تأخذك إلى أعماق الفكر

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد

ظلت القضية الفلسطينية هي القضية الأولى والمركزية عند العرب، فرغم كل الخلافات بينهم، لكن تظل القضية الفلسطينية هي القبلة الواحدة الموحِّدة للعرب جميعًا.

لكن بعد مرور حوالي 70 عامًا على احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية أعلنت أكثر من دولة عربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، منها مصر، والأردن، والإمارات، والمغرب، والسودان، والبحرين.

والأهم هو تعالي صيحات تحاول تبرير وشرعنة تقبُّل إسرائيل، ونسيان الماضي، وفتح صفحة جديدة!

والأغرب هي الصيحات التي تنادي بالتخلي عن المقاومة المسلحة، والاكتفاء بالمقاومة السلمية، واستدرار تعاطف العالم، والترويج للقضية الفلسطينية إعلاميًا فقط!

والأعجب هو التطاول على المقاومة المسلحة، وتحميلها مسئولية دمار غزة، واتهامها بالإرهاب، والتبرؤ من حماس!

إعلان

لذلك نحاول هنا تقديم رؤية تاريخية وشرعية وقانونية عن المقاومة المسلحة للاحتلال.

كما نحاول التذكير بجرائم الكيان الصهيوني لإحياء القضية مرة أخرى لتعود لموضعها المركزي.

أولًا: تاريخيًا

  1. مذبحة بحر البقر

بعد احتلال إسرائيل لسيناء، لم تنم أجفان القوات المسلحة المصرية، بل استمرت حرب الاستنزاف تضج مرقد الإسرائيليين، وتكبِّدهم ضربات موجعة، منها معركة رأس العش، والهجوم علي ميناء إيلات، وأهمها إغارة لسان بور توفيق.

فلجأ الإسرائيليون إلى حيلة ناجعة: ارعب الأهالي، حتى يضغطوا على قادتهم لاتقاء شر الإسرائيليين، فيجب أن يعلم المصريون أن الهجوم على إسرائيل سيعود عليهم بالدمار، فليرضوا بالأمر الواقع، ويتقوا شرنا، ليسلموا نارنا.

فقرروا استخدام الطائرات في حرب الاستنزاف لأول مرة، ووسعوا رقعة القتال لتنتشر القوات المصرية في مصر كلها بدلًا من تركيزها على قناة السويس، فقاموا بعدد من الغارات في مناطق الدلتا، والمعادى، وحلوان، ودهشور، وضربوا محطات توليد الكهرباء في نجع حمادي، وقصفوا مصنع أبو زعبل ليقتلوا 70 عاملًا ويصيبوا 69.

وفي صباح يوم الأربعاء ٨ إبريل ١٩٧٠ حلَّقت ٥ طائرات إسرائيلية فوق مدرسة ابتدائية في قرية بحر البقر في محافظة الشرقية، مدرسة مهمشة تتكون من طابق واحد، في قرية نائية، في محافظة بعيدة تمامًا عن أحداث الحرب.

مدرسة لا تحوي إلا أطفالًا في سن السادسة حتى الثانية عشر!

وفي الساعة التاسعة، أي بعد انتهاء طابور الصباح بقليل، دكَّت الطائرات الإسرائيلية المدرسة بكل من فيها، فأحرقت أجسادًا نحيلة، وبترت أعضاءً صغيرة، وشوَّهت وجوها بريئة، حتى أُصيب ٥٠ طفلًا.

كما مزقت أجساد ٣٠ طفلًا ففارقوا الحياة، ولم نتمكن من لملمت أشلائهم لدفنهم، وبالكاد لملمنا كراسة محروقة، وزمزمية طفل مات عطشانًا، ومصحف غارق في الدم، ولعبة عروسة حزينة، جمعنا هذه البقايا في المتحف القومي للشرقية تحت عنوان: “شهداء بحر البقر”.

وقد أرسل أطفال القرية رسالة إلى زوجة الرئيس الأمريكي وقتها (نيكسون)، وسألوها:

“هل تقبلين أن تقتل طائرات الفانتوم أطفال أمريكا؟! أنتِ الأم لجولى وتريشيا، فهل نستطيع أن نذكر لكِ ما فعله زوجك مستر نيكسون؟!”.

كتب صلاح چاهين:

“الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال ..

في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الأطفال ..

إيه رأيك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى ..

دى لطفلة مصرية سمرا كانت من أشطر تلاميذي ..

دمها راسم زهرة، راسم راية ثورة، راسم وجه مؤامرة، راسم خلق جبابرة ..

راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار ..

والدنيا عليهم صابرة وساكتة على فعل الأباليس ..

الدرس انتهى لموا الكراريس”.

وفي عام ٢٠١٣ قامت أم لأحد أطفال الحادث برفع دعوى قضائية مطالبةً إسرائيل بتعويض أسر شهداء ومصابي المجزرة بما لا يقل عن التعويضات التي حصلت عليها إسرائيل من ألمانيا بسبب الهولوكست، لكن لا صدى لصريخ الأم يثلج صدرها.

ورغم أن الحادثة كانت جريمة كاملة ونموذجية؛ طائرة مسلحة غاشمة تقصف أطفالًا أبرياء لا حول لهم ولا قوة، فلا يشوبها شبهة، ولا تحتاج إلى جدال، ولا تفتقر إلى إثبات، إلا أن الأمم المتحدة، ودول العالم المتحضر، ومنظمات حقوق الإنسان، لم تحرك ساكنًا، ولم تشف غليل أم مكلومة، وكل محاولة لاستدرار عطف العالم لم تحرك إلا حبر قلم شاحب على ورقة صفراء يشجب ويدين!

ولم يلتفت العالم إلى معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل إلا بعدما أصبح لمصر سيف يضرب ويوجع في ١٩٧٣.

قال عبد الناصر: “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، وبهذا المبدأ لم تكتفِ مصر برفض الاحتلال إعلاميًا، بل استمرت حرب الاستنزاف بل توقف.

وقال السادات بعد حرب أكتوبر 1973: “أقول لكم بصدق وأمانة: إنني أفضل احترام العالم ولو بغير عطف، على عطف العالم إذا كان بغير احترام”.

إن الجندي الإسرائيلي احتل واغتصب أراضٍ عدة بغير وجه حق، ولم يتراجع خطوة عن أي أرض وطأها، إلا فقط حين وجد سلاحًا أقوى منه يجبره على التراجع، وهو ما لم يحدث قط إلا في أرض سيناء.

  1. مذبحة قرية الشيخ

في ١٩٤٧ اقتحمت عصابات الصهاينة قرية الشيخ في منتصف الليل، وتسللوا حتى دخلوا عشر بيوت، وقتلوا سكانها في مرقدهم، على سرائرهم، في غفلة في أحلامهم، فحصدوا ٦٠ روحًا ورحلوا ليكملوا نومهم!

  1. مذابح حيفا

في 16 يناير 1948 دخل مجموعة من الصهاينة المتخفين في لباس جنود بريطانيين، مخزنًا بالقرب من عمارة، بحجة التفتيش، ثم وضعوا قنبلة موقوتة.

أدى انفجار القنبلة إلى هدم العمارة وما جاورها من مباني، ليسقط أكثر من 31 قتيلًا فلسطينيًا، من بينهم أطفال.

أما المجزرة الثانية، فوقعت في 22 أبريل من العام ذاته، بعد أن هاجم بعض الصهاينة مدينة حيفا، واحتلوا بيوتًا ومباني عامة، وقتلوا 50 فلسطينيًا ممن حاولوا التصدي لهم.

ولم يسلم من حاول الفرار من المدنيين العُزّل من بطشهم، إذ قتلوا حوالي 100 فلسطيني من الهاربين عن طريق الميناء إلى مدينة عكا.

وفي 31 مارس 1948 لغّمت مجموعة صهيونية قطار “القاهرة ـ حيفا” ليسقط حوالي 40 شهيدًا، و60 مصابًا.

في هذا الوقت لم تكن دولة إسرائيل أُعلنت، ولم يعترف بها أحد، بل هي مجرد عصابات صهيونية مسلحة بتمويل بريطاني، تقتل الفلسطينيين الأبرياء، أي أنه هو الصورة المثالية لتعريف الإرهاب: قتل مدنيين عُزَّل لجنسيتهم.

أي أن شهادة ميلاد إسرائيل كُتبت بأيدي إرهابية، بطريقة إرهابية، لشرعنة الإرهاب، لتنتقل من عصابة إرهابية إلى دولة إرهابية.

  1. مذبحة دير ياسين

في 1948/4/9 تحديدًا الساعة الثانية فجرًا اقتحمت القوات الإسرائيلية قرية دير ياسين بهدف إخراج أهلها، واحتلال الأرض، والسيطرة على كل مقتنيات القرية.

وتروي الطفلة نزيهة شهادتها فتقول: فوجئنا بعمي يتدحرج على السلم وهو ملطخ بالدماء، فساعدته جدتي، فصعد على النافذة وحمل سلاحه ليقاوم الجنود، وحين رأوه ألقوا بقنبلة يدوية داخل المنزل، فحطمت جدرانًا ونوافذ وسقط عمي، ثم اقتحموا البيت وضربوا الرصاص على دماغ عمي فتكسرت جمجمته، فحملتني جدتي وحملت أخي عمر، فرآنا صهيوني في الطريق، فأطلق النار على جدتي، فسقطت في بركة دم، وسقط فوقها أخي عمر، حاولت أن أحمله ونهرب، لكن وجدته قتيلًا، وركضتُ إلى بيت خالتي بحثًا عن أمي، فوجدت الجثث أكوامًا أكوامًا أمام البيوت، ووجدت بيت خالتي محترقًا، وعدت لأحضن جدتي في الطريق، وفقدتُ الوعي”(1)!

وتروي زينب سمّور شهادتها فتقول: “رأيت طفلة رضيعة متشبثة بثدي أمها وباكية، فما كان من الجندي إلا أن صوب رشاشه إلى الطفلة وقتلها”(2).

وجمعوا النساء والشيوخ والأطفال في بيت واحد، وجردوا النساء من الحُلي والأساور والقلائد والأموال، ونزعوا الأقراط نزعًا حتى مزقوا آذانهن(3).

ولم يجمعوهم لحمايتهم، ولكن لاستخدامهم في استدراج الأهالي لفتح البيوت، فكانوا يأخذون الطفل لينادي على الأهالي من الخارج، فيفتحون الباب من الداخل، ليفاجأوا بالصهاينة يملأون البيوت!

كما استخدموا النساء دروعًا بشرية أثناء الاقتحام!

وبعد انتهاء المجزرة وضعوهم في شاحنات وخيروهم: تفضلوا الموت بالشنق أم الحرق؟!

وطافوا بهم في الشاحنات على الصهاينة، فانهالوا عليهم بوابل من السب، والقذف، والبصق، والحجارة!

حتى عرض واحد من الجمهور عرضًا على ضابط: “خذ عشرة جنيهات واعطني أسيرا أقتله”!

وينقل (دو رينييه)، ممثل الصليب الأحمر في القدس، شهادته فيقول: “الجنود الذي قاموا بالعملية كان معظمهم في سن المراهقة، وقد أرتني إحدى الجنود المراهقات سكين سلاحها وهو لا يزال يقطر دمًا متفاخرة بشجاعتها.

وحين دخلتُ البيوت رأيتُ نمطًا متكررًا يثبت أنهم قد قتلوا سكان القرية بالرشاشات أو القنابل اليدوية، ثم ذبحوهم بالسكين”.

وكان نتيجة هذه المجزرة سقوط ٢٥٤ شهيدًا على أقل تقدير.

  1. مذبحة قرية أبو شوشة

في 1948/5/14 اقتحمت القوات الصهيونية قرية أبو شوشة ليلًا ليعلنوا لأهل القرية: إما الموت أو الرحيل، لكن سكان القرية اختاروا الموت شرفاء، فقاوموا بالحجارة عدًوا مسلحًا لم يعرف الرحمة.

لم يكتفِ الصهاينة بقتل الأهالي، بل جعلوهم عبرة لمن بعدهم، فقتلوا الشيوخ وتركوا جثثهم في الشوارع، وقتلوا كثيرين بالبلطة لا الرصاص، وأخذ أحد القتلة طفلًا من أمه ورفع بلطة وانهال بها على رأسه فانفلق ومات الولد على الفور.

تكررت عملية الترويع على هذا النسق حتى جاء اليوم الذي نودي فيه على من تبقى من سكان القرية لكي يخرجوا من دورهم، وحين استجابوا وجدوا أنفسهم محاصرين بين صفين من الجنود، وطُلب منهم مغادرة القرية، ولم يُسمح لأحد بأن يحمل شيئًا معه. ولحثّهم على الإسراع بالخروج أطلق جنود الصهاينة الرصاص بين أرجلهم فأُصيب كثيرون وأُجهضت سيدات وهرول الجميع هربًا من الموت.

وحصدوا ٥٠ روحًا صعدت إلى بارئها لتنال ثواب الشهادة.

ومن المفارقات أنه في تمام الساعة الواحدة ظهرًا في هذا اليوم، أي بعد عدّة ساعات من المجزرة كان مجلس قادة الصهاينة يعلن في تل أبيب وثيقة (دولة إسرائيل)، ووعدت الوثيقة العرب الساكنين ضمن حدود الدولة الجديدة، والتي كان أهل أبوشوشة ضمن حدودها، بالمواطنة التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسسات الدولة!

  1. مذبحة الطنطورة

بعد أسبوع من إعلان قيام دولة إسرائيل، تحديدًا في ليل 22 مايو 1948، هاجمت القوات الإسرائيلية قرية الطنطورة، وجمعوا سكانها في صورة مجموعات من 6-10 أفراد، وأجبروهم على حفر مقابرهم بأيديهم، ودفنوهم فيها!

وحصدوا 250 نفسًا بريئة، ليقيموا في النهاية موقف سيارات للشاطيء!

  1. مذبحة قبية

في مساء يوم 14 أكتوبر 1953، حاصرت وحدة عسكرية إسرائيلية بقيادة شارون، وبدأت بقصفها، ما أجبر السكان على البقاء داخل بيوتهم.

بعد ذلك أخذت الوحدة تتنقل من بيت إلى آخر لتصفي من في البيوت بهدوء ودم بارد، وتخلل ذلك إلقاء القنابل داخل البيوت، وإطلاق النار عشوائيًّا عبر الأبواب والنوافذ المفتوحة، وإطلاق النار على كل من يحاول الفرار.

نسفوا 56 منزلًا، ومسجدًا، ومدرستين، وخزان مياه، وقتلوا 67 شهيدًا، وجرحوا مئات.

ومن المشاهد المؤلمة امرأة من أهل القرية، وهي تجلس فوق كومة من الأنقاض، وأمامها قد برزت من تحت الأنقاض يد وأرجل صغيرة من أشلاء أولادها الستة، وأمامها جثمان زوجها ممزقًا من كثرة الطلقات النارية(4).

  1. مذبحة خان يونس

في 12 نوفمبر 1956 اقتحمت القوات الإسرائيليلة مخيم خان يونس، وهو مخيم للاجئين جنوب غزة، بحثًا عن مسلحين، وأعدمتهم فور أن وجدتهم، وجمعوا عدد كبير من الرجال من سن 16 حتى 50 عامًا، وأبادوهم جميعًا، فقتلوا 250، وبعد تسعة أيام من المجزرة، 12 نوفمبر، نفذت وحدة من الجيش الإسرائيلي مجزرة أخرى راح ضحيتها 275 شهيدًا من المدنيين في نفس المخيم، كما قتلوا أكثر من مائة فلسطيني آخر من سكان مخيم رفح للاجئين في نفس اليوم!

وقد قبَّلت امرأة أيدي وأقدام أحد الجنود من أجل عدم قتل ابنها ذي الستة عشر عامًا، وأحضرت أوراقًا تثبت أنه طالب مدرسة، لكنه أطلق الرصاص عليه!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظه

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.