تأخذك إلى أعماق الفكر

نكش الأرشيف: حكاية أمل دنقل المثيرة.. كما رواها بنفسه

نجيب محفوظ لا يستحق الرثاء والشعر بديل الانتحار

كانت رحلة حياته قصيرة، لكنها كانت استثنائية، مدهشة، وغير اعتيادية، استطاع في 43 عامًا فقط أن يقيم الدنيا ويقعدها، وأن يحول الشعر إلى سلاح، وأن يخوض المعركة تلو الأخرى، بنفس القوة والقدرة والإصرار إلى أن وافته المنية في مايو من عام 1983 ليترجل الفارس أخيرًا عن فرسه، وليبدأ فصلًا جديدًا من فصول أسطورته.
كان أمل دنقل شاعرًا مميزًا، يُحتفى بشعره من المحيط إلى الخليج، غير أن الموت الذي اختطفه مبكرًا حوله من مجرد شاعر إلى أيقونة شعرية، إلى أمير من أمراء الشعر تبدأ الحديث عنه دومًا بسؤال كبير، ماذا لو عاش أكثر؟

إن الكثيرين من معاصري أمل أو من الأجيال التالية لم يتوقفوا أبدًا عن الكتابة عنه، أو عن تجربته الشعرية، إن عشرات الكتب المهمة، الدراسات، المواد الصحفية والأفلام الوثائقية جعلت من أمل دنقل مادة للحديث الذي لا ينقطع عن الشعر والناس والثورة، غير أنه ووسط كل هذا الضجيج يكاد صوت أمل يختفي، تكاد حكايته عن نفسه تضيع وسط كم هائل من حكايات الآخرين عنه، قبل عامين كتبت هذا التقرير بهدف نقل رواية أمل دنقل عن نفسه وعن شعره، لا كما رواها الآخرون، إنما كما رواها هو عن ذاته، كتبت هذا التقرير وظل حبيس الأدراج لأشهر ثم فجأة قفز إلى رأسي، دون مناسبة، ودون سابق إنذار، فرأيت أن أنشره كما هو، وأن أطلقه من قفصه أخيرًا، فأمل لم يكن يحب الأقفاص.

الشعر من أجل الحب الأول

البداية كانت من أقصى الصعيد، حيث كتب أمل دنقل الشعر للمرة الأولى وعمره 16 عامًا، لم يكن يريد أن يصبح شاعرًا كان أميل للرواية أو القصة، غير أن الحب حول مساره يقول في حواره مع وليد شميط في الأسبوع العربي اللبنانية عام 1974: “كنت أحب أن أكون قاصًا أو روائيًا، وبطبيعة نشأتي المنزلية كنت متفوقًا في اللغة، وفي السادسة عشرة من عمري واجهت للمرة الأولى تجربة عاطفية مما يعبر في حياة الشباب في ذلك السن، لم يكن من الممكن التعبير بشكل روائي أو قصصي، لم تكن هناك قصة مكتملة، مجرد مشاعر تنتابني عندما أرى فتاتي الأولى؛ لذلك كان الشعر هو أقرب الوسائل للتعبير عن هذه الانطباعات”.

ولم تكن بداية أمل متوهجة ولم يقابل شعره الأول بحفاوة أو تقدير “أول مرة عرضت فيها أشعاري الأولى على أستاذي وكان شاعرًا، أجابني ما معناه أن من الخير لي أن أترك الشعر لأني لن أكون شاعرًا أبدًا، أحسست بالتحدي وبأن كرامتي قد أهينت، سألت بعض أصدقائي المهتمين باللغة والشعر، فأخبروني بأن العرب يقولون أن من حفظ ألف بيت صار شاعرًا، قررت أن أحفظ ألف بيت وأخذت أستعير الدواوين الكثيرة، ولأنه كان من الصعب الاحتفاظ بها فقد استنسختها، ولا تزال دواوين المتنبي، والبحتري، وأبي نواس، وامرئ القيس، وأشعار شوقي وحافظ ومطران وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي منسوخة بخط يدي، وفي العام التالي تقدمت بإحدى قصائدي الجديدة للأستاذ نفسه فأبدى دهشته الشديدة لتقدمي وأحسست أني حققت انتصارًا، لكن شعري بقي منغلقًا في دائرة همومي الذاتية”

الشعر أو الانتحار

وإذا كان أمل دنقل قد بدأ كتابة الشعر من مربع الهموم الذاتية، فإنه ما لبث أن غادره مبكرًا، لينحاز بشعره إلى الهموم العامة يقول في حوار مع أماني السيد لمجلة اليقظة الكويتية عام 1977 “بدأت علاقتي بقضايا المجتمع والوطن عندما حضرت إلى القاهرة وكانت هذه هي نفس السنة التي اعتقل فيها الشيوعيون عقب خلاف عبد الناصر مع عبد الكريم قاسم .. ورغم أني لم أكن متعاطفًا مع الشيوعيين إلا أني رأيت أن لجوء الحاكم إلى مصادرة الحريات يخلق أثارًا سلبية عميقة في المجتمع خاصة إذا كان هذا الإرهاب موجهًا ضد كتابه ومفكريه وليس ضد منظمات تحمل السلاح فعلًا، فكتبت عدة قصائد تندد بالحكم المطلق ونشرت بعضها في جريدة الأهرام عام 1961 وكانت نهايتها قصيدة اسبارتكوس عام 1961، ولكني فوجئت عند خروج الشيوعيين من المعتقلات أنهم يسبحون بحمد النظام الذي صادر حرياتهم خمس سنوات، ووقعت في حيرة كانت نتيجتها أن انقطعت عن كتابة الشعر منذ عام 1963 حتى 1966” ويروي أمل دنقل في حوار أخر تفاصيل هذه الفترة العصيبة من حياته فيؤكد لوليد شميط أنه كان على شفا الانتحار “انقطعت عن كتابة الشعر من عام 1963 إلى 1966، وصلت إلى حافة الانتحار، خاصة وأنني كنت قد انتقلت إلى مدينة السويس وهي مدينة تحمل اليوم أوسمة كثيرة في النضال العسكري لكنها كأية مدينة صناعية تعيش تناقضات رئيسية وعميقة فرضتها الصناعة على أناس ينحدرون جميعًا من أصل ريفي، ولم يكن في السويس أي جو أدبي أو ثقافي، حاولت أن أجمع بعض الشباب المهتمين بالثقافة والأدب لكنهم كانوا تحت مستوى النضج، ومن هنا كان قراري بالانتحار في نهاية تلك الفترة، ولكني سألت نفسي سؤالًا: إذا كنت أنوي الانتحار فلماذا لا أنتحر بطريقة أخرى؟ أي أن أعود إلى الكتابة وأقول رأيي وليكن ما يكون وتمثلت بيت الشعر، أنت إن سكت مت، وإن نطقت مت، فقلها ومت”

إعلان

النكسة

وبعد أقل من عام على عودة أمل دنقل لكتابة الشعر مرة أخرى، اهتز المجتمع المصري بقوة وسقطت العديد من القيم والرؤى بفعل نكسة عام 1967، ورغم أن كثير من النقاد يرون أن النكسة أثرت في شعر أمل دنقل، أو أنها كانت من أسباب صنع أسطورة شعره وتبلور تجربته الشعرية، إلا أنه رفض هذه الرؤية في حوار مع أحمد إسماعيل أجرته جريدة صوت الجامعة عام 1976 حين قال: “لقد حرصت في ديواني الأول على أن أؤرخ للقصائد التي يحتويها، إن النكسة لم تفعل أكثر من أنها أثبتت أن إحساسي بانهيار المجتمع كان صادقًا، إن الذين كانوا يعصبون عيونهم عن رؤية الكارثة المقبلة بصفحات التمجيد في الجرائد وجعجعة “صوت العرب” وطنطنة “الاتحاد الاشتراكي” اكتشفوا فجأة أن ما كنت أكتبه منذ عام 1962 هو الرؤية وليست أشعار السد العالي”

ورغم رفض دنقل للحديث عن النكسة كمؤثر رئيسي في تجربته الشعرية، على اعتبار أنه كتب قبلها كثيرًا عن الانهيار المجتمعي وتوقع الهزيمة القادمة، إلا أن أحدًا لا يمكن أن ينكر أن هذه النكسة وضعت الشاعر الشاب حينها في صدام كبير مع السلطات، ولا يمكن لأحد أن ينكر أيضًا أن أمل صار أكثر اشتباكًا مع الواقع منذ هذا الزلزال الضخم، أو لنقل أن السلطة إلى جانب المجتمع الثقافي المصري أصبحا أكثر تنبهًا لما يقوله هذا الفتى من لحظة النكسة، فمنعت الرقابة نشر قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” عقب الهزيمة، لكن المجتمع الثقافي والشباب تداولوا هذه القصيدة بقوة، “فجأة أصبح شعري بين إخواني الشباب الذين شجعوني كثيرًا، وجعلوني أحب الانتماء الحقيقي إلى جيلي، وعندما وصلت نسخ ديواني الأول -طبع في بيروت- إلى القاهرة نفدت في أيام معدودة، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أوالي الكتابة حول ما يجب أن تكون عليه الأمور لكي نحقق نصرًا كاملًا ضد الرجعية والتخلف والتحدي الإسرائيلي، لم أكن انهزاميًا لأنني أؤمن أن مصر باقية وأنها تنجب دائمًا قادة ومقاتلين وفنانين يستطيعون قيادتها إلى العزة والمجد، إن الهزيمة في ذلك الوقت كانت عارضة في حياة مصر وإن هزيمة إسرائيل ممكنة لو أن مصر اتخذت خطًا معينًا في الحضارة والاقتصاد”

يؤمن أمل إذًا بمسألة الكتابة حول ما يجب أن تكون عليه الأمور، يؤمن بمسؤولية الكاتب والمثقف تجاه مجتمعه يؤكد على هذه المسؤولية فيقول لجهاد فاضل في حوار أجرته مجلة الحوادث اللبنانية قبل شهور من وفاته عام 1983: “الشاعر في العالم العربي وفي ظل الظروف الاجتماعية والسياسية السائدة مطالب بدورين: دور فني أن يكون شاعرًا، ودور وطني أن يكون موظفًا لخدمة القضية الوطنية، ليس عن طريق الشعارات السياسية وليس عن طريق الصياح والصراخ، وإنما عن طريق كشف تراث هذه الأمة، وإيقاظ إحساسها بالانتماء، على الشاعر أن يلعب دور الشاعر والمفكر أيضًا، وأن يستنهض كل الذين يرون أن مهمة الشاعر مهمة مثالية: أن يكتب الشعر فقط، إنهم قاصرون في هذه النظرة، فالشاعر لكي يكتب الشعر ولكي يكون شاعرًا حرًا يجب أن يكتب انعكاسات وجدانه الحقيقية، ولا يمكن لإنسان أن يعيش في ظل ظروف التخلف الذي نعيش فيها، يكتفي بمجرد الإحساس بالجمال المطلق، لابد أن يعيد اكتشاف الجمال الموجود في الواقع الذي يراه والذي يعيشه وليس أن يعيش في واقع أخر يستعيره ثم يلبسه ثوبًا عربيًاَ!”

ولعل هذه الرؤية حول مسؤولية الشاعر، والتي تمسك بها أمل حتى أخر لحظات حياته تفسر بشكل كبير تجربته الشعرية من ناحية، ومحطات وصدامات كبرى في حياته من ناحية أخرى، لعل أبرزها تجريده من عضوية الاتحاد الاشتراكي وحرمانه من حقوقه السياسية عام 1973، وخلافه السياسي الحاد مع نجيب محفوظ، وخلافه الشعري الحاد مع أدونيس ومن يحاولون تقليد أسلوبه.

حرمان من الحقوق السياسية

كان الاتحاد الاشتراكي هو التنظيم السياسي الوحيد في مصر بعد قيام ثورة يوليو وحل الأحزاب السياسية، وكان أمامك خيار من اثنين، إما أنك عضو في الاتحاد الاشتراكي، أو أنك لا تمارس أي حق سياسي، لأنه بالضرورة ليس هناك تنظيم أخر يمكنك الالتحاق به، في عام 1973 جرد الاتحاد الاشتراكي أمل دنقل من عضويته، وكان أمل يعتقد أن هذا القرار جاء بسبب قصيدته “أغنية الكعكة الحجرية” والتي كانت تمثيلًا في هذا الوقت لما يعتقده من مبدأ مسؤولية الشاعر، يقول أمل: “أثناء مظاهرات الطلبة سنة 1972 ذهبت بدافع الفضول إلى ميدان التحرير الذي احتله الطلاب، ما هزني في ذلك اليوم هو أن الطلاب ظلوا طوال الليل يرتجفون من البرد ومع ذلك بقوا في الميدان حتى حضرت قوات الأمن وفرقتهم، كان منظرًا يمثل خروج الجيل الذي تربى ونشأ في ظل ثورة 52 من أجل مصر، عندما عدت إلى بيتي في الصباح كتبت قصيدة أغنية الكعكة الحجرية، ونشرتها في مجلة “السنابل” التي كانت تصدر في محافظة كفر الشيخ ويديرها الشاعر محمد عفيفي مطر، الرقيب سمح بنشر القصيدة وأعتقد بأنها كانت السبب وراء عزلي أو حرماني من عضوية الاتحاد الاشتراكي عام 1973، رغم أنه ليس لي صلات مباشرة مع الطلاب ولا مع أي تنظيم سياسي أو أدبي من أي نوع، إن المجلة التي نشرت القصيدة أغلقت أبوابها في العدد التالي، أعتبر هذا وسامًا لي، لأول مرة -على ما أعتقد- تتوقف مجلة عن الصدور بسبب قصيدة، كما أعتبر قرار حرماني من عضوية الاتحاد الاشتراكي تكريمًا لشعري فإذا كانت قصيدة واحدة تحرمني من حقوقي السياسية فأعتقد أن شعري بلغ درجة من النضج والقوة والتأثير بحيث أنه شكل إزعاجًا بشكل ما، لأصدقائي، ناهيك بأعدائي”

والحق أن المتتبع لسيرة أمل دنقل، ومواقفه السياسية يستطيع أن يجزم بأن مسألة حرمانه من حقوقه السياسية لم تؤثر به نهائيًا، فهو ينأى بنفسه دائمًا عن الارتباط بحزب سياسي أو جماعة فكرية، ويعتبر في حواره مع طلعت شناعة لجريدة الرأي الأردنية عام 1982 أن: “الشاعر هو ثورة في حد ذاته، يحلم بواقع لا يتحقق وعندما يتحقق هذا الواقع يحلم بواقع أجمل … الشعر ثورة دائمة”، إن هذه الرؤية للشعر ولوظيفة الشاعر منعت دائمًا أمل من الانتماء لأي تيار سياسي وجعلت صوته من رأسه دائمًا، بل وجعلته أحيانًا أكثر حدة في تقييم مواقف الآخرين قياسًا على مبدأ التزام المبدع تجاه المجتمع الذي ظل يعتنقه دائمًا.

الأزمة مع نجيب محفوظ

إن رؤية أمل دنقل للشعر وللإبداع بشكل عام على اعتباره ثورة دائمة، ورغبة دائمة في خلق واقع أفضل، هي التي خلقت خلافه الحاد مع نجيب محفوظ، وتصريحاته الغاضبة التي أطلقها ضده، عقب إصدار الروائي العربي الأهم لوصاياه العشر التي تهكم عليها أمل في حواره مع “زياد علي” في الفجر الجديد الليبية عام 1974 حين قال “وصايا نجيب محفوظ العشر لا تعدو نشرة صادرة عن قيادة الدفاع المدني، إن نجيب محفوظ هنا لم يكن ابنًا لأرضه أو مبادئه، من حق نجيب محفوظ أن يتراجع، من حقه أن يؤيد السلطة، لكن ليس بهذه الدرجة من التهافت التي لا يليق باسمه ومكانه”، والحق أن نجيب كان مظلومًا بشكل كبير في هذا الهجوم الكاسح الذي شنه عليه أمل، فلم يكن الأديب الكبير متهافتًا أو متملقًا، لكنه لم يكن بمثل الحدة التي كان يرى أمل ضرورة أن يحملها المثقفون في مواجهة السلطة أيًا كانت، إن أمل في هذه الأزمة يعتبر نجيب تراجع عن مواقفه الجيدة، بعد أن عُصف به وتعرض لضغوط عقب توقيعه على بيان الأربعة الكبار الذي طالب بالإفراج عن الطلبة بعد المظاهرات الشهيرة عام 1972، لكنه لا يجد -رغم تقديره للضعف البشري على حد قوله- مبررًا لنجيب: “إن دخل نجيب محفوظ المادي كبير، لكنه يطمع في المزيد عن طريق السينما والتلفزيون والإذاعة، ومن هنا فإن قرار مثل منعه من التعامل مع هذه الأجهزة هو الذي جعله يسارع بالركوع، لكنني شخصيًا أحترم الضعف البشري ولا أحترم ضعفًا من هذا النوع وبصفة شخصية أيضًا فإنني منذ كتابة نجيب محفوظ لوصاياه العشر أرفض أن أجالسه وأرفض حتى أن أحييه، فهو في نظري لا يستحق حتى الرثاء”

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.