليات الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم.

كنز جيولوجي

إن ما يجعل الاكتشاف مهمًا للغاية هو أنه، حتى الآن، كان من الصعب الحصول على صورة لما حدث بالضبط خلال هذا الحدث، لكن من خلال اكتشاف قطرات من الزجاج في حوالي نصف الخياشيم السمكية -وهي سمة من سمات ضربات الكويكبات- يقدم دي بالما أدلة إضافية لتعزيز نظرية الكويكب، منها ارتفاع مستوى الإيريديوم في المادة التي تغطي كتلة الحفريات، حيث كان الإيريديوم هو المادة التي أعطت العلماء في البداية فكرة عن الكويكب. إن الحفريات نفسها في حالة رائعة، حيث يبدو أن آكلات الجيف لم يكن لديها فرصة للتغذية على الحيوانات، على الأرجح بسبب استمرار هطول المواد الناتجة عن الانفجار الهائل، وذلك في الساعات التي تلت اصطدام الكويكب، ومن ثم غمرت الرواسب بفعل موجات هائلة من المياه بالتناوب مع زخات لاحقة من حطام الكويكب والرماد.

 العصر الطباشيري

لكن أين الديناصورات

يقول ديفيد بورنهام -المؤلف المشارك في المقالة-: “حدث الترسيب بسرعة بحيث تم حفظ كل شيء في ثلاثة أبعاد، لم يتم سحقها”، “بحيث بدا الأمر كأنه انهيار جليدي، وبعدها تصلُب تلك الرواسب بشكل يشبه الخرسانة محتفظةً بداخلها بتلك الكائنات، لقد قُتلوا فجأة بسبب تعرضهم للاندفاع العنيف للمياه، لدينا حفرية لسمكة واحدة اصطدمت بشجرة انشطرت نصفين”.

تحتوي الحفريات على مئات الأنواع المجهولة، مما يجعلها كنزًا دفينًا من المعلومات حول الأيام الأخيرة من العصر الطباشيري، بالفعل يساعد هذا الاكتشاف العلماء على ملء الفراغ فيما يتعلق بهذا الحدث المذهل، وقال بورنهام: “لقد فهمنا أن الأشياء السيئة حدثت مباشرةً بعد الصدمة التي أحدثها الاصطدام، لكن لم يعثر أحد على هذا النوع من الأدلة الدامغة”، لطالما تساءل الجميع “طالما أن هذا الانفجار قتل الديناصورات، إذن لماذا لا نعثر على جثثها في كل مكان؟”، حسنًا، لدينا الآن جثث؛ إنهم ليسوا ديناصورات، لكنني أعتقد أنه سيتم العثور عليها أيضًا.

المصادر

https://www.sciencealert.com/catastrophic-new-details-from-the-day-the-dinosaurs-died-uncovered-in-fossils

https://www.washingtonpost.com/science/2019/03/29/fossils-show-world-wide-catastrophe-day-dinosaurs-died/?noredirect=on&utm_term=.e938059af6e8
فريق الإعداد

إعداد: زكريا أحمد عبد المطلب

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...