تأخذك إلى أعماق الفكر

“نابليون” محمدًا جديدًا: حلم الجمهورية الإسلامية في مصر

الثاني عشر من ربيع الأول 1213 بحسب التأريخ الهجري، الثالث والعشرون أغسطس 1798 بالنسبة للجيش الفرنسي وقائده الجنرال نابليون بونابارت، كان ذلك يوم المولد النبوي، عيد مولد الرسول محمد. سنّ الفاطميون هذا الاحتفال في القاهرة منذ ثمانية قرون، لكن حكام القاهرة المسلمين لم يكونوا بمزاج للاحتفال هذه السنة.  وجد “نابليون” في المناسبة فرصة لتحسين علاقاته مع الشعب المصري وأصرّ على تمويل الاحتفالات. فتوجّه الجنرال الفرنسي إلى مسجد الأزهر الذي تزين بألف مصباح مرفوقًا بمجموعة من العلماء المسلمين، توسط مجلسهم وهم يرتلون آيات قرآنية وتهليلات بمناسبة ذكرى المولد. أما خارج المسجد فامتزجت حركات الدراويش الصوفيين أنصاف العراة مع مواكب الجنود الفرنسيين بلباسهم الفاخر واختلطت أناشيدهم بالكلمات الحماسية للجوقة العسكرية. أشار أحد الضباط إلى الأمر ساخرًا: “حيّت المدفعية الفرنسية محمد”. وترأس “نابليون”، “السلطان العظيم” الاحتفالات وأغتنم الفرصة معلنا نفسه حامٍ لكل الديانات، وأطلقوا عليه اسم “علي بونابارت”.

كان “نابليون” قد حل بالقرب من الإسكندرية في الأول من يوليو وهو يقود جيشًا يعد أكثر من 50 ألف رجل، وكانت تلك الحملة الفرنسية الأولى خارج أوروبا منذ الثورة، دشنت حقبة استعمارية جديدة.  ساهم عامل المفاجأة في الاستيلاء على الإسكندرية بسرعة. تقدم الجيش صوب الجنوب في الحادي والعشرين من يوليو، بعد معركة الأهرام التي تغلب فيها الجيش الفرنسي على المماليك، الذين كانوا يحكمون مصر تحت السلطة (النظرية) للسلطان العثماني. ثم تراجع المماليك على إثر هذه المعركة عن مصر العليا، تاركين القاهرة للفرنسيين، في يوم الرابع والعشرين من يوليو، دخل نابليون إلى العاصمة المصرية، ونصب مقر حكمه. سيطر الجيش الفرنسي على القاهرة ودلتا النيل، ولكن ذلك لم يكفِ ليصبح سيدًا لمصر فقد توجب عليه كسب مودة الشعب المصري.

لم تكن احتفالات المولد الأولى التي يتوسط فيها “نابليون” الجموع فقد فعل الأمر ذاته قبلها، في الثامن عشر أغسطس 1798، في احتفالات فيضان وادي النيل تمامًا كما كان يفعل الفراعنة والسلاطين وباقي من حكموا بلاد النيل، وكانت المناسبة تقليدًا مصريًا خالصًا يحتفل به المصريون منذ الأزمنة القديمة. أعاد القائد الفرنسي الأمر في ذكرى مولد النبي في الثالث والعشرين أغسطس، وكذلك فعل في الثاني والعشرين من أيلول بمناسبة “عيد الجمهورية” والذي كان الذكرى السادسة للجمهورية الفرنسية. صمم القائد الفرنسي بهذه المناسبة راية وطنية خصيصًا لمصر الفرنسية: علم ثلاثي الألوان (الأحمر الأزرق والأبيض ألوان العلم الفرنسي) زينها بآية قرآنية. أراد “نابليون” بذلك ألا تحيد مصر الفرنسية عن المبادئ “الجمهورية الإسلامية”. أياما بعد عيد مولد النبي، كتب للشيخ “المسيري”، رئيس ديوان الإسكندرية: “أتمنى ألا يتأخر الوقت الذي أرسي فيه نظامًا موحدًا، قائمًا على مبادئ القرآن، المبادئ الوحيدة القادرة على إسعاد البشر.” كما أكّد لشريف مكة الذي كان يحاول أن يربط معه تحالفًا:” نحن أصدقاء للمسلمين ولدين النبي محمد، نرغب في فعل ما يعجبكم وما يتناسب مع الإسلام.” أمعن “نابليون” في إظهار قراءته للقرآن، كما حاول إغراء العلماء (علماء الدين) نخبة القاهرة الدينية، طالبا منهم شروحًا عن مقاطع من القرآن، ثم جعل منهم أعضاء مجلسه وفوضهم حكم مصر، كما فرض عليهم ارتداء شارة العلم الفرنسي. أثار القائد الفرنسي شائعة مفادها أنه ينوي اعتناق الإسلام، كما يؤكد ذلك المؤرخ “خوان كول”: “الجاكوبينيون الفرنسيون، الذين كانوا قد احتفلوا ب”طقس المنطق” في نوتردام باريس و الذين غزوا واخضعوا الفاتيكان، كانوا بصدد خلق الجمهورية الإسلامية الأولى العصرية في العالم.”

مقاومة شرسة:

أمل الفرنسيين كان كبيرًا في نقل أفكار الأنوار من أوروبا لمصر، حتى أن فريقا من العلماء رافق جيش “نابليون” بغرض دراسة مصر، كما ساهموا في نقل المعارف والثقافة الأوروبية من خلال تأسيس معهد مصر الذي فتح أبوابه أمام الصفوة المثقفة القاهرية. فقد أكد “عبد الرحمن الجبارتي” الذي كتب وقائع عن الاستعمار الفرنسي شدة إعجابه بالأدوات الفلكية وكتب العلوم الطبيعية والتاريخ، إضافة للنقاشات التي جمعته مع الباحثين الذين درسوا القرآن وتاريخ الإسلام: “كانوا متخصصين كبار وكانوا يحبون العلوم خصوصا الرياضيات والفيلولوجيا.” عكس كثير من علماء الدين الذين لم يستسيغوا كتب الكفار.

حلم نابليون أن يجعل من مصر الفرنسية جسرًا نحو مشرق جديد، “مشرق الأنوار”، ويكون هو من ينقل له التطور والعلوم فيرفع من شأن فرنسا أكثر ومن ثرائها، ويقطع الطريق أمام الإنجليز في هذا المضمار، ولكن سرعان ما تلاشى هذا الحلم أمام المقاومة الشرسة لهذه الحملة الفرنسية الأولى في أراضي الإسلام، فقد اندلعت انتفاضة في الحادي والعشرين من تشرين الأول سنة1798 في شوارع القاهرة. رد القائد الفرنسي كان وحشيًا جدًا فلم يتوانى عن قصف مسجد الأزهر حيث كان يحتمي الكثير من سكان العاصمة المصرية، الحصيلة كانت ثقيلة جدًا بعد أربعة أيام من القتال: 800 قتيل من جنود فرنسا وما بين 5000 و6000 مصري. وجه الجنرال الفرنسي تحذيرات للمصريين بعد فشل انتفاضتهم قائلًا: ” لا سلطة بشرية يمكن لها مواجهتي. لقد ذكر قدومي من الغرب إلى ضفاف النيل في آيات من القرآن.  سيقتنع الجميع بذلك يومًا ما.” حاول نابليون غزو في فلسطين وسوريا بعدها، لكن تحالف مماليك مصر العليا والعثمانيين مع الإنجليز وضعت حدا لأحلام إمبراطورية المسلمين الجمهورية في الشرق.

إعلان

غادر “نابليون” مصر في الثالث والعشرين من أغسطس سنة 1799 عائدًا لفرنسا لتحضير انقلاب 18 برومير.  بدى أن القائد الفرنسي قد تصور أن إسلام علماء الدين كان توحيدًا خالصًا أقرب ما يكون لربوبية فلاسفة الأنوار. أمل أن يساعده تكرار إعجابه بالنبي والقرآن سيكفي لإقناع علماء الدين القاهريين في قبوله كمسلم بينهم، بل حتى ك”محمد” جديد. يبدو أنه صنع هذه الفكرة عن الشرق، في الباخرة التي نقلته نحو مصر، وقد قرأ القرآن بترجمته الجديدة ل» كلود إيتيان سافاري «.  ففي تقديمه للترجمة رسم سفاري نبي المسلمين ك” أحد الرجال الرائعين، والذي تمتع بمواهب عليا، قدم من بعيد ليسيطر على المشهد العالمي ويغير وجه الأرض….” النبي “محمد” بالنسبة ل”نابليون” عسكريًا عبقريًا، خطيبًا فذًا يجيد تحفيز فرقه، كما كان مشرعًا حكيمًا.

كان بعض المفكرين الإنجليز قد قدموا في القرنين السابع عشر والثامن عشر تصورًا عن رسول الإسلام كمصلح ديني سعى لإرساء توحيد نقي وعقلاني، كما أنه وضع أسس مجتمع المساواة، ومبادئ الجمهورية، وهي نفس الفكرة التي دافع عنها “هنري دوبولانفيليي”، الذي ألف كتاب “حياة محمد” (الذي نشر بعد وفاته سنة 1730) والذي كان مجرد خطبة مقنعة   ضد الكنيسة الكاثوليكية: ” قضى محمد على الخرافات، تقديس رجال الدين وسلطتهم. باختصار فالإسلام بالنسبة له نقيض للكاثوليكية المسيطرة: وخالٍ من أي تقاليد، ولا يعبأ بالماضي، ويعادي سلطة رجال الدين، ويدعي المساواة، وعقلاني، أو بصيغة أخرى، جمهوري. أما بالنسبة ل”ايمانويل باستوري” فالقرآن يدعي “أفضل حقائق العبادة وقانون الأخلاق”، ويصف وحدانية الله الإسلامية ب ” الإيجاز الرائع” (زرادشت، كونفشيوس ومحمد: قورنوا كمشرعين، قادة جماعات و أخلاقيون، مع جدول لدوغمائياتهم، قوانينهم وأخلاقهم، 1787). في الوقت الذي كتب المؤرخ البريطاني “ادوارد جيبون” مؤكدا أن “القرآن هو شهادة عن وحدة الله” (تاريخ تقهقر وسقوط الإمبراطورية الرومانية، الجزء الخامس، 1788)، عقيدة محمد بالنسبة ل”جيبون” كانت قريبة بالنسبة إليه من ربوبية الفلاسفة.

نفور ونموذج:

التعرف على القرآن والإسلام جعلت”نابليون” يظن أن مُثل الفلاسفة وعقيدة العلماء المسلمين كانت متماثلة. ولكن في الوقت التي رأى فيه بعض مؤلفي الأنوار أن إسلام الأصول، دين طبيعي وعقلاني يبجل مجتمع المساواة، رسم نابليون في مخيلته صورة معاكسة عن الرسول الغازي والمشرع، الرجل العظيم الذي أعاد تشكيل التاريخ، كما حلم القائد الفرنسي بأن يكون محمدًا جديدًا.

قد تبدو لنا اليوم فكرة مصر “فرنسية، جمهورية وإسلامية” في آن مثيرة للضحك. لكن هل كان “نابليون” يتخيل نفسه محمد جديدًا؟ هل أراد فعلًا أن يتحول إلى الإسلام؟ أم على العكس لم يكن الأمر بالنسبة له غير حسابات مرحلية بسيطة دون احترام حقيقي لا لنبي الإسلام ولا للقرآن ولا للعلماء؟

شرح القنصل “بونابارت” في 16 أغسطس 1800 أمام مجلس الدولة: “بتحولي للكاثوليكية ربحت الحرب في الفوندي، وبتحولي للإسلام وطنت نفسي في مصر، وبلعب دور المدافع الشرس عن الكنيسة الإيطالية سلبت العقول في إيطاليا. لو حكمت شعبا يهوديا لأعدت هيكل سليمان. “أما مادام “ريموزا” إحدى نساء البلاط الإمبراطوري فقد نقلت عن الإمبراطور بما أسر لها به من أحاسيسه حين مر بمصر: “كنت أخلق دينًا جديدًا، رأيت نفسي على طريق آسيا، على ظهر فيل، أرتدي عمة على رأسي، وبيدي قرآن جديد شكلته على هواي.” بل أن هنري السادس كرر أن باريس تستحق أن يقيم قداسًا وأن غزو الشرق يبرر بشكل كافٍ اعتناق الإسلام.

حتى في نهاية حياته، ومن منفاه ب”سانت هيلين” أكد لرفيقه “نابليون” ل”جاسبار جورجو” أن الإسلام إنها أقل سخفا من ديننا.” وأن “دين محمد هو أجمل دين”، كما كتب مذكراته، ومنها “حملات مصر وسوريا” وفيها مدح رسول الإسلام والذي بحسبه لم يُفهم كما وجب في أوروبا. تحدث “نابليون” أيضا في هذه المذكرات عن “سان لويس” الملك الفرنسي الذي اجتاح مصر أكثر من خمس قرون قبله، كما تباهى بكونه أفضل منه على مستوى الاستراتيجية، فعلى النقيض من الملك الصليبي عكس كان هو (بونابارت) صديقا للمسلمين والإسلام ولم يكن عدوا متطرفا. لقد أكد كل الغزاة الأوروبيين على رغبتهم في تمسيح الأراضي التي أخضعوها، لكن “نابليون” كان أول من سعى لنقل أفكار الأنوار والأفكار الجمهورية التي ميزت الثورة الفرنسية نحو الأراضي التي غزاها، لكن لم يخل الأمر من كثير من المتناقضات، ففي الوقت الذي سعى فيه لتحرير المصريين من المماليك قمع انتفاضتهم قمعًا دمويًا، كما أنه أراد غرس القيم الجمهورية فارضًا على الجميع تقديس شخصه –وقد كان يقبل العبيد كهدايا. لكن هذه الغزوة العابرة لمصر تركت آثارها، فقد خلّف تراجع “نابليون” خرابًا في مصر كان سببا في صعود رجل قوي آخر هو “محمد علي” والذي وجد في “نابليون” شخصًا منفرًا ونموذجًا في آن. قام حاكم مصر الجديد بإرسال شبان قاهريين موهبين ليدرسوا في فرنسا، رفض سلطة القوى الأوروبية واستلهم منها في وقت واحد من أجل تنظيم أفضل للجيش والعمال، وأدخل المطبعة، وجدد المؤسسات التعليمية. بعد ثلاثين سنة من الفشل الذريع في مصر انطلقت غزوة جديدة لفرنسا في شمال إفريقيا، في الجزائر تحديدا، لم تتغير الممارسات الفرنسية كثيرا فقد تميزت الحملة الفرنسية بالمتناقضات ذاتها بين مبادئ معلنة وممارسات وحشية ارتكبت في حق الساكنة، وكتب المثقف الجزائري “حمدان خوجة” مدينا للأمر: ” التعسف، التصفية وكل الفظاعات وآفات الحرب ارتكبت باسم فرنسا الحرة”. في السنة المئتين لرحيل “نابليون بونابارت”، سنة تميزت بالكثير من الجدل حول الإسلام في فرنسا وحول الإرث الاستعماري، الحلم المحمدي لنابليون يسائلنا، ويضعنا أمام تناقضاته وتناقضاتنا.

جون تولان. أستاذ التاريخ.

لوموند/ العدد:23713

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: غادة بوشحيط

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.