تأخذك إلى أعماق الفكر

هوامش فكرية بين المعتزلة والأشاعرة

إن إلقاء بضع من تدفقات موجات الضوء علي ملامح الفكر الإسلامي، خلال بعض الهوامش التعريفية المختصرة، لَمِن الإضاءات الهامة لإثارة الذهن، ولفت الإنتباه لضرورة نشاط الفكر وفاعلية الجدل، ولكم أبرز الفرق الكلامية في تاريخ الفكر الإسلامي .

نشأة الجدل الكلامي لم تكن فترة الدعوة الإسلامية -صدر الإسلام- تعرف أي نمط من أنماط الجدل الكلامي وما يماثل اللا هوت المسيحي، وذلك يرجع لوجود قائد ومؤسس الدولة الجديدة (نبي ديني ورمز سياسي) وما يمثله من رمزية ومرجعية، بالإضافة إلى أن تلك الحقبة كانت تعبر عن حالة تغيير جذري في طور القبائل إلى طور الوحدة والدولة، ولذلك كان الوضع مازال غير مستقر، وظلت الحروب والصراعات بين القبائل هي المهيمنة علي الوضع حتي بعد موت النبي، واستمر الوضع في حاله حرب أهلية من -حروب الردة إلى الفتنة الكبرى من عثمان مروراً بين علي و معاوية، إلي حرب لخليفة الأموي عبدالملك بن مروان والصحابي المكي عبدالله بن الزبير-

وفي ظل زعامة بني أمية اندلعت العديد من الثورات مثل ثورات الأشعث والخوارج وفرق شيعية زيدية، وفي ظل تلك الفترة من أواخر القرن الأول الهجري بدأت ملامح علم الكلام في الظهور والتبدي مع موضوع -حكم مرتكب الكبيرة- التي بدأها بعض من الخوارج وأثارت جدلاً كلامياً وفكرياً واسعاً، ومن أول القضايا الكلامية أيضا والتي تعلقت بإشكاليات -صفات الله- فنرى علي سبيل المثال أن الميل لإنكار القدر والتأكيد علي خلق الإنسان لأفعاله جاء كأحد الجدل الفكري المقاوم، وذلك على لسان معبد الجهني و غيلان الدمشقي، إذ كانت الخلافة الأموية تناصر فرق الإرجاء ومذهب الجبرية وذلك لتبرير رفض الخروج على الحاكم بدعوة أنها ضد إرادة الله .

وبذلك تظهر أهمية مدارس علم الكلام والتي إنتهجت الإستدلال العقلي داخل النص لإستنباط أسس العقيدة الإسلامية، وبالرغم أن علم الكلام والجدل العقلي لاقى رفض بعض الأوائل – خاصة أهل الحديث – ووصل الأمر إلى حد التكفير، ومن هنا نستعرض بعض الهوامش بين فرقتين ( المعتزلة / الأشاعرة ) وهم أبرز أهل الكلام.

هامش (١) أصل و نشأة :

المعتزلة : تعد من أكبر المدارس الفكرية الإسلامية زيعاً وأكثرهم جدلاً، إختلفت المصادر حول أصل نشأتها.
ومن أشهر الأقوال عن نشأتها وسبب تسميتها، أن عند إختلاف واصل بن عطاء مع أستاذه حسن البصري (التابعي) حول حكم مرتكب الكبيرة – وكانت من أبرز المسائل تناولاً في الصراع الفكري الحادث بعد النزاع بين علي ومعاوية – وتنص تلك الرواية على إعتزال واصل بن عطاء وصديقه عمرو بن عبيد حلقات شيخهما، وذلك لإختلافهم وقولهم أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين ( لا مؤمن ولا كافر ) وقال قوم آخرين أن أصل النشأة جاء من الصحابة الذين اعتزلوا القتال بين علي ومعاوية وأصحاب موقعة الجمل، وقول ثالث يرجح بأنهم قوم زاهدين اعتزلوا متاع الدنيا .
ومن أشهر أعلام المعتزلة .. ” الكندي .. أبو علي الجبائي وابنه هاشم .. بشر بن معتمر .. القاضي عبد الجبار .. الاصم .. الزمخشري .. العلاف.. النظام .. الجاحظ .. زيد بن علي زين العابدين .. ابن الخياط ”

إعلان

الأشاعرة : ينسب الفكر الأشعري إلي أبي الحسن الأشعري كما يطلق عليه “شيخ طريقة أهل السنة ” وقد ذُكر أن مذهبه ومن أتبعه ، هم أول مَن أطلق عليهم لقب أهل السنة والجماعة، وقد جاء الأشعري بعد أن ظهرت المدارس الفكرية الإسلامية ( خوارج .. شيعة .. معتزلة.. مرجئة) ، وقد كان الأشعري علي مذهب الاعتزال وظل معتنقه حتي روي أنه غاب عن الناس الذين كانوا يحضرون مجلسه مدة من الزمان قضاها في البحث والتأمل ثم خرج إليهم فقال ” إنما غبت عنكم هذه المدة لأني كانت قد تكافأت الأدلة عندي فاستخرت الله ثم استعنته ثم أغلقت بابي وتأملت حتي أبدي الله لي الحق الذي هداني اليه .. وأنا خالع ثوب الاعتزال كما أخلع ثوبي هذا ” .. وإعتمد بعد ذلك موقف الوسط بين أهل الأثر وأهل العقل .
ومن أشهر أعلام الأشاعرة .. ” أبو بكر الباقلاني .. الشهرستاني .. الجويني.. ابا حامد الغزالي .. ”

هامش(٢) منزلة العقل

يشترك المذهب الأشعري في التفضيل من شأن العقل، مع مذهب المعتزلة الذين يدافعون عن العقائد بالنظر والاستدلال العقلي، فيتفقوا أن المعرفة الإلهية واجبة لأن الايمان يستوجب المعرفة والاقتناع والتصديق المبني علي الادراك العقلي، ولكن ما يُفرق بينهم أن الاشاعرة تقترب من مذهب الأثر وتعتمد علي النقل، علي خلاف المعتزلة الأكثر بُعداً عن النصية
( الماتردية أعلى مرتبة من الأشاعرة في تفضيل شأن مكانة العقل من النقل في الفكر الإسلامي).. والأشاعرة تقدم النص علي العقل عند توهم التعارض لأن الإعتماد علي العقل وحده يؤدي إلى الضلال، وهذا ما لا نجده عند منهج المعتزلة الذين قدموا الإستدلال العقلي علي النص، بذلك تأسس منهج المعتزلة علي العقل .

هامش(٣) التصور الكلامي عن الذات والصفات

يسلك أهل الكلام منهج الاستدلال العقلي في العقائد ، وكان مبحث التوحيد بحثاً كلاميا بشكل جدلي ، إعتمدوا به علي مصطلحات فلسفية وصيغ منطقية كلها تبرهن وتثبت وجود الله ، ومع اتفاقهم علي وحدانيته ، إختلفوا حول علاقة ذاته بصفاته وأسمائه .

ونبدأ بالمعتزلة مؤسسي علم الكلام، حيث إتخذ أهل الاعتزال التوحيد كـ أول أصل عقائدي لهم كما رتبه القاضي عبد الجبار وعلم التوحيد عندهم يبني علي التنزيه المطلق للذات الإلهية ونفي المثلية عنها بأي وجه من الوجوه ” ليس كمثله شئ “، وفي إطار هذا التنزيه المطلق نشأت عندهم مباحث متعددة كمبحث الذات والصفات وأجمعوا ان الله واحد ليس كمثله شئ ليس بجسم وأن ذاته لا تدرك بالحواس وأن الله منزه عن عوارض المادة وخواصها ، تام الكمال وأزلي الوجود ومحدث الأشياء وليس بمحدث منزه عن كل صفات الحدوث ، ويشاع عن المعتزلة نفيهم للصفات الإلهية والاسماء وذلك غير صحيح ، لأنهم ذهبوا إلي الجمع بين ذات الله وصفاته (وحدة الذات والصفات) وقالوا صفاته هي عين ذاته ،وقال بعضهم .. ” هي صفات مستحقة لمعان لا توصف بالوجود ولا العدم “، وهذا الاتحاد بين الذات والصفات يرجع لموقفهم في أصل التوحيد وتنزيهم وتجريدهم للذات الإلهية ، فاعتبار الصفات مستقلة عن الذات يؤدي الي القول بقدم الصفة وبذلك يقع في الشرك والتعدد في نظر المعتزلة ، وإذ قيل أن الصفات محدثة أصبحت ذات الله محلاً للحوادث، وما كان محلاً للحوادث فأولى به أن يكون هو نفسه حادثا .

وبذلك استمسكوا بآيات التنزيه وحمل الآيات الأخري عليها بالتأويل والقول بالمجاز ، وذلك بسبب وجود آيات قرآنية تشير إلى التجسيم مثل الاستواء على العرش وإثبات الوجه واليد والساق وهو ما يتعارض مع التنزيه ، وذلك ما دفعهم لنفي التجسيم بغرض التنزيه فلجأوا للتأويل العقلي بما يتوافق مع اصل التوحيد ، فمثلا : الاستواء : “الرحمن على العرش استوى” فسروا الاستواء بمعنى الاستيلاء والغلبة على العالم
‎اليد : ” يد الله فوق أيديهم” فسروا اليد بمعنى القوة والنعمة نسبة إلى دلالة اللغة التي ترى مثلا أن ما لي على هذا الأمر يد أي قوة .. وبذلك ذهبوا الي القول بأن ذات الله وصفاته شئ واحد فالله حي عالم قادر بذاته لا بعلم ولا بقدره ولا حياة زائدة عن ذاته وأن ذلك يصدق علي الاجسام والله منزه عن ذلك ، وعلي أثر مسألة الصفات نتج عنها قضيتين خلافيتين *ابصار الله (رؤية الله في الاخرة) * وقضية خلق القرآن

الأشاعرة والذات والصفات:

‎لم يختلف الأشعري عن المعتزلة وعن سائر الفرق الكلامية في أن العقل وليس النقل هو طريق معرفة الذات الإلهية والبرهنة على وجودها وعلى ما تتصف به من صفات
‎ويعتمدوا على أهم صفة ثبوتية لله وهي أنه واحد .. والله الواحد عند الأشعرية هو منزه عن شبه المحدثات مبرئ من التجسيم والتجسيد والحلول والاتحاد على النحو يذهبه المجسمة النصوصيين والصوفية الحلولية ومن ثمة فهو منزه عن التحيز في الجهة أو المكان ..
وقد اخذت الاشعرية موقف الوسط بين النقل والعقل ولكنهم غلبوا النقل في موضع الصفات بخلاف المعتزلة وبذلك حاولت الأشعرية أن تتخذ موقعا وسطا بين المشبهة والمعتزلة .. والمشبهه هم من قالوا بأن الصفات غير الذات إلى حد أنهم قالوا أن الله جسم لا ككل الأجسام وله وجه لا ككل الوجوه وله يد لا ككل الأيادي ..

‎وبذلك ذهبت الاشاعرة الي اثبات سبعة صفات لله ” العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر وقالوا بأن الله لا يشبه شيء وقالوا أن هذه الصفات قائمة بذات الله أي أنها ليست عين الذات ولكنها ليست غير الذات .. وهكذا الموقف الاشعري يتخذ الغموض بين نقيضين..

هامش(٤) رؤية الله / خلق القرآن

في ضوء ما سبق ذكره حول جدل الذات والصفات الإلهية، تخرج منها إشكاليات اعتقادية مثل مسائل -خلق القرآن / وإبصار ورؤية الله، وموضوع خلق القرآن يرتبط بإشكالية -هل كلام الله حادث أم قديم؟!- ولأن النص القرآني يحتوي علي آيات تؤكد على فكرة -التنزيه- وقوله.. ” ليس كمثله شئ ” ومن جانب أخر توجد الكثير من الآيات التي تشير إلى أسماء وصفات لله مشابهه للبشر -تشبيه- مثل “سميع بصير/يد الله “، وينطلق موقف المعتزلة من أصل التوحيد والتنزيه المطلق للذات الإلهيه ورفض التشبيه وتعطيل الأسماء والصفات الدلة علي ذلك ومحاولة تأويل كل ما ورد ذكره في القرآن لمعاني مجازية، وأما موقف الأشاعرة فينطلق من محاولة توفيقية، إذ أنهم يثبتون صفة الكلام -إذ يكون النص القرآني “كلام الله ” قديم مثله تماما ، فيحاولون الابتعاد عن موقف التشبيه لاهل السنة والحديث فكلام الله عندهم مسموع حرفاً وصوتاً- وتفادياً للوقوع في القول بالتشبيه ذهبوا بالقول أن الكلام عبارة عن معني نفسي ومعني لفظي ، وكلام الله معنى واحد قائم بالنفس ،وبذلك فرقوا بين المعني واللفظ للكلام ، فكلام الله معني أزلي في اللوح المحفوظ أما اللفظ فحادث ومخلوق ، فيتمثل عبرانيا ويكون توراه، سيريانيا ويكون انجيل ، عربياً ويكون قرآن.

وتشتهر مسألة خلق القرآن في التاريخ الإسلامي حيثُ محنة خلق القرآن في العصر العباسي عندما اتبع الخليفة المأمون عقيدة المعتزلة ومارس الاضطهاد العقائدي ضد كل مخالف لأصول عقائد المعتزلة والاقرار بأن القرآن مخلوق حادث وظل الوضع في عصر المعتصم والواثق إلى أن جاء المتوكل وناصر منهج السنة والأشاعرة.

وعلي نفس المنهج يكون موقف الفرقتين من موضوع رؤية الله في الأخرة ، فتذهب المعتزلة إلى إنكار إمكانية الإبصار وذلك تبعاً للتنزيه المطلق ، بينما تجيز الأشاعرة إمكانية الإبصار ، مع محاولتهم التأويلية لعملية الإبصار وذلك أيضا تفاديا للوقوع في التشبيه.

هامش(٥) حرية الإرادة الإنسانية

يذهب المعتزلة الي القول بحرية الارادة المطلقة وان الانسان خالق أفعاله، وأن القدر الالهي لا يتدخل في إرادة الانسان، وذلك كان نتيجة ورد علي مذهب الجبر والاعتقاد السائد في العصر الأموي بأن الناس مجبولة على أفعالها، ويرجع إطلاقهم لحرية الانسان والاختيار إلي الاصل الثاني في اعتقادهم ” العدل ” وبمقتضاه الايمان بعدم جواز القبح والجور والظلم علي الذات الالهية وارتباطا بأصل التوحيد فقد حملهم التنزيه علي نفي خلق الله لافعال البشر لانه لا يليق بتنزيه الله ان يعاقب الانسان علي ذنب لا إرادة له فيه والظلم لا يقع من الله ..
اما الاشاعرة فالعدل عندهم هو التصرف علي مقتضي الحكمة الالهية ،و قد رفضوا بأن يكون الانسان له قدرة وإرادة مستقلة عن قدرة الله وإرادته كما ذهبت المعتزلة ،وقالوا بنظرية الكسب بان الانسان يكسب افعاله بإرادتهويحاسب عليها بذلك الكسب ،وبذلك كان موقف الاشعري الذي رفض الحرية المطلقة ولم يقبل ايضا بالجبر المحض ،اذ فرق بين الأفعال الإضطرارية والأفعال الاختيارية، الأولى يعجز الانسان عن ردها ، والثانية يقدر عليها الانسان غير أنها مسبوقة بإرادة الله حدوثها واختيارها، وبهذه القدرة الحادثة يكتسب الإنسان أفعاله ، فالفعل المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة.

هامش(٦) الاقتران والعادة و مذهب الطبائع

يذهب الاشاعرة وعلي رأسهم أبا حامد الغزالي الى رفض وجود علة فاعلة للاسباب في الاشياء والموجودات الطبيعة ويرجعها الي مجرد اقتران وعادة يربطها العقل ، فالاسباب تقارن المسببات ولكنها ليست علة لها وبذلك يجعل العلاقة بين الاسباب مجرد عادة ، ورفض الغزالي كل الاسباب الطبيعية وقال بوجود فاعل واحد مطلق ” الله ” …فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما نراه من إحراق إنما هو عادة فقط وليس ناشئًا عن علة في النار ، فالنار لا تحرق ولكن الله وحده الذي يحرق ، السكين لا تقطع بل الله الفاعل وبذلك ابطلوا طبائع الأشياء وانكروا علاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة ، واطلق البعض عليها كارثة الاشاعرة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.